الدكتورعبد القادر سماري

منشور طويل ومكتوب بسرعة دون مراجعة ...

منشور طويل ومكتوب بسرعة دون مراجعة ...
اللهم أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين،
قبل قليل حطت بنا الطائرة في مطار ( فرانكفورت ) ب ( ألمانيا ) ، ينتظرنا برنامج مكثف،
هذه المدينة زرتها قبل اليوم عدة مرات،
جلست في إحدى المقاعد أتأمل خلق الله،
رحت أتصفح ذكرياتي من مخيلتي في ألمانيا عامة، وفي هذه المدينة خاصة،
واستذكر الأشخاص الذين كانت لي معهم فيها جلسات ولقاءات, فزارني أطياف السادة :
فيصل سيدي موسى
صالح بن جاب الله
محمد فرعوني
شعيب
عبدالمجيد بوناب
محمد بن خرشوش رحمه الله
... ثم تذكرت بأن اليوم 19 جوان ذكرى رحيل الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله إلى دار الخلد ... وبدأتْ ذكرياتي معه في ألمانيا تتزاحم،
كل زيارة قمنا بها كانت خالصة لله، وخدمة لدينه وللجزائر،
وكل ذكرى فيها عبر ودروس ...
قد لا يتسع هذا الفضاء للكتابة مطولا عنها كلها، ولكنني توقفت عند ثلاث محطات كانت في ألمانيا، واحدة فيها طرافة وأخرى فيها حيرة وألم وثالثة فيها عبرة وممازحة...
أما الاولى فكانت مع بداية التسعينات ، لما أسسنا حركة المجتمع الإسلامي، وأردنا تشكيل مكاتب أوروبا، وكانت ألمانيا إحدى المحطات، فيوجد بها عدد معتبر من الجزائريين ، وتعتبر في ذلك الوقت الثانية بعد فرنسا من حيث عدد الجزائريين المقيمين في الخارج،
كانت لنا جلسات متنوعة،
في أحد الايام لما كان المساء وحان وقت العَشاء، طلب لنا الإخوة ( بيتزا ) وكان المكلف بذلك الاستاذ الشيخ عبدالمجيد بوناب، لما حضرت البيتزا قال لي الشيخ محفوظ رحمه : أنظر جيدا لهذه البيتزا لعل فيها ( بوخنوفة )،
قلت للأستاذ عبدالمجيد : هل هذه البيتزا حلال
قال : أكيد
أخذت العلبة، وبها رقم هاتف المطعم الذي أعدها، إتصلت بالمطعم، ولم أكن أعرف من الألمانية إلا كلمة :
دونكشن dank schön، قلتها لمن كان على الخط،
ثم تحولت للأستاذ عبد المجيد وقلت له : أسألهم ما هي مكونات البيتزا التي أرسلوها لنا، ولا تقل لهم هل فيها بوخنوفة أم لا ،
سألهم فأجابوه بأن من أهم مكوناتها : شحم بوخنوفة وشطائر لحمه.
ضحكنا جميعا، ورميناها ...
ثم بتنا ليلتنا تلك دون عشاء ... ثم قلنا للإخوة : أيام كثيرة وليالي طويلة نقضيها في أوروبا على هذا المنوال ...
قال الشيخ عبدالمجيد : والله كنا نظن أنكم تذهبون للخارج من أجل الفسحة، فلما قدمنا إلى أوروبا عرفنا أنكم من المطار الى اللقاءات ومن لقاء إلى لقاء آخر ولا تجدون أين تبيتون ولا ما تأكلون ... قال الشيخ محفوظ : كثير أوليك الذين يظنون أننا نلعب ...
أما الذكرى الثانية، فكانت بدعوة من بعض العاملين في حقل الدعوة في أوروبا، حيث حدث خلاف حاد في ألمانيا، بين مجموعة من العاملين، والاستاذ ( صلاح ج. ) ، فطلبوا منا عقد جلسة صلح ، سافرت مع الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله إلى ألمانيا، اجتمعنا بكل طرف على حدى، سمعنا منهما،
كانت التهمة الموجهة للأستاذ صلاح : (( أنه مشكوك في أمره ))،
والسبب أن الأبواب مفتوحة أمامه حيثما حل، ويستطيع ربط العلاقات مع مختلف الشرائح ...
تعجبنا من تلك التهم، وحاولنا التوفيق بين الطرفين في جلسات انفرادية وثنائية ... وبينما نحن في عز اللقاء يأتينا خبر اغتيال ...
الاخ عمر خنوش رحمه الله
لقد كان سائقا للشيخ محفوظ نحناح رحمهما الله، كان خلوقا خدوما ... تألمنا كثيرا لاغتياله، أو قل لاستشهاده، أسرعنا في الانتهاء من المهمة لنىجع لأرض الوطن من أجل حضور الجنازة ... نسأل الله أن يتقبله في الشهداء، وأن يلحقنا به على اى خير ...
أما الذكرى الثالثة فكانت بمناسبة تحضير الانتخابات الرئاسية لسنة 1995، فبعد ترشيح الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله الذي جاء بعد ثلاث دورات لمجلس الشورى الوطني ، وتعييني ( مدير حملته الانتخابية ) بدأنا في عقد اللقاءات في داخل الجزائر وخارجها، مع مختلف الفواعل سواء الجزائريين أو الأجانب ... وكان من بين برنامجنا الدول الأوروبية، ومنها ألمانيا، خاصة أن ترشح رجل إسلامي وشيخ علم لرئاسة الجمهورية يعتبر طفرة من التاريخ المعاصر، وسابقة لم تحدث من قبل خاصة في العالم العربي ، لقاءاتنا كانت :
* مع الجزائريين من أبناء الحركة،
* مع عموم الجزائريين من مختلف الاتجاهات والانتماءات،
* مع المفكرين والسياسيين العرب والمسلمين المقيمين في أوروبا
* مع السياسيين الأوروبيين
* مع النخب والكفاءات ذوي التأثير في مختلف الدوائر ...
اللقاءات كانت تدور حول النقاط التالية :
- شرح موقف وقرار الحركة للمشاركة في الرئاسيات ومبرراته.
- تقديم برنامج الشيخ محفوظ الذي سيقدمه للشعب الجزائري
- الاستماع لرؤى ومواقف الآخرين واهتماماتهم ...
المهم كان من بين الذين حددنا معهم موعدا، قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المقيمين في ألمانيا والمتمثلة في ذلك الوقت في السيد (( رابح كبير )) ...
الموعد كان في بيت الاستاذ
(( فيصل سيدي موسى )) حفظه الله،
قبل مجيء (( قيادة الجبهة )) جلسنا نحن الثلاثة ( الشيخ محفوظ رحمه الله، والاستاذ فيصل، وصاحب هذه الكلمات عبدالقادر سماري )، جلسنا نستشرف السيناريوهات المحتملة،
من سيأتي؟
كيف نبدأ الموضوع؟
ما هي الاسئلة المحتملة من طرف قيادة الجبهة ؟
هل نطلب منهم شيئا ؟
ماذا يمكن ان يطلبوا منا ؟... وغيرها من الاحتمالات ...
في الموعد المحدد، طرق الباب، قام الأستاذ فيصل، صاحب البيت ، ففتح الباب، دخل رجلان والإبتسامة على محياهما، كانا أنيقين في منتهى الشياكة، عرفتهما، فلقد كانت لي مع كليهما جلسات قبل التعددية السياسية، تقدما خطوتين أو ثلاثة ...
إنسحبتُ إلى اليسار قليلا لأفسح المجال للشيخ محفوظ لاستقبالهما ...
تقدم الاول نحو الشيخ محفوظ فاتحا ذراعيه، للسلام بالحضن، تقدم منه الشيخ محفوظ، ثم بلمسة فنية، وابتسامة عريضة، يتناول الشيخ محفوظ بأصبعيه أطراف البدلة الزرقاء المائلة إلى السواد التي كان يرتديها صاحبنا ويقول له الشيخ محفوظ:
ما شاء الله تبارك الله الاستاذ ((رابح كبير)) يلبس (( لالباقة )) شياكة تليق بالمسلم ...
ضحكنا جميعا ... ثم تعانقا ... وتبادلنا السلام ... الشخص الثاني كان الاستاذ ( أ.ز.) ...
كانت إشارة لطيفة لموضوع لباس (( لالباقة )) الذي أثاره الشيخ محفوظ قبل أربع سنوات في تجمع البليدة يوم
01 ماي 1991، وقد أثار كثير من الكلام والنقاش، رفضت وقبولها واستنكارا ... المهم لم نتوقف عندها كثيرا ...
وبدأنا اللقاء ...
النقاش كله كان يتمحور حول :
الجزائر نظاما وشعبا وأحزابا
الإسلام
المقاصد الشرعية من العمل السياسي
المصالح والمفاسد
ماذا يراد للأمة
من المستفيد من حمام الدم
ضرورة العمل والتعاون على إيقاف الدمار والاقتتال
استشهادات من تاريخ الجزائر
استشهادات من مواقف شخصيات قديمة ومعاصرة ...
توافقنا في بعض الأمور واختلفنا في أخرى ...
كان لقاءً مميزا ... ربما تتاح لنا الفرصة للكتابة عن تفاصيله ومخرجاته ...
المهم افترقنا ... ورجعنا نحن ( الشيخ محفوظ رحمه الله وصاحب هذه الكلمات ) بعد أسبوع قضيناه كله في سبيل الله خدمة لدينه وحماية للجزائر وبحثا عن سبل النجاة ... وكان فيه بعض النكت واللطائف لو يتطوع الاستاذ (( فيصل سيدي موسى حفظه الله الكلام عنها )) ... خاصة أنني كلمته قبل نشر هذا المنشور ...
هذا غيض من فيض مما عايشناه في طريق دعوتنا ووطننا وشعبنا وأمتنا ...
ومع هذه الذكريات ...
وانا أختم هذا المقال، استحضرت حال امتنا، هوانها، ضعفها، تخاذلها، تكالب الاعداء عليها ...
استحكم في عقلي وقلبي ووجداني أحوال المرابطين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، المستضعفين في غزة، التشرذم بين السنة والشيعة والإخوان والسلفية والمدخلية والعلمانيين ودعاة الطائفية والشعوبية ... ثم مرضانا القابعين في البيوت، وشبابنا اللاهث وراء الشهوات، وأغنيائنا المكدسين للأموال ... وحكامنا الذين ضاعت بوصلتهم وتاهتةبهم السبل ... ورحت أناجي رب الارباب مستذكرا كل من طلب مني الدعاء لأنر عام أو خاص ... ناجيته وناغيته وناديته طويلا ... قلت له :
اللهم إنك فعال لما تريد فأفعل ما يرضيك ويرضينا ويرضيك عنا واملأ قلوبنا رضى وتسليم واجعلنا خداما عندك وهيء لنا أمرا رشدا ...
رحم الله شهداء الجزائر
رحم الله شهداء أمتنا
رحم الله علماءنا ومربينا
وغفر الله لنا ولهم وألحقنا بهم على خير .... والصلاة والسلام على المصطفى ...
والله من وراء القصد
د. عبدالقادر سماري