من أمثالنا الشعبية قولهم :
من أمثالنا الشعبية قولهم :
( اللي غاب كبيرو فسد تدبيرو ) ...
مع مرور الزمن، تتغير الوسائل، وتتغير الظروف، وتتغير الاشكال، ولكن النفس البشرية هي هي بتقلباتها وتَلَوُّن أحوالها واضطراب مشاعرها واختلاف امزجتها، ولذلك فإن مخالطة الكبار ومجالستهم تورث للعاقل زادا في دروب الحياة؛ ذلك أنهم عبروا هذا الطريق، وذاقوا حلوه ومرّه، فإذا جلستَ إليهم فأنت تختصر أعمارًا من التجربة، فاحرص ان تستخرج من مخزونهم تلك الدرر الكامنة، لتستنير بها في دهاليز الحياة وصروف الأيام ... من هذا المنطلق حرصت خلال الأسبوع الماضي، وانا بين ولايتي ( سطيف و البرج ) أن أتواصل مع مجموعة من كبارنا وأهل السبق فينا ...
كنت قد ذكرت بعضهم في منشورات سابقة...
اما اليوم فإنني ساعرض بعضا من جوانب ثلاث جلسات كانت لي مع رجل وامرأتين ...
* المرأة الأولى شقيقة سيدي عمار رحمه الله، عمتي الياقوت حفظها الله، من مواليد 1943، تجاوزت الثمانين سنة من عمرها، حفظت القرآن على يد والدها جدي سيدي الحاج الضيف، رحمه الله، مثل باقي إخوتها، كانت شاهدة على كل مراحل ثورة التحرير، شاهدة على استشهاد أخيها سيدي لخضر رحمه الله، شاهدة على اعتقالات ومتابعات والدها وإخوتها، شاهدة على جرائم فرنسا من تعذيب وترحيل وحرق وتنكيل وتبديد للممتلكات ... جالست العلماء والمشايخ الذين كانوا يترددون على بيت العائلة، عايشت حجات والدها الثلاثة لبيت الله الحرام، إثنين قبل ثورة التحرير وواحدة بعد الاستقلال،
ثم شاهدة على الاستقلال إلى يوم الناس هذا ... تزوجت بالأول وتوفي، ثم بالثاني وتوفي ، رحمهما الله، رزقت بطفلتين، واحدة من كل زوج، هما الآن أمهات اولاد خصال امهما أدب وأخلاق وعفة وصبر واحتساب ...
العمة بين الزواج الاول والثاني بقبت لسنوات ترعى أباها وامها ( جدي وجدتي )، كانت لهما أكثر من خادمة، فارقا دنيانا وهما رضيان عنها اتم الرضى ، وانا شاهد على ذلك، بل كنت منبهرا بها ... بعد وفاة الزوج الثاني كانت كل حياتها مع القرآن وابنتيها حتى تزوجتا ... زيارتي لها لا تنقطع ... أما أنا فحظي منها أنها هي التي علمتني كتابة أول الحروف ولم أبلغ من العمر أربع سنوات ... حظي منها نصائح لا تنقطع: عن قيمة الحياة، عن عز الايمان، عن كرامة القرآن، عن فضل العائلة ... حظي منها أنها دوما تذكرني من انا؟ ما أصلي؟ من أمي وأبي وجدي؟ ... حظي منها أني أرى فيها عجائب قدرة الله في التعويض عما فات ... حظي منها تلك الضمة حين أدخل عليها وتلك القبلات على كل جزء من وجهي ورأسي ... حظي منها حين أقول لها ( أنت صاحبتي ) فتبتسم وتقول لي ( احشم !!! ) ... حظي منها أنها ريحة جدي الضيف وسيدي عمار رحمهما الله ...
* المرأة الثانية، الحاجة فطيمة رحال. اليوم السبت 10 جانفي، هو عيد مولدها التسعين حفظها الله، من مواليد 1936، يا سبحان الله تتذكر كل شيء مر بحياتها، مذ كانت صغيرة، كيف عاشت كفالة متعبة تعيسة ، كيف خطبها جدي المكي سلوم رحمه الله وعمرها لم يتجاوز 15 سنة، بعد وفاة جدتي حدة صغير رحمها الله، وكانت تصغر أمي بسنتين ... ثم كيف عاشت مراحل ثورة التحرير في بيت جدي وكله مجاهدون ... وفرنسا تقوم بالمداهمات، تدمير، حرق ... وأشد الأيام حين هجم عساكر الاحتلال بعد خيانة أحدهم واقتادوا خالي الذوادي رحمه الله الى السجن وما تبع ذلك من تعذيب واعتداءات وإتلاف للممتلكات، فلقد عاشت حياة كلها صبر واحتساب، صبر على .. ، صبر عن ...، صبر في ...، ثم يأتي الفرج ... ويبزغ فجر الحرية وتأتي أيام الاستقلال ... وترزق من جدي بثمانية أبناء ... وما ان بدأت البشائر حتى يتوفى جدي ... ومعظم الأبناء في سن الطفولة ... وتبدأ رحلة جديدة، رحلة تعب العيال في ظروف أقسى من القسوة ... ستة ذكور وانثتين ... كيف تفعل وقد رفض هذا إكمال دراسته ... وذاك فرط في تجارة أبيه ... وذلك اهتماماته غير ما تريد ... وتتداخل الامور والظروف ... وتحدث أحداث لا يتسع المجال لذكرها ... ثم رغم كل ذلك يكبر الأبناء ويتزوجون ويأتي الأحفاد وأحفاد الأحفاد منهم الطبيب والمهندس والمعلم والتاجر والرياضي ... يا سبحان الله ... وتتقدم بها السنين وهي كالطود الشامخ لا تلين لها قناة... ولا تهتز لها شوكة... ولا تخار لها عزيمة ... لا تراها الا حامدة شاكرة... ثم تنخرط في المسجد وقد جاوزت الثمانين تتعلم وتحفظ القرآن ... وأكثر ما يؤلمها وهي الآن في التسعين أنها حين تمرض ولا تستطيع الذهاب للمسجد تجدها كمن فقد أعز ما يملك ... اما أنا فحظي منها مواساتي الدائمة في وفاة سيدي وامي رحمهما الله وذكر محاسنهما ... حظي منها رعايتها لإخوتي الصغار الايتام بعد وفاة أمي وأبي ... حظي منها دعوات ترسلها لي في جوف الليل أو عبر الأثير ... حظي منها أنها رائحة جدي المكي وأمي جميلة رحمهما الله ...
* اما الرجل فهو عمي عاشور غواس، صاحب 86 سنة، من مواليد 1940، أصوله من قبيلتنا، من اولاد تبان، عاش وترعرع في عائلة ميسورة، ولكنه انخرط في ثورة التحرير منذ بدايتها، مناضل ومجاهد ... اعتقل وذاق أنواع التعذيب في سجن ( قصر الطير ) الذي قولون عنه من دخله مفقود ... عايش محتشد ( بازر صخرة ) وساعد فيه المرحلين من قبيلتنا ، يحكي حكايات ليست بعيدة عماةيفعله الصهايNة الان في فلsطين...
ثم أنه عايش بدايات الاستقلال والخطوات الأولى للجزائر التي استعادت سيادتها ...
تتعرف منه كيف يتغير الناس وكيف تتبدل المواقف وتنتقل الولاءات
شاهد على التحولات الكبرى في جزائرنا العزيزة، الرجال والبرامج،
الإنجازات والاخفاقات ...
من عهد الحكومة المؤقتة الى عهد بن بلة
ومن عهد بن بلة الى عهد بومدين
ومن عهد بومدين الى عهد الشاذلي
ومن عهد الشاذلي الى عهد بوضياف
ومن عهد بوضياف الى عهد كافي
ومن عهد كافي الى عهد زروال
ومن عهد زوال الى عهد بوتفليقة
ومن عهد بوتفليقة الى عهد تبون ...
له آراؤه وقناعاته:
أين أصابوا وأين أخطؤوا
ما هي كبرى المعوقات
ماذا كان يجب أن يفعلوا ولم يفعلوا ...
نادم على أمور ومعتز بأمور أخرى ...
أما انا فحظي منه أنه يتعهدني بالنصائح والتوجيهات ... حظي منه أنه كان داعما لي في كثير من الاعمال الخيرية ... حَظِّي منه انه رافقني في كثير من مجالس الصلح وإصلاح ذات البين ... حَظٍّي منه تلك الأسفار ومعرفة الرجال ...
وأخيرا أقول :
الحياة تراكمات لا يمكن أن يفصل بعضها عن بعض ... وحقا كما قيل :
اللي ما عندوش كبير يشريلو كبير ... اللهم اجعلنا مِن مَن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري




