الدكتورعبد القادر سماري

القاسم المشترك بين آبائي وأجدادي أنه لم يلعن اللاحقُ السابقَ ولم يلمه وكل واحد أدّى ما يستطيع!!!

القاسم المشترك بين آبائي وأجدادي أنه لم يلعن اللاحقُ السابقَ ولم يلمه وكل واحد أدّى ما يستطيع!!!
في إحدى جلساتنا العائلية قلت لأبنائي: لن أغوص في التاريخ البعيد ولكن أكلمكم عن أربعة أجيال من آبائكم وماذا قدموا للدين والوطن وأكمل بكم الجيل الخامس لعلكم تعرفون المطلوب منكم وتستشعرون مسؤولياتكم،
- الجيل الاول: جدكم موسى بن عيسى سماري حين فتح عينيه في أولاد تبان بجنوب سطيف حوالي سنة 1870 وجد فرنسا مهيمنة على كل ما حوله، صادرت أراضيه وأراضي قبيلته ووزعتها على الفرانسيس والطليان والسبنيول، عملت كل شيء من أجل تشريده وتجهيله وحرمانه وإفقاره، كان أكبر عمل يمكن أن يقوم به هو أن يصبر فوق هذه الارض ويجد له فيها عائلة وأبناء يكونون ورثة لهذه الارض وهذا الدين، عاش كل حياته متنقلا بين قرى ومداشر منطقة جنوب سطيف وبرج بوعريريج، حاول ان يربط أبناءه بدينهم ولغتهم، لم يستسلم لليأس ولا لمحاولات الإخراج والتهجير حتى أفضى إلى ربه وقد ترك بعض أبنائه قد أكمل حفظ كتاب الله وأصبح مطلوبا ليصلي بالناس ويحكم بينهم ويلجؤون اليه في مشاكلهم وعقودهم ومعاملاتهم، رحمه الله وتغمده بالرضى والرضوان
- الجيل الثاني : جدكم الحاج الضيف بن موسى بن عيسى حين فتح عينيه سنة 1899 وجد نفسه مع أبيه وأمه وإخوته مشردين في وطنهم تحت نير الاستدمار الفرنسي، تنقل بين الكتاتيب حتى حفظ القرآن وتعلم أصول الدين واللغة عاش وتجرع كل انواع المعاناة، خمس قضايا من أكبر ما قام به، أولاأن يجد مع إخوته لهم مأوى في هذا الوطن فاستقروا في بادية من بوادي جنوب ولاية سطيف تنعدم فيها في ذلك الوقت مقومات الحياة لا ماء لا كهرباء لا طريق وليس لفرنسا فيها أي رغبة تسمى " أولاد بوكثير" في بلدية قصر الطير من ولاية سطيف وأسس بها بيتا للعائلة ومواشي للاسترزاق، ثانيا أن يتواصل مع الشرفاء المتشوقين للانعتاق فكان كثير الأسفار متنوع العلاقات مع الزوايا وجمعية العلماء والاحزاب وقصد بيت الله حاجا كانت له فيها وقفات في مصر، ثالثا أن يعلِّم أبناءه وأبناء محيطه أصول الدين والعربية وحب الوطن فكان بيته قبلةً أنشأ فيها كتابا"زاوية" حفظ على يديه القرآن كثير من أبناء منطقة عين ولمان ورأس الوادي بالاضافة الى أبنائه وبناته وحفدته، رابعا أن يشارك في التعبئة ضد الاحتلال فيقضي أوقاتا طويلة في القرى والمداشر والجبال والأدغال مبشرا بالنصر حاثا على الجهاد مبتدئا بأبنائه نال أحدهم "سي لخضر " شرف الشهادة، خامسا أن يكرس أواخر حياته بعد الاستقلال لعمليات اصلاح ذات البين والتواصل بين الناس فكان له مع الشيخ بلعيساوي والشيخ بلمدني والشيخ أحمد بلحاج الصالح والشيخ بن بيبي يحي الشريف وآخرون جلسات صلح بين عروش اولاد تبان و ريغة وأولاد سي أحمد وأولاد ابراهم وأولاد حناش واولاد عبدالواحد وغيرهم، بالاضافة الى متطلبات الحياة اليومية، رحمه الله وجزاه عنا خير الجزاء
- الجيل الثالث: جدكم الحاج عمار بن الضيف بن موسى بن عيسى، فتح عينيه سنة 1928 وفرنسا باسطة نفوذها وظلمها على ربوع الوطن، وهو مع أبيه وأعمامه وإخوته يقيمون في منطقة تكاد تكون أتعس مناطق الارض على الإطلاق، محرومون من أبسط وسائل الحياة ،الماء والكلأ، ولكن بحمد الله عندهم بيت وأرض ، يقضي طفولته بين حفظ القرآن وتعلم العربية عن أبيه و رعي المواشي وفلاحة أرض أجدب من الصحراء، ثم يقضي شبابه معينا لأبيه في تعليم الأولاد ورعاية العائلة عند غياب أبيه في رحلاته وجولاته وغياب أعمامه في التجنيد القصري من طرف الشمطاء فرنسا، ولعل أهم ما قام به في حياته التي لم تمتد طويلا ستة أمور، أولها أن يتمكن من القرآن واللغة العربية فيتقنهما في مرحلة كانت نسبة الأمية في الجزائر بفعل الاستدمار الفرنسي قد تجاوزت كل الحدود، ثانيا أن ينخرط في الجهاد ضد المحتل الفرنسي الغاشم فلا يدع وسيلة الا استعملها مع الاخوة والأعمام والأصهار وأهل المنطقة لخدمة الدين والدفاع عن الوطن، ثالثا أن يغامر بالانتقال من الريف الى المدينة ، من البدو الى الحضر، رابعا أن يكرس كل حياته بعد الاستقلال لتعليم القرآن والصلاة بالناس تطوعا دون راتب في كتاتيب ومصليات مدينة رأس الوادي ويتخرج على يديه العشرات بل المئات من شباب المدينة وقراهاالذين أخذوا عنه الأدب وحسن المعاملة وتفاوتت درجات حفظهم لكتاب الله، خامسا أن يقدم للجزائر عشرة أبناء، بنين وبنات، ومن الأحفاد أكثر من 100، كلهم يتطلع لأن يكون على نفس طريقة الاجداد في حب الدين والوطن، سادسا أن يكون حلقة وصل بين شباب الصحوة الاسلامية في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينات من جهة وشيوخ المساجد من جهة أخرى فيفتح بيته لتكون مركز التلاقي ومنطلق إشعاع في ود وتراحم، هذا بالاضافة الى متطلبات الحياة اليومية وأسفار الحج والعمرة وصلات الأرحام التي كانت إحدى ثوابته، لينتقل الى رحمة الله في سن مبكرة ولما يتجاوز 58 سنة، عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه.
- الجيل الرابع : أبيكم عبدالقادر بن عمار بن الضيف بن موسى بن عيسى، فتح عينيه سنة 1959 ونار الجهاد ضد العدو الفرنسي في أوج اشتعالها، والعائلة قد قدمت واحد من خيرة أبنائها ( سي الأخضر) شهيدا قبل أشهر، والرجال كلهم بين الجبل والمداشر، ولم يبق في البيت الا النساء والأطفال، وما هي الا سنوات ويأتي الاستقلال وينتقل مع العائلة الى رأس الوادي، وهناك يبدأ المسيرة المزدوجة في التعليم، بين المسجد عند أبيه والمدرسة الجزائرية الرسمية، ويتدرج بين النظامين المتكاملين لتنصقل بهما شخصيته، ويكمل مراحل تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي فالجامعة ثم الدكتوراه، يجد الجزائر مستقلة ولكن التيار الشيوعي الفرنكوفوني مهيمن على كل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، يسمع عن القيم والمبادىء في البيت ويرى غيرها في الخارج فينخرط في الأنشطة المتنوعة لعله يخدم دينه ووطنه، يبحث عن من يتقاسم معه تلك الآلام والآمال فيجد ضالته في شباب وشيوخ كانوا له وكان لهم سندا في مسيرتهم ، ولعل أهم ما قام به تسعة أمور، أولا أن لا يترك برهة تمر إلا جعلها فرصة للاستزادة من العلم والمعارف المختلفة في مختلف العلوم والتخصصات وخاصة ما يخدم الدين والوطن، ثانيا إنخراطه المبكر في الدعوة إلى الله مع أفواج من الشباب بالداخل والخارج أثناء الدراسة وبعدها والبحث المستمر عن أفضل السبل التي تخدم الدين وتحفظ الوطن، ثالثا إنخراطه مع الشيخ محفوظ رحمه الله في مسيرة الإصلاح الشامل والعمل الدؤوب لحماية الاسلام من التشويه والوطن من التدمير والمجتمع من التمزق وبذل الجهد لإيقاف النزف الدموي والدمار الحاصل رغم مخاطر المهمة وصعوبتها، رابعا أنه تنقل بين مختلف المسؤوليات في الجامعة والبرلمان والوزارة والبرلمان العربي والحركة السياسية والعمل الجمعوي فلا يذكر أنه تعدى على حق أحد متعمدا ولا ظلم أحدا متعمدا ولا قصّر في نصيحة مسؤول مهما علا ولا احتقر موظفا مهما كانت رتبته الا ما كان في اطار القانون، خامسا أنه رغم قناعاته وميولاته إلى هذا أو ذاك فبعد وفاة الشيخ محفوظ نحناح لم يكن سببا في فرقة أو انقسام بل قام بما يشبه المستحيل للمِّ الشمل وتوحيد الصف فلما تعذر بقي من الجميع على نفس المسافة ومع غيرهم ايضا خدمة للدين والوطن، سادسا دخول فلسطين ثلاث مرات عن طريق غزة في رئاسة وفود البرلمان العربي كسرا للحصار ودعما للمحاصرين وجلب الدعم لذلك من كل الدول العربية، سابعا الاستمرار في العمل وبث الأمل والتواصل مع فئات كثيرة لمحاصرة ثقافة اليأس وكسر روح التشاؤم وتنويع مجالات العمل، ثامنا أن يقوم هو وأخويه بإحياء تلك الارض التي استقر فيها جده قبل ما يقارب المئة سنة والتي لم تكن تصلح لشيء لتكون لهم صدقة جارية ما بقيت فيها شجرة مخضرة وقطرة ماء تجري ، تاسعا ولعل آخر ما يفخر به ويحتسبه عند ربه هو هذا العدد من الاخوة والأبناء و ابنائه من صلبه الذين يأمل أن يرى فيهم ومنهم من يكمل المشوار ويستكمل البناء.
- الجيل الخامس : هو انتم يا أبنائي، اسمعوا مني :لا تسبوا آباءكم الذين دخلت فرنسا في وقتهم للجزائر، ولا تسبوا آباءكم الذين لم يسرعوا في إخراج فرنسا من الجزائر فبقيت 132 سنة، ولا تسبوا آباءكم الذين اختاروا نهجا أقرب للشيوعية منه الى دينكم، ولا تسبوا آباءكم الذين اقتتلوا ودمروا بلادكم خلال عشرية كاملة، ولا تسبوا آباءكم الذين تفرقوا وتشتتوا، ولا تسبوا الذين أفسدوا العباد وضيعوا الاموال وأساؤوا التصرف في الثروة، لا تشغلوا أنفسكم بالسب واللوم والتشنيع ، ولا تنتظروا إملاءات ماذا وكيف تعملون ، ربما تستفيدون ممن سبقكم ، تثمنون الايجابيات وتستدركون على السلبيات، ولكن في جميع الحالات لقد خُلقتم لزمان غير زماننا ولأوضاع غير أوضاعنا، لكم عقول وعواطف وسواعد وظِّفوها فعِّلوها دعوها تشتغل وتُبدع وتنتج ... ربما سنة 2216 سيكتب عنكم احفادكم ويترحمون عليكم ... انظروا ماذا يكتبون... إطالة ملزمة... معذرة.