الدكتورعبد القادر سماري

كنت في خلوتي أتدبر بعض المعاني التي ورثتها عن جدي المجاهد الحافظ سيدي الحاج الضيف ووالدي المجاهد الحافظ سيدي الحاج عمار رحمهما الله، فجاءتني رسالة من أخي عبدالحميد بن حمادي يقول فيها ( لو تتكرم وتكتب شيء ... عن المرحوم أبوبكر ) وكان قد انتقل إلى رحمة الله قبل أيام، حملتني الرسالة إلى محطات مختلفة من حياتي وبدأت الاطياف تمر وكأنني قد ركبت ( آلة الرجوع بالزمن إلى الوراء ) ... وها هي أربع محطات تستوقفني، لي مع الاخ ابوبكر فيها ذكريات، وفي كل محطة تظهر وجوه وشخصيات ومعها أخلاق أخي ابوبكر رحمه الله وميزاته :

كنت في خلوتي أتدبر بعض المعاني التي ورثتها عن جدي المجاهد الحافظ سيدي الحاج الضيف ووالدي المجاهد الحافظ سيدي الحاج عمار رحمهما الله، فجاءتني رسالة من أخي عبدالحميد بن حمادي يقول فيها ( لو تتكرم وتكتب شيء ... عن المرحوم أبوبكر ) وكان قد انتقل إلى رحمة الله قبل أيام، حملتني الرسالة إلى محطات مختلفة من حياتي وبدأت الاطياف تمر وكأنني قد ركبت ( آلة الرجوع بالزمن إلى الوراء ) ... وها هي أربع محطات تستوقفني، لي مع الاخ ابوبكر فيها ذكريات، وفي كل محطة تظهر وجوه وشخصيات ومعها أخلاق أخي ابوبكر رحمه الله وميزاته :
* المحطة الاولى: الطفولة وكانت عائلتنا( سماري ) قد قدمت من قصر الابطال إلى رأس الوادي بحكم أن سيدي عمار ( والدي رحمه الله ) كان معلم قرآن بحي طوملة، وفي هذه المرحلة كنا نلتقي في أمرين : (حفظ القرآن عند الوالد- صلاة التراويح عند الحاج محمد الطاهر بن حمادي وكان والدي يصلي بنا- لعب ديليفرانس délivrance - ولعب كرة القدم) وهنا تظهر وجوه كثيرة من أقراننا في حيِّنا الكبانية :
بن حمادي : اسماعيل - عبدالمالك - ابوبكر - الحسين ...
سلوم : نصير- العياشي - محمد الطاهر- عزالدين - اليمين ...
بن وله : اسماعيل - جمال - خالد ...
ثليجان : المسعود - الحواس - عبدالحفيظ - علي - الواحدي ...
جدي : الصالح - فؤاد - خالد ...
سول : لحسن - اليمين - حميد ...
بن سعدي : النواري
زروقي : عبدالناصر
عراس : الطاهر - الرزقي ...
معلول : علي - بلقاسم - نورالدين ...
كتفي الشريف : لخضر - ساعد - النواري - عبدالمجيد - العربي ...
معارشة : العربي - لخضر - السبتي ...
وآخرون : الصالح بعبوش- كبابي النواري - الصالح بن قارة - المدني بن مسعود ...
وفي هذه المرحلة كان تميز الاخ أبو بكر في عدة أمور : حرصه على حضور حفظ القرآن - حضوره لما نخرج في العواشير( قبل عيد الأضحى ) وفي عاشوراء وفي المولد نطرق الأبواب ونقدّم ألواحنا للعائلات ليعطونا الدقيق أو البيض أو السكر - شجاعته وقوته في اللعب وكان يذهب بعيدا في لعبة ديليفرانس - كما كان مقداما وشجاعا إذا حدث بين حينا والاحياء الاخرى عراك ومشاجرات ولعل أهم شيء هو كرمه لأن والده كان جزارا وكان عندهم الخير فيعطينا منه
** المحطة الثانية وهي بداية الشباب ، كنت قد انتقلت إلى ثانوية سعيد زروقي بالبرج ، أما أخونا أبو بكر فقد بقي مع والده عمي البخوش رحمه الله في عمله كجزار كان هو ساعده الأيمن ، وكنا نلتقي مع نهاية الأسبوع ، كان لقاؤنا في ( مراجعة القرآن عند سيدي عمار - صلاة التراويح عند الحاج محمد الطاهر -لعب كرة القدم وعقد بطولات بين الاحياء tournois - التدريب على مختلف الرياضات الجيدو ،الكاراتيه، كرة الطاولة، الشطرنج ، في دار الشباب التي فتحت في ذاك الوقت الفاج ) وهنا تظهر وجوه جديدة بحكم عامل السن و البطولات بين الاحياء tournois، من مختلف الاحياء : حمدة الطاهر، حمدة علاوة، ملوك، مقصود، ريغي قديورة، قاق، لوعيل، باي ، قيدوم، شناح، لعبيدي ... ويبقى لأخينا أبوبكر سمته وتميزه في كل المجموعة
*** المحطة الثالثة وهي الأطول والاهم تمتد من أواخر السبعينيات من القرن الماضي إلى بداية هذا القرن، في تلك المرحلة كانت علاقاتنا دعوية وعلمية خالصة لوجه الله تعالى لا يشوبها أي كدر أو دخن، بدأنا العمل الدعوي في ظروف صعبة جدا كانت الجزائر تميل الى الشيوعية والفرنكفونية في كل مظاهرها ومؤسساتها ، كان الانحلال والخمر والقمار والمجون في كل مكان، المساجد قليلة ولا يأتيها إلا كبار السن، لا أعلم كيف نجانا الله من ذلك الوضع، إنه لطف الله، كنا مجموعة صغيرة ( صاحب هذه الكلمات - علي شناح - العربي طاوي - لحسن حلقوم - الصالح بن عمارة - الرازي بودينار - حويشي اليمين - لحسن ابراهيم واثنين أو ثلاثة آخرين ) بدأنا لقاءات مستخفين ، كان يسندنا الشيخ سي أحمد بلحاج الصالح رحمه الله، لما بدأنا في الدروس العامة إلتحق بنا جمع طيب من الشباب من بينهم : أبو بكر بن حمادي رحمه الله ، ناجي بن حمادي رحمه الله، عزوز يحي رحمه الله، بوادي عبدالحفيظ ، رابح شميل، عرافي عبدالحليم، زواوي عبدالكريم ، بوادي الحواس العيد، غربي، يوسفي، جمال بن حمادي، عزيز رحمه الله ... وهنا أتوقف عن سرد الأسماء، معذرة لكل أخ لم يرد اسمه، لأرجع لدور أخي أبو بكر :
لما التحق بنا الاخ ابو بكر رحمه الله وكان ميسور الحال، حيث أن معظمنا كنا طلبة، اما هو فكان جزارا، كان يمدنا بكل ما نحتاج وخاصة لما نقيم المعارض والندوات والدورات العلمية و لما ندعو المشايخ والدعاة ولقد شهدت تلك المرحلة قدوم الكثير منهم الشيخ الدكتور علي جريشة رحمه الله الدكتور أحمد بن محمد الشيخ محفوظ نحناح الشيخ عباسي مدتي الشيخ ابوجرة سلطاني الشيخ شرفي الرفاعي الاستاذ حسن كاتب الشيخ الطيب برغوث الاستاذ محمد صحراوي، وكانت للأخ ابو بكر جلسات مع معظمهم ... لقد كان رحمه الله يأخذنا بسيارته لما نتنقل إلى القرى والمداشر لفتح المصليات في بير الشحم وطيطست والشرارحة و بيلو وبرجي والشلخة ، ثم كان يرافق الشباب لما نأخذهم لحضور المعارض والمحاضرات التي كنا نقيمها في جامعة سطيف أو الى المخيمات ، وبعدها أصبح يقدم دروسا في مسجد طوملة ويشارك معنا في الحلقات واللقاءات العلمية، كما تعرفه مساجد العتيق، الفتح، النصر ، لقد كان رحمه الله قيمة مضافة للعمل الدعوي في بداياته ... ولما جاءت أحداث التسعينيات استطاع ان يتميز بعلاقاته الطيبة مع الجميع محافظا على دينه ملتزما بأخلاقه بعيدا عن كل الصراعات والتوترات واستمر كذلك إلى آخر يوم من حياته.
**** المحطة الرابعة وهي العشر سنوات الاخيرة حيث تميز بأمرين أساسيين : الاول أنه أصبح بمثابة القيِّم على مسجد علي بن أبي طالب وكنت ألقي بهذا المسجد درسا كل رمضان نلتقي ونتبادل الحنان والاحزان نتبادل الأشواق والاحتراق والامر الثاني أنه خرج بعيدا الى الجزائر العميقة حيث أنشأ مزرعة جميلة في تيميمون بولاية أدرار وقام بها أحسن قيام رغم البعد والمتاعب والمصاعب الادارية والتقنية والظروف الصعبة .

أما علاقتي الخاصة بأخي أبو بكر رحمه الله فهي أكثر من طيبة، لم تنقطع منذ تعارفنا أكثر من خمسين عاما، وآخرها كانت مكالمة هاتفية قبل أيام وهو قادم من تيميمون الى راس الوادي ... ولعل أهم ذكرى كانت في ديسمبر 1983، كنت طالبا في قرونوبل بفرنسا، وقد أحاطت بنا بعض الفتن النسوية ونحن شباب، يعرفها جيدا أخي العربي زروال، رجعت الى الجزائر عازما أن أتزوج أو لا أرجع إلى فرنسا، فاتحت أخي ابوبكر وإخوة آخرين في الموضوع لم تكن في ذهني أي فتاة، بدأنا نبحث : هذه مخطوبة وتلك لم تنه دراستها، والأخرى تزوجت وتلك يجب أن تشتغل بعد الدراسة واقترب موعد العودة دون أي جديد، وجاءنا خبر من ( الاخ مالك عبدالقادر ) وقد كان طالبا عندي في جامعة سطيف قبل ذهابي لفرنسا، اخبرني أن أحد الاخوة في شلغوم العيد له بنت تُدَرس في الثانوية وتُدَرِّس في المسجد ، كلمت أخي ابو بكر حددنا موعدا وانطلقنا بسيارته ( زازطافا ) وصلنا مسجد ابن باديس بشلغوم صلينا الظهر ودخلنا المقصورة وجدنا مجموعة من المشايخ في انتظارنا، كانت شلغوم معقل جماعة الدعوة والتبليغ، تعارفنا قدمنا الاخ مالك ، بدأت الأسئلة من شيخ وقور حازم اسمه الحاج موسى ، عرفته فيما بعد وتوثقت صلتنا وهو عمي يوسف شعلال المجاهد وصديق الشيخ أحمد حماني رحمه الله، كانت الأسئلة تتتابع: كيف عرفتنا أين تسكن هل تعرف البنت ماذا تشتغل لماذا تريد الزواج ،لما رآني الاخ أبو بكر كأنني قلقت قال لي : أمرك لله ، ابتسمت ثم كان سؤالا أخير : من تعرف حتى نسأله عنك ؟ بدأت أذكر بعض الاساتذة والمشايخ لا يعرفون الدعاة الحركيين، قال : هل تعرف أحد من منطقة سكيكدة أو جيجل، قلت : الأخ عبدالقادر حشاني علاقتي به طيبة ، قال والد الحاج يوسف : إذا أعطاها لك الاخ حشاني ووافقت هي فهي لك ... خرجنا من المسجد ... مباشرة إلى الأخ عبدالقادر حشاني ... وفي طريق عودتنا قال لي الأخ أبوبكر عليك أن تصلي صلاة الاستخارة ، توقفنا في مسجد بير العرش صليت صلاة الاستخارة وقفلنا راجعين، وبعد يومين جاءنا الخبر بالموافقة ... بعد ذلك رافقني أخي ابوبكر رحمه الله في كل خطوات الزواج ... ولكنه كان أفضل مني فهو له زوجتان أما أنا فمازلت من الموحدين ... هذه بعض الوقفات مع الأخ أبو بكر رحمه الله واسكنه فسيح جنانه...

اللهم انفعنا بصداقاتنا وأخوتنا ومعارفنا واجعلنا واياهم على سر متقابلين في الفردوس الأعلى ... كم عرفنا وأحببنا من عباد الله ... بعضهم فارقنا الى رحمة الله نسأل الله لهم الفردوس ومنهم من ينتظر نسأل الله له طول العمر وصلاح العمل ...جمعة مباركة