الدكتورعبد القادر سماري

درس وعبرة وطلب دعاء ... لقاء رحمة قبل الملتقى الثالث والثلاثين لمسلمي فرنسا

درس وعبرة وطلب دعاء ... لقاء رحمة قبل الملتقى الثالث والثلاثين لمسلمي فرنسا
قبل انطلاقي الى فرنسا قالا لي :عندنا أخ مقيم في باريس لم يأت للجزائر منذ سنتين هل ممكن تراه و تطلع على أحواله؟ أعرف قيمة الغربة و حنان الاخوة لقد عشت ذاك الإحساس حين كنت طالبا، بقي كلامهما في ذهني، عند وصولي الى باريس كلمته حددنا موعدا واعطيته العنوان وكيفية الوصول، رنّ هاتفي في الوقت المحدد ، كانت الساعة التاسعة صباحا، الحركة قليلة والجو ربيعي، خرجت لاستقباله في لباس رياضي، أثناء الانتظار لاحظت مجموعة من الفرنسيين من أهل الحي يتابعون تحركي ،توقفت عند نهاية الطريق الذي سيأتي منه، تبعني أحدهم وبقي ينتظر، ألقيت عليه التحية مبتسما بادلني بمثلها غير ان ابتسامته لم تكن كاملة، تبادر الى ذهني أنهم يعيشون حالة من الهوس الأمني، بعد دقيقتين او أقل لمحت شابا قادما من ناحية محطة الميطرو، سادلا شعره معفى لحيته تقدمت نحوه ، فلان، نعم، اهلًا وسهلا كيف الأحوال، الحمد لله ، كان شابا حييا مؤدبا، دخلنا البيت ،كان لأحد الاخوة، كنت قد أعددت الفطور، قال : شكرًا لقد تناولت فطوري، جلسنا وبدأت أقشر تفاحة وأناوله أجزاءها،بعد كلمات ترحيب وتطمين وشرح لماذا أريد رؤيته و سؤال أهله عنه، سألته عن أحواله عن حياته عن مشاريعه، كانت حكايته مثيرة، خرج من الجزائر قبل ثلاث سنوات ،وعمره وقتها اثنين و عشرين سنة ،الى تركيا وقد برمج الحرقة عن طريق اليونان الى أوروبا لم يجد فرصة، رجع الى الجزائر تحصل على تأشيرة، دخل الى فرنسا قبل سنتين، هو الان دون أوراق، العمل مستحيل دون أوراق ، يعيش يوما بيوم ، انهض صباحا التاسعة او العاشرة أتناول فطوري واستحم واصلي اخرج لأتمشى أرجع بعد الظهر لأتغدى أستريح قليلا! ثم أخرج وارجع في المساء، أنتظر قدري، ما قدرك ؟أن يجمعني الله ببنت الحلال أرتب أوراقي وأجد عملا ثم أدخل الى الجزائر أرى أهلي وأقضي ديوني ، سألته عن أحوالهم في الجزائر و عن ديونه التي يريد دفعها، عندهم أرض بها بعض الأشجار تقوم عليها والدته ،أبوه يعمل بناء رغم انه شيخ كبير، أخويه الذكور مهاجرين أيضا، بقيت أخواته الأربعة في الجزائر اثنتان متزوجتان ، عنده شاحنة JAC، كان قد اشتراها بقرض من الدولة الذي يأمل أن يسدده، فيه خير أفضل من كثير من كبار المتحايلين الذين اغتنوا من أموال الجزائر ثم أخرجوا الاموال ليعيشوا بها خارج البلد، كان يتكلم بعفوية واسترسال يبرر خروجه والإحباطات والمشاكل التي واجهته في البلاد، يبرر مظهره الذي يدفع عنه أي شبهة خاصة بعد الأحداث الاخيرة، يبحث عن أمل في المجهول وفي الغيب، يريد أن يقول كل شيء، ربما مر عليه وقت طويل لم يجد من يفضي اليه بأحواله،بعد الاستماع اليه إفتتحت كلامي بشكره على الثقة، كلمته عن الوالدين وعن الوطن ، كلمته عن القرآن والصلاة، كلمته عن إخوته وأخواته، كلمته عن الرسالة في هذه الحياة، كلمته عن انواع المعاناة، كلمته عن ضرورة ان يكون عنده ميزان ليعرف ماذا يريد، قال لي : لم أجد أبدا من يقول لي هذا الكلام ، حاولت أن أعطيه بعض الاموال : رفضها بعزة نفس، قال : كلامك أغلى من الذهب واعلم انك تريد مني الرجوع الى الجزائر الوضع أعقد مما تتصور يا دكتور لا يمكنني الرجوع الا بعد أن أحقق رغبتي، وهو يتكلم مرت بذهني تساؤلات كثيرة كم عدد شبابنا الذين هم مثل حالته ، أين دور الوالدين ام انهم مغلوبون على امرهم ، اين دور المدرسة و المربين ، اين دور المساجد و الوعاظ، اين دور الدولة ومؤسساتها، اين دور المجتمع المدني، تكلمنا طويلا تعاهدنا على حب الله وحب نبيه و تلاوة القرآن وحب الوالدين وحب الوطن
ذكرت الموضوع لبعض الاخوة قال أحدهم: هذه حالة خاصة ، قلت :وضع شاب واحد غير مريح يؤلمني واحس بالمسؤولية تجاهه، قال آخر : أمثاله كثر، قلت : يجعل المسؤولية على المجتمع اكبر.
أسوق هذا الكلام للشباب و للوالدين و للمربين والوعاظ و للائمة وللمسؤولين من رئيس الجمهورية الى رئيس البلدية مرورا بالوزراء والولاة ... سنُسأل عن هؤلاء الشباب... جمعة مباركة ...اغتنموها بالدعاء لهذا الشاب وامثاله فيهم خير... أطلت ... اختصرت قدر الإمكان ...معذرة