الدكتورعبد القادر سماري

المنشور طويل ولكنني أعتقد أنه ممتع ... قد لا يندم من يقرؤه ... وتبقى الأذواق تختلف ...

المنشور طويل ولكنني أعتقد أنه ممتع ... قد لا يندم من يقرؤه ... وتبقى الأذواق تختلف ...
من خبايا زيارتي إلى تلمسان ...
انطلقنا من البليدة رفقة الاستاذ ( محمد مكركب ، لا تخلطوا بينه وبين ابن عمه شيخنا فضيلة الشيخ محمد مكركب، فهذا في القضايا الشرعية ، وذاك في الاقتصاد والمالية والاستثمار) قبل ظهر الثلاثاء 21 أفريل، صلينا الظهر والعصر جمعا وقصرا، في إحدى المحطات ... شكرنا القائمين عليها ... وتمتعنا خلال الرحلة بالمناقشة والحوار والمناظر الجميلة الخلابة ... اللهم احفظ الجزائر وأصلح ولاة أمورها واهدي شبابها رجالها ونساءها ...
وصلنا إلى تلمسان بعد العصر، وكان الموعد في فندق الزيانيين، حيث ستكون إقامتنا. وما إن وطئت أقدامنا هذا الصرح، حتى عادت إلى ذهني ذكرياتٌ يعود عمرها إلى ما يقارب أربعين سنة، وتحديدًا إلى سنة 1987، إذ أقمت في هذا الفندق، الزيانيين، حين دُعيت إلى جامعة تلمسان – التي كانت آنذاك مركزًا جامعيًا – برفقة أخي الأستاذ طاهر الذوادي حفظه الله.
كانت زيارتنا في ذلك الوقت للمشاركة في لجنة تعريب المصطلحات العلمية في الكيمياء والفيزياء، إضافة إلى تقديم بعض الدروس للطلبة في تخصص الكهروكيمياء، ذلك التخصص الذي أصبح لاحقًا عنوانًا مميزا لجامعة سطيف. وكانت أيامًا حافلة بالعمل والجد والاجتهاد، تخللتها زيارات إلى معالم مدينة تلمسان؛ فزرنا ضريح سيدي بومدين الغوث وترحمنا عليه، كما زرنا دار الحديث التي أسستها جمعية العلماء المسلمين، والتي أشرف على تدشينها الشيخان عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي. وكانت لنا جلسة طيبة مع الشيخ بن يونس حفظه الله، ثم انتقلنا لزيارة الشيخ محمد بلقايد رحمه الله. فكانت تلك أول زيارة لي إلى تلمسان، زيارةً غنيةً بالذكريات والمعاني، ولقد حدثت خلالها في لجنة تعريب المصطلحات التي ترأستها كثير من الأمور التي لا يتسع المجال لذكرها وقد نجد لها خيزا في مذكراتنا اذا تيسر الشروع فيها... ولقد تكررت زياراتي الى هذه الولايات في مناسبات كثيرة، ففي كل سنة أو سنتين أمورها مرة أو مرتين ...
أما في هذه الزيارة، الصحي للمشاركة في ( مؤتمر الاوقاف بمحاضرة تحت عنوان : دور القطاع الثالث في التنمية الشاملة والمستدامة )
هذا المؤتمر التذي احتضنته كلية الطب بجامعة تلمسان تلك التحفة المعمارية الرائعة ... فبمجرد وصولنا التقينا بإخوة قادمين من ماليزيا، وهم ثلاثة من الأساتذة المتخصصين في المالية الإسلامية والصكوك: الدكتور سعيد بوهلاوة، والدكتور يونس صوالحي، والدكتور فارس جعفري. وقد جمعتنا بهؤلاء الإخوة ذكريات قديمة؛ فمع الدكتور سعيد بوهراوة تعود المعرفة إلى بدايات الدعوة الإسلامية والصحوة في الجزائر، في لقاءات ماراطونية ضمن مجالس الشورى والجلسات التربوية والتكوينية ومجالس الذكر التي تبقى شاهدة له ولأهله. أما الدكتوران يونس وفارس ، فقد تعرفنا عليهما خلال زياراتنا إلى ماليزيا، حيث جمعتنا جلسات علمية وفكرية ممتدة لما يقارب ثلاثين سنة، بل وحتى مباريات في كرة القدم مع الطلبة الجزائريين هناك... كان ذلك في الماضي البعيد
وكذلك في زيارتنا هذه سعدنا بلقاءاتنا مع الدكتورين : خورشيد، ومحمد الصغير القادمين من بريطانيا فكانت صحبة طيبة، كما حضر وحاضر الاستاذان : ودان بوغفالة و محمد بوجلال ، وأساذة ودكاترة آخرين...
ومن أبرز محطات هذه الزيارة أيضًا، لقاءاتنا مع مجموعة طيبة من أهل تلمسان، على رأسهم الشيخ الفاضل بن يونس، والأستاذ نور الدين، والاستاذ بلهواري والشيخ الإمام عبد الله غانم. وقد كانت جلسات مباركة على هامش المؤتمر، تداولنا فيها قضايا علمية وفكرية، بل وتطرقنا إلى بعض القضايا الاقتصادية وغيرها بما يخدم الصالح العام.
كما تعرفنا على القائمين على ملتقى الأوقاف، وهم الأصل في هذه الزيارة ، ونخص بالذكر الأستاذة الدكتورة خديجة خالدي رئيسة الملتقى، والأستاذة الدكتورة آمينة قراري منسقة الملتقى ورئيسة المخبر، والدكتور الأستاذ طيبي بومدين، والأستاذ الدكتور بن الحبيب، والاستاذ الدكتور مرابط سليمان، والاستاذ الدكتور فتحي بن لدغم، والاستاذ الدكتور بن بوزيان وغيرهم كثير أعتذر عن عدم ذكر أسمائهم .... وقد لمسنا منهم حسن الاستقبال، وكرم الضيافة، والتنظيم المحكم، بما يفوق كل توقع. كما التقينا بعدد من الإخوة الذين أثروا الملتقى بمحاضراتهم وتعقيباتهم ومناقشاتهم.
ومن الجوانب المشرقة في هذه الزيارة، الاستماع إلى الإبداعات العلمية والفكرية التي قدمها المشاركون حول قضايا الأوقاف، حيث لمسنا حرص الجميع على خدمة الجزائر، وترسيخ القيم الإسلامية، والمساهمة في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، والتفكير في مستقبل الأجيال وتأمين هذا الوطن العزيز.
كما كانت للمنظمة العالمية للتخطيط الاقتصادي – التي أسسناها قبل أشهر ومقرها في جنيف – مشاركة فعالة في هذا المؤتمر، حيث حضر أربعة من قياداتها، منهم الدكتور: أحمد مطر رئيس المنظمة، والأستاذ الدكتور عبد القادر شاشي المكلف بالدراسات، والأستاذ محمد الشامي رئيس لجنة الشؤون الخارجية، إضافة إلى أخيكم عبد القادر اسماري رئيس المستشارين بالمنظمة. وقد قدمنا اقتراحًا لتعزيز التعاون بين كلية الاقتصاد بجامعة تلمسان، والمنظمة العالمية للتخطيط الاقتصادي والتي باركها الجميع ... ولن ننسى تلك الأمسية التي أقامتها الدكتورة آمنة على شرف المشاركين حيث امتزج فيها التعارف والتواصل بالذكر والاناشيد والدعاء وبالكرم التلمساني ...
ولقد أختتم المؤتمر بتوصيات هادفة إن وجدت صيغا للتطبيق فهي تؤسس لعمل مستقبلي تتلاقى فيه الخبرات والطاقات والعلم والمال والتشريع والتنفيذ من أجل تنمية شاملة ومستدامة حيث يكون المواطن هو حجر الزاوية للاستفادة منها ...
ومن محطات هذه الزيارة كذلك، الدعوة الكريمة التي حظيت بها من طرف هيئتين نشيطتين في الولاية: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ونادي فضيلة الشيخ محمد شعلي رحمه الله، الذي يُعرف في تلمسان بـ"إمام المحاريب الثلاثة". وقد كان لقاءً مميزًا من حيث التنظيم والاستقبال، خاصة وأن هذا النادي وقفٌ خيري تبرع به أحد المحسنين ليكون صرحا قائما، غير بغيد عن دار الحديث، وهو يضم مئات الأبناء والبنات الذين يحفظون القرآن الكريم ويتدارسونه ويتعلمون أحكامه ويسعون جاهدين للتمثل بتوجيهاته.
كما سعدت بلقاء أخي الأستاذ الدكتور عبد العالي حسين، المتخصص في الذكاء الاصطناعي، والذي تعرفت عليه في قطر قبل نحو خمسة عشر عامًا، ثم تجددت العلاقة في بريطانيا حيث يشغل منصبًا مهمًا في إحدى الشركات العالمية. وله إسهامات متميزة في توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الدين والوطن، من خلال تطوير برامج تساعد الشباب على حفظ القرآن ومتابعة الأطفال والحرص على العبادات. وأرجو أن تستفيد منه الجزائر عموما وتلمسان على الخصوص، فهو نموذج مشرف من خريجي المدرسة والجامعة الجزائرية، وله أصدقاء في هذا المجال من امثال الدكاترة هشام، أمين، علي ... وآخرون .
ومن المفاجآت الطيبة أيضًا، الدعوة التي تلقيتها من المكتب البلدي لحركة مجتمع السلم بتلمسان، من أخي الاستاذ عيساوية حفظه الله، فلبينا الدعوة حيث عقدنا لقاءً حضره عدد كبير من أبناء وبنات الولاية، تناولنا فيه موضوعًا مهمًا بعنوان: "واجباتنا تجاه وطننا وديننا وحركتنا في ظل الأوضاع الراهنة"، فخلال قرابة ساعتين من الزمن وبالعرض والنقاش والحوار حددنا واجبات كل جزائري تجاه وطنه ودينه خاصة إذا كان مناضلا في حركة مثل حركتنا والتي تأسست من أجل غاية قصوى ( خدمة الدين والوطن والشعب ) في مختلف المجالات.
ولا أنسى اللقاءات التي جمعتني بعدد من الشخصيات العلمية، ومنهم واحد من علماء الاقتصاد من خريجي الجامعات الجزائرية والبريطانية ( بن بوزيان ) حفظه الله، وهو في الصورة، الذي حكى لي علاقته بالشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، وكيف غرس فيهم حب الدين والوطن خلال زياراته لهم في بريطانيا. كما قص علي علاقته بأحد الطلبة الجزائريين في بريطانيا وبدأ يذكر لي ملامحه ونشاطاته، فتبادر إلى ذهني من خلال اوصافه الأستاذ الدكتور أسامة بن دلهوم، فذكرت له إسمه فتذكره ، وتذكر اناشبده وعلى رأسها النشيد المعروف الذي كان يصدح به : "مسلمون مسلمون مسلمون".
كما التقيت خلال هذه الزيارة بعدد من الرجال والنساء الذين عرفتهم في زيارات سابقة لتلمسان، وكانت لقاءات دافئة تعكس عمق الروابط الإنسانية والعلاقات الإيمانية خدمة للدين والوطن،
وقبل مغادرتنا إلى ولاية سيدي بلعباس للمشاركة في ملتقى آخر حول المالية الإسلامية، نأمل أن نلتقي صبيحة اليوم الجمعة ببعض الإخوة الذين لم يسعفنا الوقت للقائهم ...
كانت هذه بعض الشذرات من زيارة دامت ثلاثة أيام لمدينة تلمسان المضيافة، رفقة أخي محمد مكركب و مرافقة الاستاذ الدكتور ((طيبي بومدين)) الذي ارجو أن نكمل معا أحد المشاريع ... كما أرجو أن تتجسد التوصيات التي تم الاتفاق عليها مع فضيلة الشيخ بن يونس والأستاذ نور الدين والاستاذ نورالدين بلهواري حفظهم الله.
نسأل الله أن ينفعنا وينفع بنا، وأن يبارك في الجزائر وأهلها، وأن يجعل هذه اللقاءات في ميزان الحسنات وصحائف آبائنا وأمهاتنا.
لقد كانت لقاءات طيبة ستبقى راسخة في الذاكرة، حافلة بالدروس والعبر.
وإن كنت ناسيا فلن أنسى تلك التلاوات العطرة التي شنف بها أسماعنا شباب تلمسان خلال صلوات الفجر بالمسجد المحاذي لفندق الزيانيين، حتى ان المصلين يتمنون أن لا يتوقف من القراءة ...
ووجهتنا اليوم نحو ولاية سيدي بلعباس ... حيث سنكمل الطريق مع مرافقي العزيز :
الأستاذ محمد مكركب ... على أمل أن نصلي الجمعة في بلعباس ... ونبدأ في التحضير لمؤتمر( المالية الاسلامية ) الذي سينطلق بإذن الله غدا السبت بجامعة سيدي بلعباس ... تلك الولاية التي لنا بها ذكريات نستحضرها إن شاء الله بعد الملتقى....
جمعة مباركة للجميع ... مع الصلاة والسلام على النبي الشفيع ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري