قبل أيام حين كلمني الاستاذ ( تومي قرباز) ودعاني لمشاركتهم الفطور الجماعي الذي يقيموه في الولاية الجديدة، ولاية القنطرة، التي كانت الى وقت قريب تابعة ل ( بسكرة ) قفزت إلى ذهني بعض الذكريات في بسكرة والقنطرة، وبعض الأسماء والصور، تزاحمت الذكريات، وتوالت أسماء من الرجال والنساء الذين نحسب أنهم صدقوا الله، فمن قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا إن شاء الله ... لم أتردد كثيرا ... فهذا باب من أبواب الخير والتواصل مع الاحباب لن أغلقه... قلت له : إن شاء الله سأكون معكم،
قبل أيام حين كلمني الاستاذ ( تومي قرباز) ودعاني لمشاركتهم الفطور الجماعي الذي يقيموه في الولاية الجديدة، ولاية القنطرة، التي كانت الى وقت قريب تابعة ل ( بسكرة ) قفزت إلى ذهني بعض الذكريات في بسكرة والقنطرة، وبعض الأسماء والصور، تزاحمت الذكريات، وتوالت أسماء من الرجال والنساء الذين نحسب أنهم صدقوا الله، فمن قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا إن شاء الله ... لم أتردد كثيرا ... فهذا باب من أبواب الخير والتواصل مع الاحباب لن أغلقه... قلت له : إن شاء الله سأكون معكم،
ثم رجوته أن يدعو بعض الاحباب الذين مرت علي سنوات لم أرهم،
قال : مثل من ؟
ذكرت له بعض الاسماء
قال: أبشر
فكان الموعد بالامس، الخميس، وصلنا الى مطار بسكرة كان استقبالا رائعا مثل عادة البساكرة،، والحقيقة أنني كلما دخلت بسكرة تذكرت رجلين، فارقانا الى دار البقاء، كانت لي معهما صحبة ورفقة، رحمهما الله، الاستاذ الدكتور (عبدالمنعم بن الصغير) الذي كانت لي معه صولات وجولات في فرنسا ونحن طلبة ثم في الجزائر بعد أن التحقنا معا بالمكتب الوطني للحركة في عهد السرية، والثاني الاستاذ الشيخ (نذير مصمودي) في تلك السهرات في بسكرة وسطيف والعاصمة ... ذكراهما مثل كل الاحباب ستبقى راسخة في ذهني الى أن نلتقي إن شاء الله عند الحوض كما كنا نتواعد قبل رحيلهما ... كان من حظي أن كلف الاخوان أخي الاستاذ ( فريد شروف
) حفظه الله لمرافقتي فكانت صحبة طيبة، من المطار الى الزاوية بطولقة حيث وقفنا على هذا الصرح الشامخ، تأسيسها، تارخها، قبل الثورة وأثناء الجهاد المقدس وبعد الاستقلال، رجال أشاوس، علماء ومجاهدين مروا من هناك، مخطوطات لا تقدر بثمن في شتى العلوم، وبها صلينا الظهر والعصر جمعا وقصرا، ومنها رجعنا الى بسكرة للاستراحة قليلا في فندق صديقنا الاستاذ( لخضر غزلي ) حفظه الله ... ثم كان الموعد في (القنطرة)، قبيل المغرب ... جموع كثيرة من الرجال والنساء من مختلف الاعمار كانوا هناك، كلما رأيت وجها ممن رافقونا في مسيرتنا، إلا وجاءتني ذكرياتي معه، حقيقة ( لقاء الاخوان يذهب الأحزان ) ... تعجز الكلمات عن وصف تلك اللحظات ... تسمحوا لي لن أتوقف عند الكلمات التي تداول عليها السادة الافاضل، المقدم، والمقرئ، والشيخ عبدالحق، ورئيس المكتب الولائي، ورئيس الحركة وصاحب القاعة، كما أنني أعتذر لكل الاحباب الذين شاركونا ذاك الافطار إن لم أذكرهم جميعا وهم كثر ... لأنني لو فعلت فسيطول المنشور ... ولكن عزاؤهم وعزاؤنا أن الله يعلمهم وسيذكرهم إن شاء الله عنده، لأننا ذكرناه سبحانه معهم، وهو وعد بذلك ولن يخلف الله وعده ...
ولكن لن أحرم القارئ من الكلام عن ثلاثة وجوه بصورة مختصرة، ويمكن لكل واحد منكم أن يبحث عنهم ويتواصل معهم ليعرفهم أكثر ...
حين وصلنا إلى القنطرة، قلت لمرافقي، الاستاذ فريد، إلى أين سنذهب، قال : الله أعلم عند بيت آخ من القدامى اسمه ( كمال )،
قلت له : آه، ليس في القنطرة أخ قديم إلا الاستاذ كمال حفناوي، زرته قبل أكثر من 30 سنة، بيته أذكره جيدا يقع مباشرة بعد أن نقطع خط سكة الحديد ... لقد كانوعضوا في المكتب الولائي للجماعة قبل التعددية السياسية. كما كان عضوا في مجلس الشورى الوطني، له بصماته التربوية والدعوية في الجنوب الشرقي للجزائر وعلى الخصوص في ولاية بسكرة القديمة ( بسكرة، اولاد جلال، القنطرة ) أبلى بلاء حسنا في ترسيخ المنهج الدعوي الوسطي المعتدل، دون غلو ولا مداهنة، و في كل المنطقة، ولقد كانت بداياته في ولاية مستغانم لما كان طالبا في المعهد الفلاحي، وخاصة في بلدية المهدية ... وصلنا عند بيته، كان واقفا عند الباب في انتظارنا، يا سبحان الله، رغم السنين، لقد قارب الثمانين 80 سنة فهو من مواليد 1949، ولكن كمال هو كمال، متكئا على عصاه، وكما عهدته شامخا صامدا مبتسما بِوَقارٍ واعتزاز،
لم انزل من السيارة، إنتظرت حتى يكمل استقباله لرئيس الحركة ورئيس مجلس الشورى والاخوة المرافقين ... ثم نزلت، وقفت قبالته، فما هي إلا بضع ثواني نتأمل خلالها وجوه بعضنا البعض، حتى قال : آه الأخ عبدالقادر ... ثم كان بيننا دفء الحضن مثل أيام زمان ... ولجنا البيت، كانت بينه وبين الإخوة كلمات ود وحب، ثم تذكرنا أيام زمان، وقت السرية، ثم مع الانفتاح السياسي، ثم صولات وجولات الانتشار التنظيمي ... ثم بعض النكت والطرائف ... قام الرئيس بتكريمه ... ثم انتقلنا إلى حيث اللقاء الجامع للإفطار ... وهناك وجوه جديدة من الشباب لم أعرفهم بصورهم ولكن ارواحنا تآلفت ... هل تعرفون الحب من أول نظرة ... نعم ذقناه ... وكان هناك وجوه كثيرة من السابقين جاؤوا من ولايات وبلديات مختلفة: بسكرة، بريكة، باتنة، المغير، سيدي خالد، اولاد جلال ... بعضهم تحاصرني أسماؤهم وآخرون تستفزك ذكرياتك معهم ... طريقنا لم يكن كله ورود، كما لم يكن كله أشواك ... لقد كان خليطا بين هذا وذاك ... ولكن معادن الرجال لا تتغير ... لن أطيل ... وتعالوا معي الى رجلين ... لست أدري بأيهما أبدأ ...
عمي إبراهيم أو أخي ساعد ...
المقام يقتضي نبدأ ب ( عمي إبراهيم حليمي ) فهو الأكبر سنا، والاسبق في الجهاد والبذل والتضحية، قارب التسعين عاما، فهو من مواليد 1939، التحق بثورة التحرير مبكرا، جمعته الأقدار بروز ثورتنا المجيدة العربي بن مهيدي، سي الحواس، شعباني، هواري بومدين، وآخرون ... ، وبالمناسبة عمي إبراهيم هو الشخص الذي قصده الرئيس هواري بومدين في خطابه المشهور لما قال : كان يخرج المناضل أثناء الثورة من مغنية الى الونشريس حاملا معه حقيبة مملوءة اموالي لا ينقص منها فلسا واحدا، علاقتنا به بدات عن طريق إخواننا في بسكرة، كانت جلسات اولية ثم نقاشات هادئة هادفة، ليصبح توافق ، توطدت ٧لاقتنا به وخاصة مع الشيخ محلوظ رحمه الله، فأصبحما نتزوار عنده في زيرالدا او بسكرة وعندنا في بيوتنا، استضفته عدة مرات، انخرط في العمل معنا، فكان له مساهمة طيبة في صياغة الكثير من رؤى الحركة في مختلف القضايا الوطنية، ثم دخل المجلس الشعبي الولائي لولاية بسكرة تحت لواء الحركة، فكانت له مساهمات طيبة... ولا يزال على العهود، عهده مع الله في خدمة الاسلام، وعهده مع الشهداء والمجاهدين لاستكمال مسيرتهم، وعهده مع الحركة لترسبخ منهجها ومشروعها ... وإنني أحمد الله ان علاقتي به وطلب مشورته في مختلف القضايا لم تتوقف ...
أما الشخص الثالث فهو الأخ والصديق العزيز الاستاذ( ساعد غزلي ) حفظه الله، عرفته أوايط الثمانينات من القرن الماضي في أول زيارة قام بها لي الاستاذ عبد المنعم بن الصغير بعد رجعنا من الخارج، كان ذلك في شهر أبريل 1986، بعدها تطورت علاقاتنا في مختلف اللقاءات والجلسات، ولقد أحببت الرجل لحماسته وأصحابه على العمل وقوة طرحه وسرعته في تنفيذ القرارات مهما كانت ... والحقيقة ان الاستاذ ساعد غزلي له مسار عجيب، فلقد كان في شبابه منخرطا بقوة في الحزب الشيوعي الجزائري وعنصرا أساسيا في النسرح، مناضلا وفاعلا رئيسيا ومدافعا شرسا عن قناعاته ... ثم تشاء الأقدار أن يتحول بقوة إلى القناعات الوطنية الاسلامية، وتبدأ علاقاته مع الدكتور عبدالمنعم الذي أوصلها للشيخ محفوظ والشيخ بوسليماني رحمهما الله، فرقتنا بالمسار والمنهج، فيوظف كل طاقاته وما تعلمه في نضاله السابق لخدمة وطنه ودينه، ولعل أهم ما يميزه هو قدراته على إستقطاب الأفراد وجذبهم نحو أفكاره ودعوته، ليصبح بعد ذلك من أهم الفاعلين والعاملين في حقل الدعوة ومجال التربية والتكوين، ولقد استفاد كثيرا من مصاحبة الاستاذين عبد المنعم ونذير رحمهما الله، ومن خصائصه انه حين يعرف قدرات الأفراد يؤهلهم ويقدم للمناصب والمسؤوليات ويبقى خادما ... يشهد الله أنني منذ عرفته لك يتغير ولم يتبدل ولم أره يوما متشائمه أو يائسا ... بل كان ولايزال عنوان الأمل رغم المرض والسنين فلقد تجاوز السبعين 70 من عمرها فهو من مواليد 1955 ... وروحه روح شباب ... وحيث انه كان معلما فلقد تخرج على يديه المئات من شبابنا بسكرة ... حفظه الله ورعاه ... أنهينا فطورنا الجماعي ولستمعنا لمختلف المداخلات ... فرجعنا الى بسكرة، بعد الصلاة والذكر، كانت لنا جلسات أخرى مع بعض الأساتذة وعلى رأسهم الاستاذ لخضر غزلي صاحب الفكر اللامع والرأي السديد ...
وصبيحة اليوم الجمعة كان لزاما علي ان أقوم ببعض الواجبات الاجتماعية ... ومنها على الخصوص زيارة الأخ الاستاذ ( إبراهيم عدوان ) حفظه الله في أوماش، والمعروف ب ( السعيد ) هذا الرجل عرفته لما كنت ازور ولاية بسكرة اواسط الثمانينات، فلقد كان من الاوائل الذين التحقوا بالعمل مع الاستاذ عبد المنعم والاستاذ بشير بوعون والاستاذ الغربي صاحية والاستاذ كمال حفناوي وغيرهم، فلقد كان دينامو، لا يعرف الخمول ولا الكسل، كان عضوا باسم الحركة لعهدتين في بلدية اوماش، ثم عضو باسمها في المجلس الشعبي الولائي ليرأس لجنة الاقتصاد والاستثمار، نظرا لتجربته كتقني في مؤسسات النسيج فأبلى بلاء حسنا، ثم تطورت علاقتنا لما أصبح ( عديل ابننا عبدالله ) فتوطدت العلاقة أكثر، وتنوعت اللقاءات والزيارات لتضاف الى العلاقة الدعوية والسياسية علاقة عائلية ... وتشاء له الأقدار أن يبتلى في جسده، فيمرض مرضا عضالا، ولكن صبره وتحمله وقوته قهرت المرض ... فهو صابر محتسب ... ولا يزال على العهد كما عهدناه ... حفظه الله ورعاه ... أكتفي بهذه الشذرات لهؤلاء الرجال الذين تركوا بصماتهم الايمانية والدعوية والوطنية والسياسية في جزائرنا الحبيبة لاستكمال رسالة الشهداء والمجاهدين والعلماء العاملين والصالحين المصلحين ... ولايزالون يؤدون ما يستطيعون ... يستلمها منهم أبناء الاجيال القادمة كما استلموها هم مِن مَن قبلهم ... والآن وصلنا العاصمة في انتظار آذان المغرب ...
شكرا لأبناء ولايتي بسكرة والقنطرة على حسن الاستقبال وحسن ضيافة ...
وتقبل الله منا الجميع
اللهم وافنا ليلة القدر وتقبل منا وأصلح أحوالنا واختم لنا بخير.
د. عبدالقادر سماري



