زيارة الاحبة الذين جمعتك بهم الدعوة فيها لذة لا توصف :
زيارة الاحبة الذين جمعتك بهم الدعوة فيها لذة لا توصف :
انهينا ملتقى الشيخ محمد العربي التباني ببرج بوعريريج الموسوم ( المعرفة العقدية ودورها في استقرار الامة ) كان ذلك يوم الاربعاء 26 فبراير عصرا، فقفلت راجعا إلى سطيف، وفي ذهني موعدا كنت قد اعطيته لبعض اخواننا القدامى بعنابة لزيارتهم غدا الخميس، اتصلت بالأخوين الدكتور شارف نور الدين والدكتور العربي زروال، واستفسرت منهما :(هل لكما في جولة لبعض الولايات) وافقا، فاتصلت بالاستاذ نذير بن جاب الله بقسنطينة واخبرته أنني سأمر على قسنطينة فهل ممكن تسمح لنا لنسلم عليك، رحب بالفكرة، كلمت السيد أحمد ساسي الذي عٌيِن أخيرا واليا على قسنطينة، وهو من الافاضل الذين ربطتتي بهم علاقة طيبة منذ سنوات، ذو أدب نظيف اليد حسن المخالطة، نحسبه كذلك، استأذنته إذا ممكن نشرب عنده شايا صباح الغد، فقال : ممكن جدا ولكن عندي موعد التاسعة صباحا ، قلت : اعلم بأنك تبكر سأكون عندك، إن شاء الله، الثامنة قبل موعدك، صلينا فجر الخميس بمسجد صلاح الدين الايوبي ، توكلنا على الله، فقال أحد الاخوين: إلى أين
قلت : قسنطينة - عنابة وممكن الطارف ولعلنا نكملها بسكيكدة، وصلنا ولاية قسنطينة تمام الثامنة، كان في انتظارنا الاستاذ ( يوسف عجيسة ) دخلنا الولاية، استقبلنا السيد الوالي بحفاوة، بعد السلام والسؤال عن الاحوال، قدمت له رفقائي، ثم دون مقدمات بدأنا بحديث طويل عن قسنطينة، عن الجزائر، عن أهم ما نحتاجه لأجل التنمية الشاملة فكان التركيز على بعض القيم : العلم، العمل، الانضباط، الاستقامة، شارك الجميع في النقاش والنصائح المتبادلة، ثم استأذنا وانصرفنا، لنلتقي بعد ذلك بالاستاذ نذير ليأخذنا عند الاستاذ جمال ساكر الذي استطاع، بحرصه ومثابرته وعزمه، أن يقيم ورشة محترمة لتصنيع الأثاث والكراسي والارائك، قمنا بجولة خلالها، أثناء ذلك كان يجول بخاطري مجموعة من أعلام قسنطينة الذين جمعتني بهم سنوات الثمانينات والتسعينات ونحن نؤسس للدعوة في الشرق الجزائري ( محمد باوني، رابح طبجون، الشيخ شرفي رحمه الله، الشيخ أبوجرة، توفيق بن منصور،سليم عاشوري، سمير فرقاني كمال كافي، كمال قرقوري ... ) كيف لي أن ألتقي بهم جميعا، قلت في نفسي : ما لا يدرك كله لا يترك جله، فقررت الاتصال بأحدهم، فاخترت الاخ الاستاذ الدكتور المربي الشيخ صالح غواطي، رغم أن لكل واحد منهم مكانته، إلا أن الشيخ صالح مكانته لا ينازعه فيها أحد، فهمه إخلاصه بذله عطاؤه تضحيته وفاؤه، قاد معنا سفينة الدعوة في أحلك الظروف، لما ظهرت بوادر الاختلاف، انسحب في هدوء من الامور التنظيمية، ولم ينسحب من الدعوة الى الله من خلال مواقعه المختلفة في الجامعة وفي الحي الذي يقطنه، منارة ومعلم يهتدى به، اتصلنا به وحددنا موعدا بحي زواغي وكان اللقاء، وكانت الذكريات، وكانت مراجعات لبعض المواقف السابقة، وكانت الرؤية للمستقبل، وها هو الامل يحدونا لاستكمال الطريق، جلسةٌ، كانت، لا تُشترى بمال الدنيا، وبعد غداء واكرام من أهل قسنطينة الكرام افترقنا على أمل اللقاء، في الدنيا على الطاعات، وفي الأخرى عند الحوض، في الطريق إلى عنابة ارسل لي الاستاذ يوسف الموقع على الواتس وطلب منا الاسراع على أن نؤخر الظهر إلى العصر فنصليه معهم، استغلينا نعمة التكنولوجيا، وصلنا قبل صلاة العصر، وجدنا عددا كبيرا في بيت الأخ يوسف، بعد السلام وتبادل الاشواق، استرحنا قليلا، ثم صليت مع رفيقيّ الظهر ومع المجموعة العصر، وجلسنا في حلقة نستذكر الماضي، افتتح الاستاذ عمار بقراءة القرآن ( ربع حزب من سورة البقرة سأرجع إليه بعد قليل ) ثم افتتح اللقاء الاستاذ الهادي التبسي: حامدا ومصليا ومرحبا ثم قال : نحن نلتقي دوريا في هذا المحضن التربوي الذي اطلقنا عليه اسم الشهيد المربي الاستاذ علي العايب، ونحاول كل شهر أن ندعو أحد إخواننا وكان الدور هذه المرة للدكتور عبدالقادر وها هو الله يكرمنا بإخوة آخرين، بعد كلمته، طلب من كل واحد أن يقول كلمة في هذا اللقاء الجامع، ( الربيع سيوان، الهاشمي، خليفي، عبد الحميد، عبد الحق ربيعي، محمد الصالح، قريشي ، ... ) فكانت كلمات الاخوان بلسما للجراح وأنوارا للظلام واستفاقة من الغفوات وَرَيًّا للضمآن وراحة للنفوس وطمأنينة للقلوب ... هم الجلساء لا يشقى جليسهم، تكلمنا عن نعمة تواصل الاخوان، تكلمنا عن نعمة الاسلام، تكلمنا عن رسالة الاسلام، تكلمنا عن الجزائر وما ينتظرها، تكلمنا عن الجزائر وكيف نحميها، تكلمنا عن الجزائر وخيراتها شبابها نسائها رجالها شيوخها كهولها ... أمانة كيف نؤديها، تكلمنا عن الخير الذي نحن فيه وعن بعض الدَّخَنِ الذي يعتريه، وتواعدنا أن نكمل المسير وقد تجاوز معظمنا الستين وبدأ نجمنا في الافول وقبورنا تستعد للاستقبال، في بداية الجلسة كانت الابتسامات وفي الختام ظعرت الدموع والعبرات : فهل بعد هذا نلتقي، افترقنا ولكن الامل يحدونا إن لم تجمعنا الدنيا مرة أخرى فالمصطفى صلى الله عليه وسلم عند الحوض ينتظرنا ... صلينا المغرب والعشاء في المسجد،ثم العَشاء، تواصلنا مع رجل فاضل من الطارف، الامام الشيخ عبدالكريم من السابقين الاولين في التأسيس والتربية وتواعدنا أن نزوره غدا الجمعة، بعد ذلك خرجنا الى عنابة، بونة، نتجول في شوارعها ونتذكر الاماكن التي تعرفنا ونعرفها في محطات الدعوة منذ أكثر من ثلاثين سنة، ثم رجعنا لبيت الاخ يوسف لنستريح... وَصَلنا خبر وفاة والدة الشيخ عبدالله جاب الله، اتصلت به وعزيته ودعوت لها بالرحمة وله ولاهله بالصبر، فأخبرني أن الجنازة تكون بعد صلاة الجمعة بسكيكدة ، فعقدنا العزم أن نحضرها باذن الله. أما الآن فالساعة تحاوزت الرابعة من صباح هذا اليوم، الجمعة 28 فبراير، حين بدأت كتابةهذه الخربشات، فتحت عينيَّ، بعد نومة هادئة، في بيت الاستاذ يوسف شوشان بعنابة، وصوت الآخ عمار في أذني يرتل ( ... إذ تبرأ الذين أُتُّبِعوا من الذين اتَّبعوا ورؤوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ... ) بعض ما قرأ البارحة الخميس في الجلسة الإيمانية ... بقيت الاية تلاحقني، مستحضرا أقوال المفسرين في تَبَرُّءْ الرؤساء والقادة من الاتباع، وكيف يتمنى الاتباع أن يرجعوا ليتبرؤوا منهم ... وبدأت أطياف مشايخي وإخواني وأحبابي وحمدت الله أننا لن نتبرأ من بعضنا البعض بل سنكون إن شاء الله :
إخواننا على سرر متقابلين ... يا رب.
في هذه اللحظة يرفع الآءان الأول لفجر الجمعة ب عنابة.
جمعة مباركة للجميع.
د. عبدالقادر سماري