فجر هذا الأحد، كان لي مع شقيقتي الدكتورة نونة سماري، مثل باقي الايام، مجلسٌ إيمانيٌّ عبر الهاتف لتباعد المسافات بيننا، نتدارس فيه بعض معاني السير إلى الله، فكان حديثنا اليوم : عن حب الله للعبد، وحب العبد لله.
فجر هذا الأحد، كان لي مع شقيقتي الدكتورة نونة سماري، مثل باقي الايام، مجلسٌ إيمانيٌّ عبر الهاتف لتباعد المسافات بيننا، نتدارس فيه بعض معاني السير إلى الله، فكان حديثنا اليوم : عن حب الله للعبد، وحب العبد لله.
وانتهى بنا التأمل إلى أن حب العبد لله ثمرةٌ لحب الله له؛ فالله سبحانه هو الذي يبدأ بالفضل والاصطفاء والهداية، ثم يفيض على قلب عبده من محبته ما يجعله ينجذب إليه، ويأنس بذكره، ويشتاق إلى لقائه. ولذلك جاء الترتيب القرآني بديعًا في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، فبدأ سبحانه بمحبته لعباده، ثم أعقبها بمحبتهم له، وكأن محبة العبد ليست إلا أثرًا من آثار محبة الله له وتوفيقه إياه.
ثم انتقل حديثنا إلى سؤال آخر:
هل محبة الله ((حالٌ)) أم ((مقام))؟
فكان الذي استقر عليه نظرنا أنها (مقامٌ ) و(حال ) معًا.
فهي مقام؛ مودَعٌ في فطرة الإنسان منذ أن خلق الله آدم عليه السلام، وكرَّم بنيه، ودعاهم إلى معرفته وعبادته، غير أن هذا المقام ليس على درجة واحدة، بل له مراتب ودرجات، يترقى فيها العبد بحسب صدقه، وإخلاصه، وسلوكه، ومجاهدته في السير إلى الله.
وهي كذلك حال؛ حال متعلق بالقلب، في صعود ونزول، لأن القلب لا يبقى على حال واحدة، بل تعتريه حالات من الإقبال والإدبار، والقوة والضعف، والانشغال والانصراف، فتزداد المحبة أو تخبو آثارها بحسب ما يعمر القلب من ذكر الله، وما يزاحمه من هموم الدنيا وشواغلها.
ولعل من أجمل من تناول هذا الباب الإمام الهروي في كتابه «منازل السائرين»، ثم جاء الإمام ابن القيم فبسط معانيه وأوضحها في «مدارج السالكين»، ثم شذًّبه الشيخ عبد الرزاق الفقي بتحقيقه وتهذيبه، فكان ذلك معينًا لطالب هذا العلم.
ويبقى بعد العلم أمران لا غنى عنهما: حسن الفهم، وحسن العمل، وحسن السير إلى الله؛ فليست العبرة بكثرة ما نعلم، وإنما بما يورثه العلم من خشية، ومحبة، واستقامة.
نسأل الله أن يجعلنا من الذين أحبهم فأحبوه، ووفقهم فساروا إليه بقلوب صادقة، وأن يرزقنا صدق المحبة، وحسن القصد، وجميل الثبات.
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾... تلك هي الغاية، وذلك هو الشرف الأعظم.
والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري