منشور طويل ولكن مليح يقراه من يريد معرفة بعض المحطات ... ولقد حاولت الاختصار قدر الإمكان....
منشور طويل ولكن مليح يقراه من يريد معرفة بعض المحطات ... ولقد حاولت الاختصار قدر الإمكان....
33% من القرآن قصص، أي ثلثه، عَلَّل المولى سبحانه ذلك بقوله:
((وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ))
القصص: للدروس والعبر من أجل التثبيت والثبات ...
في هذا المنشور أقدم للمتابعين شذرات من قصتي مع رجل، كثير من الاصدقاء لا يعرفونه، وخاصة الشباب ... أحكي عنه، حفظه الله، ليعلم الشباب ان الخير الذي هم فيه لم يأت من العدم بل هناك رجال ونساء قدموا الكثير ... منهم من قضى نحبه، رحمهم الله، ومنهم من ينتظر ... ربي يثبتنا وإياهم ...
عمي ( صالح زوزو ) ... حفظه الله،
أمس الأحد قبيل صلاة المغرب، كنت في خلوتي، بمدينة سطيف، منهمك في بعض الكتابات، رن جرس الباب، فتحت فإذا بي وجها لوجه معه ... تمنيت لو أنه كلمني لأذهب إليه ولا يتحمل هو مشقة المجيء ...
لقد تجاوز الثمانين سنة، ولا يزال كما عرفته قبل أكثر من 30 سنة، في فكره، وحرقته، واهتمامه، ومتابعاته ...
بعد السلام قال لي : أخبرني الاستاذ عبدالستار بأنك هنا في سطيف، وأنك لا تخرج من البيت فقررت أن أتمشى قليلا في الغابة المحاذية لبيتك ثم آتيك ....
قلت له : لقد حان وقت صلاة المغرب هيا نكمل المشي ونذهب للمسجد للصلاة ...
قصدنا مسجد الزبير بن العوام، ونحن نتمشى قال لي : ما هي قصة هؤلاء الشباب المساكين الذين جاؤوا بدين جديد ...
وبدأ يقص علي بعضا من خرجاتهم سامحهم الله،
تذكرت قصة حدثت لي قبل أربعين سنة وقصصتها عليه ... ملخصها :
لما رزقني الله ب ( عبدالله ) أقمت العقيقة وكنت يومها طالبا في قرونوبل، حضر جمع كبير من مختلف الاعمار، طلبت من أحد الإخوة أن يلقي كلمة، فتكلم عن العقيقة وضرورة إحياء السنن ثم في معرض كلامه قال : الحمد لله منذ بدأت الصحوة الإسلامية رجع الناس إلى دين الله الاسلام ...
كان عمي الصالح حناشي رحمه الله حاضرا، فقال له : متى بدأت الصحوة الإسلامية التي تتكلم عنها
قال : أواسط السبعينات أي قبل عشر سنوات
فقال له عمي الصالح : إذن الصلاة التي كنا نصليها قبل ذلك لم تكن إسلامية ...
سألنا الله أن يهدي شبابنا وعلماءنا ...
المهم صلينا المغرب ثم رجعنا الى البيت ،،،
جلسنا مثل عاداتنا القديمة، نتبادل أطراف الحديث، الكلام عن :
الاسلام، الجزائر، سطيف، فلسطين، السياسة، العمل الخيري، الوضع الاجتماعي ...
ثم بدأنا نسترجع الذكريات ... كيف تعارفنا في اللقاءات الاولى أواخر الثمانينات من القرن الماضي، الجلسات مع الشيخ محفوظ والشيخ بوسليماني والشيخ عبدالهادي سايح والحاج عزيز، بعيدا عن كل الانظار، ثم تلك المجموعة الطيبة التي كانت تدعمنا في العمل الدعوي قبل الانخراط في العمل الحزبي، ولا أقول قبل الانخراط في العمل السياسي، لأن كل ما نقوم به يدخل مباشرة أو غير مباشرة في العمل السياسي ... المجموعة كان فيها :
عمي عمار الصيد رحمه الله
عمي مقداد رحمه الله
عمي معمر سليمان حفظه الله
عمي الحسين الصابري حفظه الله
طبعا وعني الصالح زوزو
كنا نستشيرهم في كثير من الامور رغم أنهم لم يكون في هياكل الجماعة في وقت السرية كما انهم لم يكونوا في الهياكل التنظيمية للحزب فيما بعد ... لقد كانوا لنا داعمين وناصحين في وقت لم يكن سهلا ...
ثم كيف تبرع لنا عمي ( عمار الصيد ) رحمه الله بطابق في بيته الواقع في حي طانجة ( رود سيلاك كما يسمونه) ليكون أول مقر لجمعية الإرشاد والاصلاح في سطيف ...
وكيف دشنه الشيخ محفوظ ومنه ذهب الى حمام قرقور وبوقاعة ، والقصة تطول ...
كانت الأوضاع جد مكهربة ومشحونة ... قال لي عمي صالح وهو يتذكر تلك السنوات: إنني لا أزال أتذكر كلمة الشيخ بوسليماني رحمه الله في تلك الظروف ، فلقد قال لي : ( الكلام للشيخ بوسليماني رحمه الله الذي قاله لعمي صالح في إحدى اللقاءات) : السنوات القادمة ستكون صعبة جدا على العمل الاسلامي وقد تؤدي الى ما لا يحمد عقباه ... كان هذا الكلام سنة 1989 ... وبعدها حدث الهول والهرج والمرج ...
في ذلك الوقت كنا مهددين من طرفين :
من طرف المتدينين المتشددين الذين يعتبروننا منافقين وقالوها بعظمة ألسنتهم...
ومن طرف العلمانيين اللائكيين الذين يعتبروننا نحن الذين أفرزنا المجموعات المتطرفة ...
أذكر جيدا في أحدى اللقاءات مع مجموعة عمي صالح، قالوا لنا : ستجدون أنفسكم بين تيارين جارفين، كل تيار يحاول أن يجذبكم نحوه أو يصفيكم ...
نصائحهم كانت أغلى من الذهب
تذكرت مقولة قلتها لمعالي السيد الوزير يزيد زرهروني رحمه الله ...
قلت له : أتدري متى علمنا بأننا على حق وعلى صواب؟
قال لي : متى ؟
قلت له : لما وصلتنا الاخبار بأن الجماعات المتطرفة تريد بنا سوءا والعلمانيين والفرانكوفونيين يريدون بنا شرا هناك عرفنا بأننا على صواب وفي الوسط لأن الطرفين المتناقضين كل واحد يراك مشكلة وهذه هي ضريبة الاعتدال والوسطية التي ذهب ضحيتها الكثير من أبناء الشعب الجزائري ...
ثم رجعنا أنا وعمي صالح للكلام عن حال الأمة ... الصراع بين الحق والباطل،
بين العدل والظلم
بين الخير والشر ... لا ولم ولن يتوقف ... تتغير أدواته وأساليبه، تتبدل ظروفه ... ولكنه مستمر ... هكذا هي سنة الله في خلقه ...
جلستنا كانت بين ثلاثة أمور :
* ذكريات الماضي بحلوها ومُرٍّها
* صبر ومصابرة لضغوطات الواقع وتقلبات الامور
* متطلبات وتحديات المستقبل والآمال المعقودة مع الثبات والوفاء ...
حان وقت الفراق ... أوصلته إلى سيارته، ركب، ونحن يتمتم : إن شاء الله ليس هذا آخر لقاء، ربي يجمعنا على الخير ... وفي العين ومآقيها دمعات حب وحنين ... أوصاني بتبليغ السلام لكل الاحباب وخص بالذكر :
* عمي الحاج عبدالهادي سايح
* الحاج الطيب عزيز
* الحاج سليمان دهيري
لأن هؤلاء هم الذين كانوا شهودا على بدايات تلك المسيرة التي نسأل الله القبول... فلم ننخرط فيها إلا من أجل مرضاته والخير للبلاد والعباد ... والله من وراء القصد
د. عبدالقادر سماري


