سألني أحد الصحفيين :( كم هي خسارة الجزائر في هذا الحراك؟ )
سألني أحد الصحفيين :( كم هي خسارة الجزائر في هذا الحراك؟ )
قلت : هذا سؤال خطأ والجواب عنه مجردا عن حقيقة الوضع يجرنا الى تصورات خاطئة
قال : أنا طرحت سؤال بريء وأنت تدخلني في البوليتيك
قلت : حتى وإن كان السؤال بريء، وأنا أصدقك، إلا أن التسليم بأن هناك خسارة يعني أنه لا طائل من ورائه
قال : وكيف يكون السؤال الصح ؟
قلت : يمكنك أن تقول : ما هي كُلفة إستثمار الجزائريين في هذا الحراك لمستقبل بلدهم ؟
قال : وهل هذا استثمار ؟
قلت : هذا أهم استثمار يقوم به الجزائريون، ولا يضاهيه إلا الاستثمار الاول الذي استمر لسنوات خلال القرن الماضي
قال : أي استثمار أول ؟
قلت : استثمار الاستقلال الذي كلّف الجزائريين ملايين الشهداء، وملايين الُمبعدين، وملايير الاموال التي أخرجتها فرنسا معها حين خرجت
قال : دعنا نعود إلى السؤال كما أردته أنت : ما هي كلفة إستثمار الجزائريين لمستقبل بلدهم في هذا الحراك ؟
قلت : لا يستقيم هذا السؤال وحده
قال : كيف لا يستقيم، وما نضيف له؟
قلت : نضيف له ثلاث أسئلة ؟
قال : وما هي
قلت : الاول : هل هذا الاستثمار مُربح أم لا ؟
والثاني : ما هي شروط نجاحه وكيف يكون إهتلاك (amortissement ) ما صرفناه ؟
والثالث : ما هي المخاطر المحتملة ؟
قال : لا أستطيع أن أواصل، رجاء إسأل نفسك وأجب ؟
قلت : الأمر يحتاج إلى تفصيل بل تفاصيل ولكنني سأكون مختصرا
ما فيه الجزائريون اليوم هو إستثمار بأتم معنى الكلمة ومهما دفعوا من أجله من أموال مباشرة أو غير مباشرة يهون أمام مخرجات هذا الاستثمار إن تحققت، والآن دعني أتناول الأسئلة الأربعة :
1- ولنبدأ بالأخير : ما هي المخاطر المحتملة ؟ أحددها حسب أهميتها ودون شرح:
- أن تحدث مواجهة مباشرة بين الشعب والجيش
- أن يحدث شرخ داخل مؤسساتنا الأمنية
- أن يصل الشعب إلى درجة اليأس والقنوط
- أن تقفز أطراف استئصالية على مخرجات الحراك
- أن يحدث شرخ مجتمعي بعد إنتهاء الحراك
2- السؤال الآخر : هل هذا الاستثمار مربح أم لا ؟
ليس هناك أدنى شك من ربحية المشروع ولعل بعض أرباحه بدأت تظهر للعيان، منها :
- قدرة الجزائريين على التعايش والتواصل السلمي
- التلاحم الشعبي فيما بينه ومع مؤسساته كلها
- تحرير كثير من القطاعات ومناداتهم بتحكيم القانون والعدالة
- إيجابية الشباب الجزائري وتمسكه بوطنه وثوابته وتراجع قوارب الموت
- الصورة الإيجابية لدى الرأي العام العالمي عن الجزائر والشعب الجزائري
كما أن هناك أرباح أخرى منتظرة في حالة نجاح المشروع، منها :
- الدرس والعبرة لأي مسؤول مستقبلي حتى لا تسول له نفسه الانفراد بالامور
- الدرس والعبرة لأي مستثمر ومغامر بالمال العام
- سيادة القانون في جميع المجالات
- استرجاع جزء كبير من الثقة بين الحاكم والمحكوم وبين مختلف شرائح المجتمع
- التوزيع العادل للثروات
- حماية المال العام والثروة الوطنية واحتمال استرجاع جزء مهم مما نُهِب
- إحتمال إقبال المستثمرين الأجانب في حالة الاستقرار التشريعي وسيادة القانون
3- السؤال الثالث : ما هي شروط نجاح المشروع وكيف يكون اهتلاك amortissement ما صرفناه ؟
نجاح مشروع الحراك الشعبي في الجزائر، حسب منظوري الخاص، مرتبط بعدة أشياء أهمها :
- الشرط الاول أن يعلم الجميع أن الانتقال من هذا الوضع إلى وضع تتحقق فيه العدالة وتكافؤ الفرص وتطبيق القانون وضمان الحريات وتحقيق الثقة والأمل في المستقبل وحفظ المال العام سيكون الخير للجميع وخاصة لأجيال المستقبل
- الشرط الثاني أن نبتعد عن منطق الانتقام وروح الحقد ونترك كل شيء للعدالة
- الشرط الثالث أن يعمل الجميع وتتكاتف الجهود للخروج من المرحلة الانتقالية في أسرع وقت
- أن ينخرط شباب الحراك في العمل السياسي والجمعوي سواء في ما هو موجود أو استحداث أُطر جديدة حسب الرؤى والرغبات
- أن يسهر الجميع على حسن التمثيل الشعبي في المؤسسات المنتخبة محليا ووطنيا وعلى شفافية ونزاهة الاستحقاقات المختلفة
- أن يخضع التعيين في إدارة وتسيير المؤسسات الاقتصادية العمومية إلى الانتخاب والمساءلة والتقييم في المجالس حسب طبيعة كل مؤسسة ( بلديا، ولائيا، وطنيا )
- تفعيل مراكز الدراسات الموجودة واستحداث مراكز للاستشراف والدراسات والرصد المبكر ومرافقتها للمؤسسات الحكومية
وهناك شروط أخرى حسب طبيعة وشكل الأنشطة، أما كيفية اهتلاك ما نبذله الان فيكون باستمرار الجهد لتثمين هذا الحراك من أجل ترسيخ روح العمل والإتقان واستغلال المقدرات الوطنية التي لم نستعمل منها، في أحسن تقدير، %10 في مختلف المجالات وذلك لغياب النظرة التكاملية للمقدرات الوطنية.
4- لأرجع إلى سؤالك الأصلي : كم هي خسارة الجزائر في هذا الحراك ؟
والجواب، بعد الذي عرضناه مع ما يحتاج من تفاصيل، الجواب هو أن أكبر خسارة للجزائر والجزائريين ولمحيطنا العربي والافريقي والمتوسطي والإسلامي، هو أن يتوقف هذا الجهد في منتصف الطريق ولا يستكمل أهدافه وغاياته بسبب شوفينية البعض ومغامرات البعض وجهل البعض وسوء تقدير البعض وأنانية البعض، وعندئذ نكون ( كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ) ولكن حسب خرجاتي الميدانية واتصالاتي المختلفة أرى أن هناك إصرارا شعبيا على نجاح التجربة.
*** لي أمنية واحدة ووحيدة أتمنى أن تتحقق في أقرب وقت خلال الأيام والأسابيع القادمة وهي :
أن يرافق هذا الحراك الشباني والابداع الشبابي والتلاحم الشعبي والاستفاقة العامة أن يرافقها حلقات نقاش وجلسات تفكير لتخطي المرحلة القادمة التي ستكون أكثر ضغطا وإثارة مما نحن فيه وذلك لأن المجتمع الجزائري يتطلب إعادة تنظيم ويستلزم ترتيب سلم القيم وترسيخها ... والله من وراء القصد.