الايام الثلاثة السابقة لم تكن مثل باقي الأيام، الجمعة والسبت والاحد 13، 14، 15ديسمبر، شَرُفت بزيارة أخ عزيز الاستاذ الدكتور العربي زروال وانتقلنا مع الاخ الدكتور الاستاذ علي بوغازي لزبارة أخ رابع الاستاذ الدكتور زين العابدين زيتوني بالبليدة، كانت لنا صحبة وصداقة لما كنا طلبة في جامعة قرونوبل بفرنسا، في بيت الدكتور زين العابدين تابعنا نتائج الانتخابات الرئاسية، ثم أدينا صلاة الجمعة، بعدها جلسنا نحاول استشراف مستقبل الجزائر في مختلف المجالات، ثم استحكم الشوق في أخينا زيتونى بماضينا القريب فحولنا الموضوع نستذكر شبابنا حين كنا طلبة وكيف اشتغلنا في البحث والدراسة وفي مجال الدعوة، كانت جلسة أخوية صادقة استحضرنا فيها كثير من الاسماء التي تعرفنا عليها، دعونا بالرحمة للاموات وبالتوفيق للاحياء ثم افترقنا، بعد صلاة العشاء جلست ما أخي العربي، وحدنا في البيت، إذ أم الاولاد عند ابنتنا، والاولاد كل واحد في أشغاله، جلسنا نتكلم عن نعمة الاخوة الصادقة، والصداقة المخلصة، وكيف هيأ الله لنا، من دون حول منا ولا قوة، تلك الاجواء في ظروف لم تكن سهلة خلال سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وفي تلك الأثناء وصلتني رسالة من الاستاذ النائب عن ولاية الوادي الآخ يحي، فتحتها فإذا بالخبر ينزل علي كالصاعقة، ( الاستاذ عبدالحميد غربي في ذمة الله)، كان الدكتور العربي يتكلم، شرد ذهني فأصبحت لا أسمع كلماته، ولا أتجاوب معه، حاصرتني صورة أخي محمود غربي، الأخ الهاديء، المتطلع إلى الاصلاح، الدؤوب في عمله، المنجز للمشاريع، كان جنديا بكل ما تستدعيه الجندية، وكان قائدا بكل ما تتطلبه القيادة، عضوا عاديا في الصحوة، رئيسا للمكتب البلدي للحركة بالبياضة ، رئيسا للمكتب الولائي بالوادي، رئيسا لبلدية البياضة، نائبا لرئيس المجلس الولائي، عضوا بالبرلمان، نائبا لرئيس البرلمان، مجاهدا في سبيل الجزائر والاسلام، خادما لفلسطين، خاض غمار البحر لفك الحصار على غزة، دخل سجون الكيان الصهيوني، ثم ابتلاه الله بالمرض، وها هي نهاية كل مخلوق ، رجعت بي الذاكرة إلى سنوات الثمانينات حين كنا نلتقي في بداية التأسيس للعمل الاسلامي والجزائر وقتها تقاد بالنظرة الاشتراكية الشيوعية، كانت الصلاة مقتصرة على كبار السن، ومراجع الاسلام منعدمة، ولقاء الإخوان في سرية تامة، خبر وفاة الاخ غربي ساق لي، في لحظات، زمرا من الرعيل الأول الذين كنا نضرب أكباد الابل لملاقاتهم، أطياف أولئك الذين سبقونا إلى البرزخ وكنا قد قطعنا معا أشواطا طويلة نبحث للجزائر عن وضع أفضل ونحاول أن نجد للإسلام في أرضه موطأ قدم، دمعة ساخنة أحسست بها تندفع من مقلتي لتعبر عن ( مصيبة الموت ) لتعبر عن ( ألم الفراق ) ثم أحسست بابتسامة تزاحمها وطمأنينة تدفع الدمعة وهي تقول لها : لا عليك فإن عبد الحميد الآن في ضيافة رجال سبقوه وقد أدوا ما عليهم، قريبا سيكون ضيفا عند الشيخ محفوظ والشيخ بوسليماني والشيخ الشرفي والشيخ نذير مصمودي والاستاذ الدكتور عبد المنعم بن صغير والاستاذ سالم سعود والاستاذ علي العايب وكلهم في ضيافة الحبيب المصطفى عند مليك مقتدر ... هؤلاء وغيرهم ممن كانوا له رفقاء في مسار خدمة الاسلام وخدمة الجزائر وانتقلوا قبله إلى رحمة الله، سَرَت أطيافهم بفكري، تذكرت كلماتهم وابتساماتهم وحلهم وترحالهم، ثم انقلبت الابتسامة مرة أخرى إلى سيل من الدموع وخفقات قلب تتسارع، وناديت قلبي : كم تحملت أيها القلب من تحولات هذا الزمان، وكم مر عليك من تقلبات الاحداث، وكم فارقك من عزيزٍ وغالٍ، إهدأ يا قلب واترك الجوارح تؤدي ما عليها تجاه المصاب الجلل مثل ما أدت حين فراق الأحبة الذين اختارهم الله الى جواره.
الايام الثلاثة السابقة لم تكن مثل باقي الأيام، الجمعة والسبت والاحد 13، 14، 15ديسمبر، شَرُفت بزيارة أخ عزيز الاستاذ الدكتور العربي زروال وانتقلنا مع الاخ الدكتور الاستاذ علي بوغازي لزبارة أخ رابع الاستاذ الدكتور زين العابدين زيتوني بالبليدة، كانت لنا صحبة وصداقة لما كنا طلبة في جامعة قرونوبل بفرنسا، في بيت الدكتور زين العابدين تابعنا نتائج الانتخابات الرئاسية، ثم أدينا صلاة الجمعة، بعدها جلسنا نحاول استشراف مستقبل الجزائر في مختلف المجالات، ثم استحكم الشوق في أخينا زيتونى بماضينا القريب فحولنا الموضوع نستذكر شبابنا حين كنا طلبة وكيف اشتغلنا في البحث والدراسة وفي مجال الدعوة، كانت جلسة أخوية صادقة استحضرنا فيها كثير من الاسماء التي تعرفنا عليها، دعونا بالرحمة للاموات وبالتوفيق للاحياء ثم افترقنا، بعد صلاة العشاء جلست ما أخي العربي، وحدنا في البيت، إذ أم الاولاد عند ابنتنا، والاولاد كل واحد في أشغاله، جلسنا نتكلم عن نعمة الاخوة الصادقة، والصداقة المخلصة، وكيف هيأ الله لنا، من دون حول منا ولا قوة، تلك الاجواء في ظروف لم تكن سهلة خلال سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وفي تلك الأثناء وصلتني رسالة من الاستاذ النائب عن ولاية الوادي الآخ يحي، فتحتها فإذا بالخبر ينزل علي كالصاعقة، ( الاستاذ عبدالحميد غربي في ذمة الله)، كان الدكتور العربي يتكلم، شرد ذهني فأصبحت لا أسمع كلماته، ولا أتجاوب معه، حاصرتني صورة أخي محمود غربي، الأخ الهاديء، المتطلع إلى الاصلاح، الدؤوب في عمله، المنجز للمشاريع، كان جنديا بكل ما تستدعيه الجندية، وكان قائدا بكل ما تتطلبه القيادة، عضوا عاديا في الصحوة، رئيسا للمكتب البلدي للحركة بالبياضة ، رئيسا للمكتب الولائي بالوادي، رئيسا لبلدية البياضة، نائبا لرئيس المجلس الولائي، عضوا بالبرلمان، نائبا لرئيس البرلمان، مجاهدا في سبيل الجزائر والاسلام، خادما لفلسطين، خاض غمار البحر لفك الحصار على غزة، دخل سجون الكيان الصهيوني، ثم ابتلاه الله بالمرض، وها هي نهاية كل مخلوق ، رجعت بي الذاكرة إلى سنوات الثمانينات حين كنا نلتقي في بداية التأسيس للعمل الاسلامي والجزائر وقتها تقاد بالنظرة الاشتراكية الشيوعية، كانت الصلاة مقتصرة على كبار السن، ومراجع الاسلام منعدمة، ولقاء الإخوان في سرية تامة، خبر وفاة الاخ غربي ساق لي، في لحظات، زمرا من الرعيل الأول الذين كنا نضرب أكباد الابل لملاقاتهم، أطياف أولئك الذين سبقونا إلى البرزخ وكنا قد قطعنا معا أشواطا طويلة نبحث للجزائر عن وضع أفضل ونحاول أن نجد للإسلام في أرضه موطأ قدم، دمعة ساخنة أحسست بها تندفع من مقلتي لتعبر عن ( مصيبة الموت ) لتعبر عن ( ألم الفراق ) ثم أحسست بابتسامة تزاحمها وطمأنينة تدفع الدمعة وهي تقول لها : لا عليك فإن عبد الحميد الآن في ضيافة رجال سبقوه وقد أدوا ما عليهم، قريبا سيكون ضيفا عند الشيخ محفوظ والشيخ بوسليماني والشيخ الشرفي والشيخ نذير مصمودي والاستاذ الدكتور عبد المنعم بن صغير والاستاذ سالم سعود والاستاذ علي العايب وكلهم في ضيافة الحبيب المصطفى عند مليك مقتدر ... هؤلاء وغيرهم ممن كانوا له رفقاء في مسار خدمة الاسلام وخدمة الجزائر وانتقلوا قبله إلى رحمة الله، سَرَت أطيافهم بفكري، تذكرت كلماتهم وابتساماتهم وحلهم وترحالهم، ثم انقلبت الابتسامة مرة أخرى إلى سيل من الدموع وخفقات قلب تتسارع، وناديت قلبي : كم تحملت أيها القلب من تحولات هذا الزمان، وكم مر عليك من تقلبات الاحداث، وكم فارقك من عزيزٍ وغالٍ، إهدأ يا قلب واترك الجوارح تؤدي ما عليها تجاه المصاب الجلل مثل ما أدت حين فراق الأحبة الذين اختارهم الله الى جواره.
طيلة هذه المدة لم أتكلم بكلمة، نظرت إلى ضيفي فإذا هو محتار من حالتي التي تغيرت، استفسر عن هذا التحول المفاجيء، أطلعته عن الخبر، وقلت له : الظاهر سأتركك هنا في البيت وحدك لأسافر إلى وادي سوف لأداء الواجب، إتصلت بمعالي الوزير علي بوغازي لأعتذر له عن الحضور غدا للغداء الذي كان قد دعانا إليه، واتصلت بابني عبدالله ليقوم لي بالحجز على أقرب رحلة إلى الوادي، قال لي أن رحلة الوادي غدا صباحا مملوءة ولكن توجد رحلة إلى بسكرة ومنها يمكنك الذهاب برا الى الوادي، قمنا بالحجوزات، أعددت حقيبتي، إتصلت بالاخوة في الوادي وبسكرة لأعلمهم عن موعد سفري، تذكرت بعض أحفادي عند أخوالهم بأوماش قرب بسكرة فتذكرت المقولة : ( يجوز تعدد النيات في العمل الواحد ) فأضفت نية زيارة الاحفاد والإطمئنان عليهم، إلى نية حضور الجنازة، خاصة وأن أباهم في زيارة إلى أخته.
آويت إلى فراشي لعلي أنال قسطا من الراحة لأن الغد سيكون طويلا، لم يكن سهلا أن استجلب النوم لأجفاني مع تلك الصور، للوالدين والأجداد وأحباب وأهل وأصدقاء سبقونا إلى المحطة الرابعة من محطات وجودنا، فالمحطة الاولى نطفة في الصلب، والثانية جنين في الرحم، والثالثة إنسان في الحياة، وها هي الرابعة التي انتقل إليها أخي محمود، روح في البرزخ، هل ستلتقي روحه بروح أمي وأبي، وهل ستلتقي بروح الشيخ أحمد يس ليخبره عن غزة، وهل ستلتقي بروح الشيخ محفوظ ليخبره عن أحوال الجماعة والحركة، وهل وهل، وكلما مر بي طيف أحدهم ترحمت عليه، تساءلت متى موعدي للقيا الأحبة، تركت الامر لصاحب الامر، وغبت في الموتة الصغرى لاستيقظ على صوت الأذان الاول للفجر، ايقظت أخي العربي، توضينا صلينا ما كتب الله، انتظرنا الفجر، صلينا السنة ثم الفريضة، استسمحته ودعته، وإلى المطار.
بعد اجراءات التسجيل والمرور، جلست إلى طاولة إحدى مقاهي المطار لاتناول شيئا من الفطور متدبرا أحوال هذه الدنيا ( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم ) لم أكمل تأملاتي حتى فاجأني الاخوة ( أبو جرة سلطاني، حمو جغبوب، .....) هم أيضا سيتنقلون لحضور الجنازة، جلسنا بعض الدقائق لننتقل إلى الطائرة، كانت مملوءة، مددت لمضيف الطائرة بطاقة الركوب ، قال لي 10B، فإذا بي جنبا لجنب مع الشيخ بوجرة، قلت في نفسي : هي الاقدار تفعل ما تشاء، لأغتنمن هذه الفرصة بكلام ليس للشيطان فيه نصيب.
تلونا دعاء السفر،بعد انطلاق الطائرة استأذنته : هل يمكنك أن تستمع لي بعض الوقت، قال : تفضل،
ذكرته بمسيرتنا في خدمة الاسلام وخدمة الجزائر وخدمة هذا الشعب، ذكرته بلقاءاتنا والمعاناة في بداية المشوار، ذلك أنني تعرفت على الشيخ بوجرة في أواخر السبعينات من القرن الماضي حين زرته الى الشريعة لنستقدمه لإلقاء محاضرة في رأس الوادي ، أشرت إلى الانجازات التي حققتها الصحوة في الجزائر، في سلوك الناس وفي أفكارهم، وفي عباداتهم وفي اهتماماتهم وفي أفراحهم وفي أتراحهم، ثم توقفت مليا عند الوضع الراهن الذي لا يتماشى مع ما كنا عليه من أخوة وصفاء وصدقا واخلاص، هذا الوضع الذي افترق فيه الاحباب وتشتتوا وأصبح فتنة للناس ونقمة بعد أن كانوا نعمة ورحمة، قلت له كلمة ما كنت لأذكرها هنا لو لم يستدل بها هو ذاته أثناء تأبينية الاخ محمود قلت ( يا شيخ بوجرة نستطيع بإذن الله عمل الكثير للاسلام وللجزائر ما لم نغرغر ولم تطلع الشمس من مغربها ووالله ) ثم أضفت يوجد في الحركة الكثير من المخلصين الصادقين الاوفياء فقط عليهم أن يتنازلوا عن بعض الشيء من أنانياتهم ليكونوا جسما يحقق الخير العميم للاسلام وللجزائر بل والخير الكثير لهم هم أنفسهم، وبدأت في ذكر بعضهم، وكلما ذكرت أحدا إلا جاءتني صورة آخر... كان الشيخ بوجرة مستمعا جيدا، بل وأظنه قد حفظ كلماتي كلها لِما رأيت في عينيه وعلى سحنة وجهه من اهتمام ، لم نحس بالرحلة ولم نكمل كلامنا حتى جاء صوت المضيفة ( بعد لحظات ستحط الطائرة بمطار بسكرة ) أحسست أن دمعة ستسقط على وجنتيه، ولكنني أعرف أنه رجل جلد، تذكرت لقاء كنا قد عقدناه سنة 1989 في العاصمة وكان بمثابة المؤتمر الاول للجماعة وبدأ الاخوة يبكون من شدة التأثر ، اعتلى وقتها الشيخ بوجرة المنصة وقال : إنني عصي الدمع ولكن المقام أخرج دموعي رغما عني.
قبل توقف الطائرة نظر في وجهي مليا ثم قال : كلام جميل ولكن يحتاج إلى إحياء الفكرة التي جمعتنا أول مرة ويحتاج إلى وضع مشروع متكامل الجوانب يلم شعثنا ويجمع شتاتنا، لم نكمل الكلام حتى طُلب منا النزول، في باب الطائرة شكرنا ربانها وقلنا له: لقد كانت رحلة رائعة ولم تعطنا الوقت لاكمال كلامنا.
في بهو المطار فاجأنا إخواننا باستقبال لا مثيل له، يتقدمهم رئيس المكتب الولائي الاستاذ تومي، نظرت في وجوههم، ابتسامات وترحيب تعلوها كآبة متعلقة بسبب الزيارة مصيبة فقدان أخينا محمود، تذكرت زياراتي السابقة إلى بسكرة سنوات الثمانينات، تذكرت أول من استقبلني بها، ذاك الرجل الذي تعرفت عليه وأنا طالب بفرنسا، تعرفت عليه في حلقات الذكر، تعرفت عليه في مناقشات علمية، تعرفت عليه في حضور رسائل الدكتوراه في فرنسا، تعرفت عليه في لقاءات المكتب الوطني، تعرفت عليه في المجلس الوطني للتخطيط والاستشراف، تعرفت عليه في الرحلات والمؤتمرات والمخيمات، زارني مرارا الى سطيف، وزرته مرارا الى جامعة، وكان آخر عهدي به ذات يوم إثنين سنة 1992 في المكتب الوطني قدم ورقة عن الوضع الأمني وآليات الحذر من الانزلاقات، غادر هو العاصمة نحو بسكرة وغادرتها نحو سطيف، وما هي إلا ساعات حتى جاءني الخبر الصاعقة : وقع للدكتور عبد المنعم حادث سيارة وحالته خطيرة، ليأتي الخبر بعد ذلك بانتقاله إلى رحمة الله، فاجعة، مصيبة، أتذكر كلماتي في تأبينيته، إنه الأخ الاستاذ الدكتور الوفي عبدالمنعم بن صغير، كدت أتيه في ءكراه فأعادني إخواني إلى الواقع بكلماتهم الرقيقة وعناقهم الحار. تبادلنا السلام والتعازي ثم انتقلنا إلى المكان الذي أعدوه للاستقبال لننطلق منه إلى وادي سوف، كنت أنظر إلى وجوه إخواني، على مائدة الشاي، ولي مع كل واحد قصة، ما هي إلا دقائق حتى أضاء المكان بقدوم شيخ بهي الطلعة يعلوه الوقار يمشي الهوينة متكئا على عصاه، أعرفه ولكن من هو، دققت النظر، أو كما نقول في سطيف ( دنقت إليه، ودنق كلمة عربية فصحى تعني نظر بتمعن ) إنه الأخ : ساعد غزلي، مضت سنوات لم نلتق، بالحضن والقبل وتقبيل الأيدي، جلسنا نتبادل الاشواق والذكريات، ثم يقبل علينا الآخ ابراهيم عدوان، ذاك الذي حين نلقاه أقول له : أنت الذي قلت لربك ارجعني فرجعك، ذلك أنه وصل في مرض عضال إلى الموت فأرجأه الله، كان معه صهره اسماعيل وهو خال أحفادي، وابراهيم عديل ابني عبدالله، تعارف الجميع وتم توزيع الاخوة على السيارات للانطلاق نحو وادي سوف، وتوافق النيات لأكون مع أخي ساعد ومعنا أخوين آرين فريد و سعيد، ذكرني كل واحد بأولى لقاءاتنا وانطلقنا 210 كيلومتر لم نحس بها، تكلمنا عن الحاضر وعن المستقبل واستوقفنا الماضي كثيرا، كان لي مت الاخ ساعد مآر وأعمال مشتركة في هذه المنطقة ثم ذكّرني بأول لقاء لنا، كان في شهر أفريل 1987، خلال المعرض الاسلامي بجامعة سطيف، في إحدى أمسيات المعرض ألقى الشيخ عباسي مدني رحمه الله محاضرته، انتقلنا لنتعشى عندي في البيت، كنا مجموعة منهم الشيخ عباسي مدني ونجله سليمان، الشيخ نذير مصمودي، الدكتور عبدالمنعم بن صغير رحمهم الله والأخ ساعد غزلي والاخ مسعود، والدكتور عبدالرزاق مقري وكان وقتها طالبا والدكتور ابراهيم بوذراع وبعض الطلبة، بعد العشاء بقي عندي في البيت الشيخ عباسي وابنه ونذير وعبدالمنعم وساعد ومسعود لنتفاجأ في الصباح بتساقط كثيف للثلوج لا يمكن الخروج السيارات لا تتحرك، بقينا يومين مع بعض، أخرح فقط راجلا لشراء المستلزمات، كانت أياما عجيبة وغريبة، تذكرنا جدية الشيخ عباس، ونكت الشيخ نذير، وخرص عبدالمنعم ... ذكرني أخي ساعد بتلك أيام، بين بسكرة والوادي لم تتوقف هواتف الاخوان من كل الولايات يسألون عن موعد الجنازة ومكانها والطريق الافضل للوصول، من بين المتصلين الاخ يوسف شوشان قادما من عنابة مع بعض إخوانه، وآخرون من ولايات أخرى .
وصلنا الوادي فكان أول من استقبلنا الأخ بشير بوصبيع حفظه الله، استرجعنا وتبادلنا السلام ثم التعازي، صلينا الظهر والعصر جمعا وقصرا ثم انتقلنا حيث تقام التأبينية، وهنا يتوقف قلمي ويكاد قلبي يتبعه، أي كلمات تصف ذاك الجمع، وأي مفردات تصور ذاك المشهد، الناس وجوم، العيون أنهار، الوجوه حائرة، بدأ الاخوة بتلاوة أيات من كتاب الله، كان الوقت قصير، تعاقب على الكلمات أربع إخوة، علي حلواجي، ، الدكتور عبدالرزاق مقري، منثل حركة حماس فلسطين، الشيخ ابوجرة سلطاني، أحادوا وأفادوا، ذكروا مناقب الفقيد محمود غربي، أخلاقه، نضاله، سلوكه، أعماله في الدعوة وفي التنظيم وفي السياسة وفي التضامن وفي الخدمات وفي فلسطين، له في باب جهد وعطاء، ذكّروا الحضور بالرسالة والمشروع اللذان حملهما الاخ محمود رحمه الله، ثم انتقلنا الى المقبرة مشيا نتناوب على حمل نعشه، أهذا الذي جاب الجزائر شرقا وغربا نحمله، أهذا الذي حمل إخوانه الان نحمله، أهذا الذي وقف صامدا في وجه عساكر صهيون لفك الحصار على غزة نحمله ... جمع غفير بجوب طرقات تلبياضة نحو المقبرة، بوضع جثمانه وبتقدم أحد رفقائه للصلاة عليه الشيخ عبدالكريم بلقط حفظه الله، نصلي عليه ونقدمه الى قبره إلى روضته، سبقت روحه جسده، دعاء وتأمين.
أي سر كان بين هذا الرجل وبين ربه ليسوق له هذه الجموع من كل ولايات القطر شرقها وغربها شمالها وجنوبها، إلتقيت بإخوة ما كنت أظن أن ألقاهم، مسافات بعيدة قطعوها، ومفاوز اجتازوها، جبالا واودية، سهولا وهضابا، بالطائرات والسيارات، أرفع رأسي من حين لآخر، فتقع عيني على بعضهم بلقايد من الشلف، بوزقاق من جامعة، بشير من المغير، سعود من تبسة، حمو من البويرة، ياسر ومحسن من العاصمة، سعيدي من البليدة، بن زاوي من سطيف....
تذكرت البياضة لما كنا نأتيها مستخفين، تذكرت وادي سوف لما كنا نأتيها لملتقيات الدعوة والقرآن، ما منت أظن أن لقاءاتنا البسيطة تلك يتفرز هذه النتائج الباهرة، رجعنا إلى بيت الفقيد قدمنا العزاء لإخوته وأعمامه، انفردت بأبنائه لتقديم بعض النصائح السريعة الهادفة، لقد مررت أنا، قبل ثلاثين سنة، بمثل هذا اليوم كنت احتاج من يقول لي كلمة، أوصيتهم بأمهم ببعضهم بأخواتهم، رجعنا إلى السيارة، الاخ فريد حفظه الله سائق ماهر، سكوت رهيب قطعه الاخ ساعد ببعض ملاحظاته، أما أنا فكنت غارقا في أمر آخر، أحببت أن يتشارك فيه معي إخوتي قلت لهم أتدرون فيما أفكر، إنني أفكر في هذا الجمع الغفير كل صلاة يصلونها وكل ذكر يذكرونه وكل خطوة يخطونها وكل خير يعملون فإن لرسول الله لِما بلغ وارشد فيه أجر، وأن للإمام البنا لِما أبدع وجدد فيه أجر، وإن للشيخ محفوظ لِما جدد ونشر فيه أجر، وإن لأخينا محمود لما جمعنا فيه أجر، فأي سر بينهم وبين ربهم، أكملنا طريقنا الى بسكرة في وقار وتذكير ودعاء، قرابة الساعة التاسعة يرن هاتف أخوينا فريد ثم يتوقف ليخبرنا أن الاخوة من عنابة ليسوا بعيدين من هنا قادمين الى الوادي لم يلحقوا بالجنازة فأرادوا إكمال الطريق والذهاب للتعزية، ما هي إلا دقائق حتى قابلتنا سيارة وبإشارات ضوئية تفاهمنا، توقفوا بمحاذاتنا، نزلنا إنهم الاخوة شوشان يوسف وعبدالهادي تبسي من عنابة، وجمال من الطارف، بعد التحية والسلام تذكرنا أخينا محمود ودعونا له ثم استرجعنا بعض ذكريات الماضي، ثم افترقنا هم اكملوا نحو الوادي ونحن نحو بسكرة.
وصلنا الى مقر إقامتنا، وجدنا إخواننا أهل بسكرة في الانتظار، وكانت لنا جلسة على العشاء مع رئيس الحركة الدكتور مقري وأعيان البلد، كانت جلسة خفيفة تناولنا فيها أحوال البلد ومتطلبات المرحلة، ما يجب القيام به وما بجب الحذر منه، قدم رئيس الحركة جملة من الملاحظات حول ما بجري في البلد كنا شرح موقف الحركة شرحا مستفضا شافيا لمن أراد أن يتفهمنا ويفهمنا ، تناصحنا، ونظرا للتعب الذي أخذ منا مأخذا، ذهب كل واحد إلى غرفته، كان الوقت قد قارب منتصف الليل، استرخيت بعض الوقت إلى غاية الرابعة والنصف صباحا لاستيقظ وكأنني نمت طويلا، قمت ببعض الامور وكعادتي صبيحة السبت والاحد أتصل بأختي الدكتورة نونة المقيمة في ماليزيا والوقت عندهم منتصف النهار، تكلمنا تن أحوال الاولاد والتدريس والصحة، قلت لها إنني في بسكرة، تنهدت طويلا أحسست بألم يعتصر قلبها، فكلماتها تثاقلت وكأني أراها قربي قد كادت تسقط رغم تباعد المسافة، قلت : أخبريني ما حدث، قالت وفي صوتها حشرجة وأنين: تعرف الأخت زوزو فريدة زوجة الاخ بدران التي كانت معنا في ماليزيا وهي الأن في قطر لقد سافرت اليوم الى بسكرة لأن أباها توفي بالأمس رحمه الله هل ممكن تذهب لتواسيها ، قلت أبشري.
في الصباح تناولنا الفكور مع الاخوبن الكريمين : الاخ الاستاذ تومي قرباز رئيس المكتب الولائي وهو من شباب الصحوة ذو علم وأخلاق وفضل، والاخ صاحية العربي وهو من رجال الحركة الاوائل عرفناه في البدايات ولا يزال على ما كان عليه من اخلاق ووفاء وتضحية وعمل، جلسنا قليلا نتذاكر ونتناصح، ثم انطلقنا نحو إلى مدينة سيدي عقبة مع الأخ تومي، في الطريق قال لي: هناك أحد رجال بسكرة قد توفي فنذهب للتعزية، كنت قد نسيت تماما كلامي مع أختي صباحا، قال لي رفيقي : الفقيد هو المجاهد زوزو وهو من أهل الخير والاحسان، حينها تذكرت طلب أختي لزبارة ابنته، فقلت للتخ تومي : القدر يفعل فعله واخبرته خبر المكالمة.
ايتقبلنا الاخ كمال في سبدي عقبة، ذهبنا الى النسجد الذي بني على ضريح الصحابي الجليل عقبة بن نافع رضي الله عنه، سلمنا على مستقبلينا، وصلينا ما كتب الله، ثم أخذنا الاخ قيِّم المسجد في جولة علمية سياحية في أرجاء المسجد، كل قطعة منه لها قصة، جال بنا في حباة الصحابي عقبة بن نافع من مواليد السنة الاولى قبل الهجرة، له صحبة مع رسول الله، رآه وسمعه، كان من جنود عمرو بن العاص، كان أميرا على برقة، هو الذي بنى القيروان، كان أرضا موحشة بها الوحوش والاسود والضباع، لما استقر قربها واراد بناءها خاطب الوحوش : ان أثحاب محمد يريدون أن يقيموا هنا فارحلوا، فرحلت الوحوش عن آخرها، استمر في الفتوحات حتى بلغ المحيط الاطلسي وقال قولته المشهورة، من آخر ما أوصى به أبناءه ثلاثة أمور: - عليكم بالقرآن - لا تستدينوا أبدا - عليكم بصحبة الاخيار.
ونحن في مسجد عقبة يأتينا خبر بأن السبد الامين العام للولاية سمع بأنكم هنا فهو يريد أن يراكم لعلاقتكم السابقة به، استعجلنا أمرنا وقفلنا راجعين الى بسكرة لأن الوقت لا يسمح، مباشرة نحو الولاية : دخلنا على السيد الامين العام، استقبال حار، وسؤال عن الصحة والاهل والاحوال، كان في صحبتنا الاخ النائب عمار موسي والاخ النومي رئيس المكتب الولائي والاخ كمال رئيس لجنة بالمجلس لولائي، بقوا حائرين فهمت أنهم يريدون معرفة طبيعة العلاقة ببني وبين الامين العام الدكتور محمد بن مالك، وطبيعة العلاقة ترجع الى كنز من كنوز الجزائر وقامة من قاماتها، الذي كانت لي به علاقة متميزة منذ تعارفنا في بيت الله الحرام في الحج سنة 1992، كنت أتنشى مت الشيخ محفوظ رحمه الله فوق سطح المسجد الحرام فاعترصنا حلقة من حلق الذكر على رأسها شيخ وقور يحيط به مجموعة من المريدين وقد اشرأبت أعناقهم لكلامه، فجلينا إليهم ولمجرد ما رآنا قام إلينا وأجلسنا قربه وأكمل حديثه في بعض معاني الحج، منذ ذلك الحين توطدت علاقتنا، وزارني في سطيف وفي العاصمة عدة مرات، وزرته في أولف وأخذت عنه بعض نظراته في الزكاة والمعاملات واستمرت علاقتنا إلى أن اختاره الله إلى جواره، إنه الشبخ الامام العالم المجتهد الحجة سيدي محمد باي بلعالم وهو خال السيد الامين العام لولاية بسكرة، في جلستنا بالامس ذكرني بخاله وقص على الاخوان بعض مآثره وقدم لنا صورا عن مشايخ أدرار فتجاذبنا أطراف الحديث عنهم وقصصت للاخوة لقاءاتي ببعضهم أمثال الشبخ طالب سالم رحمه الله والشيخ مولاي التهامي رحمه الله وآخرون، قدم لنا الشاي وقبل المغادرة أهداني السيد بن مالك بعض كتبه وكلها انجازات وابداعات تدور حول مواضيع التنمية والاقتصاد، وافترقنا على أمل اللقاء في فرصة أخرى.
من الولاية انتقلنا إلى عائلة زوزو لأداء واجب التعزية، في الكريق تذكرت أحد أحبابنا من عائلة زوزو، إنه عمي صالح أحد رجالات سطيف وأقطابها لم يبخل علينا بآرائه القيمة ودعمه المتواصل طيلة مسيرتنا السياسية والدعوية، اتسلت به لايتفءر عن طبيعة العلاقة بينه وبين هذه العائلة البسكرية، واخبرته أنني في طريقي إليهم للتعزية فطلب منؤ تبليغهم تعازيه وأنه متعب شيئا ما، وصلنا عند عائلة زوزو استقبلنا أبناؤه وإخوته وأحفاده استقبال الكرماء الافاضل تجاذبنا أطراف الحديث عن المرحوم وخصاله، طلبت منهم تقديم تعازيّ لابنته القادمة من قطر وجلسنا نتكلم وإذا بالاقدار تتدخل وها هو أحد الاساتذة الافاضل يتقدم للتعزية ما زال مثل ما عرفته قبل ثلاثين سنة حين كان رئيس المكتب الولائي لحركة المجتمع الاسلامي بولاية عنابة، غير أن الشيب قد غزى شعر رأسه، إنه الاستاذ الدكتور نصر الدين عبوبو تبادلنا السلام وبالاحضان عبّر كل واحد منا عن عمق المحبة وصدق العلاقة، ثم جاءني أحد أبناء الفقيد ليخبرني أن الأخت القادمة من قطر تنتظرني في فناء البيت، كان موقفا مهيبا، وقفت وبجانبها عمها قدمت لها تعازي شقيقتي نونة وقلن لها بأنها هي التي أخبرتني فجرا وطلبت مني المجيء، قلت لها مواسيا وقد رأيت دموعها تتساقط : لا عليك أتدرين أين والدك الآن إنن عند من يحبهم كما تحبينه إنه عند أمه وأبيه وأجداده إن روحه مت روح رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه فؤ رياض البرزخ لم نسمع عنه إلا خيرا، هو لم يغادر، فقط غير الاقامة إلى مكان أفضل من هذا، افرحي له طيبي نفسا بمقامه الجديد... ارتسم على وجهها الفرح والبِشر ابتسمت، وَدَّعتها وافترقنا .
اقترب وقت صلاة الظهر وحان وقت الغداء، خرجنا من عند عائلة زوزو قال لي مرافقي السيد تومي: إن السيد ابراهيم عديل ابنك يقول أن جدة أحفادك تصر بأن تأتوا جميعا للغداء عندها في أوماش، تتابعت السيارات، وانطلقنا نحو بلد العقيد شعباني كان في انتظارنا الاخ ابراهيم وصهره الحاج محمد سالم وأبناءه، كنا مجموعة كبيرة بمجرد دخولنا البيت وأخذ كل واحد مكانه بدأت أطباق الشخشوخة البسكرية تتوافد، تذكرت قوله تعالى : ( فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ) ثم أقبل عبد اللطيف من بعيد : جدو جدو جدو، تحركت المشاعر، أكملنا الغداء ثم جاءني خالهم بالحفيد الثاني : عبدالملك، أخذته بين ذراعي، رسمت على وجنتيه وجبينه قبلات وأنا أتذكر (إسراء ومارية وإيمان وعبدالمعز وعبدالرؤوف)، قاومت دمعة أبت إلا أن تسقط ودفعت أخواتها، أثناء شرب الشاي طلبت من الاخوة المرافقين أن يقدم كل واحد نفسه لمضيفنا الحاج محمد، اسمه ولقبه وقبيلته ووظيفته، إنهم نزاع القبائل لا صلة بينهم إلا وجه الله، تكلمنا في مواضيع شتى، استأذنوا للانصراف، ودعتهم ورجعت لاستريح في انتظار موعد الطائرة.
عند الساعة الرابعة كنا في المطار مع الاخوين اسماعيل وابراهيم قمنا باجراءات التسجيل، دخلت قاعة الانتظار، حلست في أحد الكراسب الفارغة كان بجانبي كهل في العقد الخامس من عمره ألقيت عليه السلام، رد السلام، ثم قال لي كأني أعرفك، قدم نفسه الدكتور ب. م. من بسكرة متخصص في علم المعادن métallurgie قدمت نفسي باهتمامي الحالية بالاقتصاد وتخصصي الاكاديمي الكهروكيمياء élèctrochimie وهما تخصصان متقاربان، أهبرني أنه يعرف أساتذة في هذا التخصص طلبت منه تذكر بعضهم فقال : الدكتور العربي زروال أعرفه جيدا، قلت : ذام صديقي منذ 40 سنة وقد تركته في بيتي في العاصمة، وهنا تغيرت العلاقة وأصبحت متعدية، تناولنا عدة مواضيع في جلستنا قبل ركوب الطائرة، تكلمنا عن دور المثقف، ودور الباحث في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وفي التنمية، أعطيته وجهة نظري في الفرق بين حامل الشهادة طالب الرزق بها وبين المثقف الذي يحدث التغيير في المجتمع، كنت قاسيا شيئا ما، ركبنا الطائرة،دعوت دعاء السفر، كان المقعد بجانبي فارغا، استأذن صاحبنا من مضيف الطائرة ليجلس بجانبي، بدأ دوار خفيف ينتابني طلبتُ من المضيفة حبة دولبران لعلها تساعدني في التخفيف منه، وأكملنا الكلام مع فضيلة الدكتور بومرزوق، لم نحس بالرحلة حتى حطت بنا الطائرة الساعة السادسة والنصف ليلا، بعد النزول وفي بهو المطار استفسرت هل هناك من ينتظره، قال : سآخذ سيارة أجرة، قلت : أنا تركت سيارتي في المطار وأنت ضيفي، تمنع فأصررت، وبعد أخذ ورد استجاب على أن أوصله إلى الفندق بوسط العاصمة لأن عنده مواعيد، من المطار إلى وسط العاصمة زحمة، والمسافة تأخذ منا ساعة ساعة تقريبا، أكملنا نقاشنا، وطرح علي سؤال بسيطا ولكن يحتاج إلى وقت للإجابة عليه خاصة مع باحث تقني همه الوحيد البحث والدراسات، والسؤال: كيف نحدث التغيير في هذا المجتمع الذي فقد كثير من القيم وفقد كثير من المنطق وحدثت فيه شروخات عديدة كيف نرجع إلى الله كيف نحقق الامل الذي نرجوه.
اصغيت إليه بكل إنصاة وأنا أقود السيارة وأتأمل تقاسيم وجهه بين الحين والآخر مستشعرا الألم الذي بداخله، وقلت في نفسي: طريق الاصلاح لا يزال طويلا ولكن الخير موجود في هذا البلد وفي هذا الشعب، بعد أن توقف طلبت منه المزيد من الكلام ، أضاف بعض الجمل، وبعد أن انتهى قلت في نفسي: لم يبق كثير من الوقت لنصل فماذا أقول، قلت له : أنا لا أعرف أفضل منك وسأعطيك رأيي المتواضع في شكل فلاشات، وبدأت بالكلام من كتاب الله ( لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) ( فاتقوا الله ما استطعتم ) ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( سددوا وقاربوا فكل ميسر لما خلق له ) ايتوفني الحديث خمس أو عشر دقائق، عصرت مخي مستءكرا بعض كلمات ابن باديس والابراهيمي والبنا والنحناح وشيبان، وأنا أمشي بتثاقل، وصل عند فندقه، لم ينزل، شعرت بأن صاحبنا ضمآن لمثل هذا الكلام، أوقفت السيارة تكلمنا قليلا، نزل وأخذ حقيبته ودعني كأنما يودع والده أو ابنه أو أخاه متحسرا أن لقاءنا لم يطل، دعونا لبعضنا البعض، رجعت إلى سيارتي .. وها أنا في البيت من حيث ما خرجت قبل ثلاثة أيام ... سافر ففي الاسفار ... معذرة إذا كانت هناك أخطاء مطبعية
د. عبدالقادر سماري