الدكتورعبد القادر سماري

معذرة سأطيل ...

معذرة سأطيل ...
في مثل هذا اليوم وقبل 34 سنة ( 04-04-1984) كان الموعد، وكان اللقاء، وكان النقاش، وكان العهد... ويستمر الوفاء بإذن الله... أذكره كذكري يوم أمس وحسب مقولة مولود فرعون في رائعته عن الدخول المدرسيJe me souviens, comme si cela datait d’hier ... كنا طلبة شباب ... خرجنا بسيارتين من مدينة قرونوبل بشرق فرنسا، متجهين نحو مدينة بوردو بغرب فرنسا، المسافة تقارب 1000 كلم، كلنا عزم وهمة وإخلاص وتشوق لحضور الملتقى الثاني لما أصبح فيما بعد يسمى( ملتقى مسلمي فرنسا أو ملتقى UOIF أو ملتقى البورجي le Bourget ) كان في السيارتين عدد من الاخوة أذكر منهم ( صاحب هذه الكلمات - د. محمد علي بوغازي المستشار الحالي لرئيس الجمهورية - د. عبدالكريم كراغل أستاذ بجامعة سطيف ثم الان أستاذ بجامعة قرونوبل - د. أحمد بكة أستاذ بجامعة وهران - الاخ سليمان من فرندة ...) في الطريق لم نتوقف إلا من أجل الصلاة أو أكل لقيمات، مررنا بعدة مدن فرنسية ( فلانس - نيم - مونبلييه - تولوز)، كنّا نتداول السياقة ونقوم بالاذكار والتذكر ونستذكر القرآن ونحكي القصص ونتبادل النكت، حدثت لنا طرائف أهمها لما وصلنا الى مدينة ناربورن Narbonne وكنت أنا السائق في السيارة الاولى قال لي الاخ سليمان أراك تعبت دعني أريحك قليلا، توقفت وأخذ المقود ونمت كأصحاب الكهف ما يقارب الساعتين فتحت عينيًّ على صراخ الاخوة ( إننا ندخل إسبانيا ) توقف الآخ سليمان ومن ورائه السيارة الثانية: لم يبق الا القليل ونكون وجها لوجه مع الجمارك، كان الوقت قد قارب صلاة الفجر، لقد أخطأ الاخ الطريق وأخذ بنا طريق اسبانيا بدل طريق بوردو، ما كنت قد ربحته في النوم خسرته في أحد المنعطفات، عاودت أخذ المقود لنرجع الى الطريق، طرفة أخرى توقفنا في أحد الخانات لتضع البنزين دخلت الى الحمام لم أجد للحنفيات صنبور robinet احترت كيف ينزل الماء وضعت يدي تحت الحنفية فنزل الماء، كان الماء ينزل بالأشعة تحت الحمراء، دخل الاخ عبدالمالك أراد الغسل فلم يجد الماء بدأ يبحث فلم يجد قال لي كيف ينزل الماء فأردت مداعبته، قلت : إنه ينزل بمجرد ما تدير أُذنك، وضعت إحدى يدي على أذنيه والأخرى تحت الحنفية فنزل الماء، ثم قلت له ضع يدك تحت الحنفية فلما وضعها وضعت يدي عند أذنه وأدرتها فنزل الماء ضحكنا مطولا ثم شرحنا الآلية وأكملنا المسير، لما اقتربنا من جبال البرانس les Pyrenees تذكرنا مرور المسلمين بها قبل 1000 سنة وكيف كانت تلك الاراضي في يوم ما من أراضي التوحيد وبها بعض الآثار الشاهدة عليها الى اليوم ... وصلنا مدينة بوردو لم يكن هناك GPS ولم يكن هناك هاتف محمول ولم يكن هناك مواعيد في فنادق 5 نجوم ... كان الموعد في مسجد المدينة المتواضع، وجدنا الاخوة في انتظارنا، لم نكن نعرف الا القليل منهم، استقبلونا بعيون تشع نورا وألسنة تنطق حبا واحضان تفرز حنانا وأيد تمتد سلاما ، أكرمونا بالموجود وهيَّؤوا لنا مواقعنا لنضع فيها أغراضنا لأننا سنقضي الأيام في المسجد دروسا وأكلا ونوما، إنها تشبه أيام منى، كانت الحلقات في المسجد مثل أطايب الزهر للنحل نتنقل هنا وهناك، إلى أن جاءني الشيخ فيصل مولوي رحمه الله، وكانت لي به سابق معرفة قبل سنة في مدينة قرونوبل وقال لي : في السدة (الطابق الاول) رجل يجب أن تعرفه، صعدنا الى السدة إقتربنا منه، ابتسامة عريضة ترتسم على كل أعضائه، يد كبيرة قوية تمتد نحونا، كلمات جهورية تنطلق من حنجرته ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) الصورة أعرفها، لقد مرت بي، ولكني لا أعرف الرجل، بادر الشيخ فيصل ليزيل حيرتي ( الاستاذ محفوظ نحناح من الجزائر ) في لحظة استعدت ذكرى أول مرة رأيت فيها صورته، لقد كانت قبل ثلاث سنوات في مجلة الدعوة وأنا طالب بجامعة سطيف في عمود خبر عاجل ( الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد يطلق صراح الداعية الشيخ محفوظ نحناح )، دعانا للجلوس قدمت نفسي : عبدالقادر سماري طالب في جامعة قرونوبل، قال : إنك اتصلت بي على الهاتف قبل أشهر لأحضر معكم نشاط ولكنني لم استطع لأنني كسرت في ذراعي، شد انتباهي أنه تذكر بأننا دعوناه الى قرونوبل وحقيقة اتصلت به شخصيا على الهاتف ووعد بالمجيء في شهر ديسمبر 1983 ولكنه كُسر ولم يستطع المجيء، سألني من أين في الجزائر قلت : سطيف، قال مداعبا : زطيف ... هل تعرف جمال الدين لعمش ، قلت : نعم هو أول من حضرنا معه الحلقات في مسجد العتيق، استأذن الشيخ فيصل رحمه الله وبقينا نحن الإثنين، لم يخرج كلامنا عن أمرين : ( الجزائر و الاسلام ) أو ( الاسلام و الجزائر ) تكلمنا عن أحداث جامعة الجزائر 82 وما بعدها، عن بن بله وماذا يريد، عن الجامعة الاسلامية بقسنطينة واستقدام الشيخ الغزالي وبعض العلماء والدعاة، عن دور الجامعات في مستقبل الجزائر، عن الجزائريين في الخارج وخاصة الطلبة، تنقلنا بين آلام المسلمين وآمالهم، تكلمنا عن المسلمين في بلاد الغرب ، قال : (كل بلاد عيبها على رجالها ونحن أمامنا عمل كبير في الجزائر في القرى والمدن والاحياء والمعاهد والثانويات والجامعات ومؤسسات الدولة والشباب والنساء ...) ، أحسست وقتها أنني أمام برنامج عمل لجحافل من البشر سيغيرون العالم، كان يتخلل كلامنا نكت وطرائف لم يكن بتلك الجدية المتزمتة ولا بذلك التميع المتسيب، قبل لقائي به : كانت لي جلسات مع شخصيات أخرى من عالم الدعوة والعلم : الشيخ سي احمد بلحاج الصالح ،الشيخ عباس مدني، الدكتور أحمد بن محمد، الشيخ مصطفى مشهور، الشيخ فيصل مولوي، الاستاذ ابوجندل، الاستاذ بسام، الشيخ الطيب برغوث، الشيخ عبدالله جاب الله، الشيخ محمد السعيد وآخرون كثر ... استفدت من الجميع وأكن لهم جميعا الاحترام اترحم على الأموات وأتمنى طول العمر والصحة والتوفيق للأحياء ... ولكن معه رحمه الله وفي تلك اللحظات من ذلك اللقاء أحسست أن رابطة بيننا وحبلا متينا قد نسجه القدر، سألته سؤالا : ما قولك في المعارضة في الخارج، قال لي ببساطة: لا أومن بالمعارضة أصلا فما بالك أن تكون بالخارج بلدنا تحتاجنا ولما تنهي دراستك نلتقي بالجزائر ... وضعت يدي بيده وقلت : كلام رجالة الموت يفرقنا ... افترقنا وفي اليوم الثاني ألقى محاضرته تحت عنوان : (خلقك الاسلامي ) تابعتها عن بعد مثل كل الحضور، انتهى اللقاء ورجعنا الى قرونوبل ... بعد سنة ونصف انهيت الدكتوراه ورجعت الى الجزائر بأسرع ما يمكن ... زرته في بيته بالبليدة كان حديثا ذي شجون ملخصه : أنت تعرف ماذا تفعل وأنت لا تعرفني الا من خلال المحاضرات ... افريل 1987 دعوناه الى جامعة سطيف وكنت وقتها مدير الدراسات العليا بمعهد الكيمياء الصناعية جاء معه الحاج سليمان والاستاذ عبدالحميد مداود، بعد المحاضرة استضفتهم عندي في البيت ليلة كاملة كان معنا مجموعة من الاخوة، بعد العشاء بقينا نحن الأربعة ( الشيخ محفوظ رحمه الله الاستاذ عبدالحميد الحاج سليمان وصاحب هذه الكلمات ) كان حديثا عن الماضي القريب ثم عن المستقبل لقد كنا نحس أن أمورا ستحدث بالجزائر، لم تكن هناك احزاب أو حركات أو جمعيات، كانت هناك رسالة وستبقى، تعاهدنا على العمل للإسلام وللجزائر أو للجزائر وللاسلام.... وأثناء الطريق تعرفنا الى الكثير من الرجال والنساء لهم في قلوبنا مكانا لا يزول ومقاما لا ينمحي مهما حدث من تقلبات ... وتستمر المسيرة ان شاء الله ... قد نخطيء ... قد نتعب ... قد نقع في بعض الشهوات ... قد وقد وقد ... ولكن لن نخون العهود ولن نولي الأدبار ... والله حسبنا ونعم الوكيل وعليه التكلان ومنه التوفيق وإليه التوجه بالدعاء.