الدكتورعبد القادر سماري

في التواصل دروس:

في التواصل دروس:
ولكن معذرة فهذا المنشور طويل جدا:
الاسبوع الماضي أخذني الشوق إلى بعض الاحباب الذين بدأنا معهم المسير في طريق الدعوة، خرجت من العاصمة إلى سطيف، اصطحبت معي أَخَوَيَّ د.العربي زروال، د.نورالدين شارف، قصدنا قسنطينة ثم عنابة، وقد كتبنا عن هذا قبل أيام، ونبيتنا عند الأخ يوسف شوشان، ما لم نكتبه هي محطات أخرى في أربع ولايات ، وجهتنا الاولى كانت الطارف ففيها بعض الاحباب الذين كانت لي معهم صحبة ورفقة، وعلى رأسهم الحبيب والصديق الشيخ عبدالكريم مناعي صاحب الأفضال على الكثير من شباب الطارف وشباب الشرق الجزائري من خلال الدورات التربوية واللقاءات الفكرية والروحية والجلسات التنظيمية، كان عضوا معنا في مجلس جهة الشرق الجزائري، الذي كان يضم 15 ولاية في وقت العمل السري زمان الحزب الواحد، خرجنا بعد صلاة فجر الجمعة من عنابة، حاولنا الاتصال بالآخ محمد لخضر جنان رئيس المكتب الولائي للطارف ولكن دون جدوى، وصلنا إلى مدينة العش بالطارف على السابعة والنصف، كنا قد ضربنا مع الاخ عبدالكريم موعدا، أمام مسجد المدينة كان واقفا ينتظرنا، بقامته الفارهة وبسمته التي لا تفارق مُحَيَّاه مذ عرفته، قد غزا الشيب شعر رأسه ولحيته فزاده بهاء ووقارا، نزلنا من السيارة فاستقبلنا بذراعيه الممدودتين وكلماته الهادئة المليئة شوقا وحنانا وبالكاد تسمعها، فالرجل حَيِيٌّ زاهد متواضع، تبادل السلام بابتسامات واغروراق العيون بدمعات فرحة اللقاء، بين المسجد وبيته بضع أمتار، نفس البيت الذي كانت لنا فيه، قبل ثلاث عقود، تراتيل وترانيم، وفي فنائه سمرات وسهرات نتدارس فيها القرآن والسيرة ونفكر وندبر لمستقبل الاسلام في هذا البلد الذي كادت الشيوعية والفرنكوفونية تزيل معالمه، بل كادت تفعل فيه ما عجزت عنه فرنسا الحاقدة، ولكن ، هو الحق قد حشد أجناده فكانت بدايات إعادة الانطلاق من مثل هذا البيت البسيط الهاديء الذي آوانا أمثاله في ربوع الوطن العزيز، فكان هذا الخير الذي يرفل فيه شباب الجزائر، من مساجد ودور حضانة وجمعيات خيرية ومخيمات ودورات تدريبية.
دخلنا البيت وجلسنا متقابلين وقد هيّأ لنا فطور الصباح، فطير( كسرة) ساخن قد طبخته إحدى زوجاته، عسل، زبدة، حليب، قهوة، بعض الفواكه، عصير، قربه إلينا، فتذكرت عمل سيدنا إبراهيم مع ضيوفه، ولكن أيدينا مُدَّت إليه، ولمعرفتي به أنه كان يسعد بزوال التَّكلُّف، بادرت إلى خدمة الإخوان، وبدأنا نأكل ونشرب ونتبادل الحديث، عن الجزائر والاسلام، عن الماضي، عن المستقبل، عن الحاضر، عن الاخوان، عن الذين فارقونا إلى رحمة الله، عن الخير الذي نحن فيه، عن الدَّخن الذي شاب هذا الخير، سألناه عن إخوة الطارف فطمأننا عنهم ولكنه أخبرنا بأنه سمع بأن السراق قد سطوا على بيت الاستاذ م. لخ. ج.، وهو واحد من خيرة الاخوان الذين عرفناهم في الطارف، وأنهم أخذوا كل شيء، قال لنا: لم ألتقه ولكن حسب علمي حالته ليست جيدة والناس تثق فيه وعنده ودائعهم وآماناتهم.
أثناء حديثنا جاءتنا مكالمة من الاخ م. لخ.، أخبرناه بأننا في العش وبأننا سنمر لرؤيته، دلنا على بيته، وطلبنا منه أن ينتظرنا أمام البيت، وَدّعنا الشيخ عبدالكريم بعد أن سلمنا على أبنائه الصغار من الزوجة الثانية، فله زوجتان من خيرة النساء، وانطلقنا لملاقاة الاستاذ م. لخ. ومواساته، نعرف حاله وأحواله، فهو قليل ذات اليد ...، طيلة الطريق ونحن نتساءل ماذا أخذ السراق وكيف نعينه، وصلنا الحي الذي يقيم فيه، كان ينتظرنا على قارعة الطريق، نزلنا من السيارة، وفكري مشغول بما حدث له، استقبلنا كعادته بصوته الجَهْوَرِي وابتسامته العريضة، سألناه عن أحواله وأهله والاخوان والاوضاع، لم استطع أن أبادره بالسؤال عن موضوع السرقة، فسارع الآخ يوسف بذلك فبعد أن حمد الله له على سلامته وسلامة أولاده وأهله وأن السرقة حدثت ولم تخلف أشياء أكبر، فالسارق قد يرتكب حماقات أخرى إن وجد في البيت ... أحد بعد أن أنهى الاستاذ يوسف كلامه، شرح لنا الاستاذ م.لخ. كيف تمت عملية الدخول للبيت في واضحة النهار، على الساعة الواحدة، حيث كان الابناء في المدرسة والزوجة ذهبت لتمريض أمها المريضة مثل عادتها كل يوم، وهو خرج لتقديم المعونة لأحد الجيران الذي كان في حاجة ماسة لها.
كنت استمع إليه شارد الذهن متدبرا في كيفية تقديم المعونة له، في هذه الاثناء قال : دخل السارق أو السراق من هنا واستطاعوا دخول البيت ولكن سبحان الله لقد قلبوا كل شيء ورغم أن الاشياء الثمينة وبعض الأمانات كانت في متناولهم إلا أننا وجدناها دون أن يضيع منها شيء كأنها اختفت منهم أو عميت عيونهم عنها ...
استفقت من شرودي وخررت ساجدا حامدا الله وشاكرا له.
قلت له : والله أكيد بينك وبين الله شيء.
قال : لا شيء الامور عادية.
استحلفته بالله أن يخبرني بالسر الذي بينه وبين الله وماذا يفعل يوميا أو كل أسبوع.
تحت الالحاح قال لقيمتك عندي سأخبرك بأمرين: الاول أبي مجاهد كان يخرج إلى تونس ويرجع إلى الجزائر أثناء الثورة، وفي إحدى المرات تزوج تونسية وهي أمي، وبقي ينشط للثورة بين تونس والجزائر، بعد الاستقلال تركت أمي كل شيء وجاءت معه إلى هنا، وهي تسكن غير بعيدة عني وكل يوم أزورها لأُقَبِّل رجليها.
تذكرت أمي رحمها الله وحبست دمعة كادت تفضحني، قلت : والثاني؟
قال : زوجتي متفرغة لأمها المريضة ولتربية أبناء الحي والجميع هنا كبارا وصغارا ينادونها ( أمي ).
قلت : هاذان كانا لكما حصنا في الدنيا وسبكونان لكما كذلك في الاخرة.
جذبني أحد المرافقين، وقال لي : تعرف حال ابنتي فهي لم ترزق الاولاد منذ زواجها وكذلك أخي فرجاء قل له يدعو لهما لعل الله يفرج.
دخلنا البيت حيث كانت زوجته قد أعَدَّت بعض الاكراميات، طلبت منه ما أراده الاستاذ المرافق، وافترقنا ونحن نردد : هل بعد هذا نفترق ... لا لا لن نفترق.
وجهتنا عنابة، لزيارة السيد والي عنابة الجديد، فهو رجل فاضل ترجع معرفتي به إلى أكثر من عشرين سنة، نظيف اليد، متين الخلق، متقن العمل، كان في استقبالنا عند مدخل الاقامة ببسمته وكلماته الطيبة، تكلمنا في مواضيع شتى تخص ولاية عنابة، عن التنمية المحلية، عن المدارس، عن الاضاءة العمومية، عن البيئة والنظافة، ثم أخبرهم عن طبيعة العلاقة بيننا وعن قصة حدثت له مع بعض المسؤولين وكيف عالجناها، ربما سأعود إليها في منشور سابق، ودعنا السيد الوالي متجهين إلى البيت للاستراحة قليلا ثم استكمال طريقنا، غير أن مكالمة جاءتني من صديق قديم علِم أنني في عنابة فحددنا موعدا في مكان عام على الطريق المؤدي الى سكيكدة، إلتقينا الساعة العاشرة والنصف، قمت بواجب التعارف بينه وبين مرافقيَّ، إنه الاستاذ محمد فرج الله، كان طالبا عندنا في جامعة سطيف بداية التسعينات، كان رئيسا للاتحاد العام الطلابي الحر فرع سطيف، كانت جلسة طيبة، تذكرنا ما حدث له مع شقيقي عبدالحليم، حيث تم اعتقالهما وقد مَرَّا بمحنة كبيرة دفعته بعد ذلك الى مغادرة التراب الوطني، وبمجهوداته الشخصية أصبح رجل أعمال ناجح وها هو في زيارة الى الجزائر ليقيم مشروعا استثماريا في مدينة الحجار، فَرُب ضارة نافعة، عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، أخبرنا عن مشاريعه وجولاته وأبنائه، استفسر عن أوضاع البلاد وعن الاخوان، ثم افترقنا على أمل اللقاء قريبا.
بقي أمامنا محطة أخرى في سكيكدة لحضور جنازة والدة الشيخ عبدالله جاب الله، في الكريق كان كلامنا عن الشيخ عبدالكريم، والاستاذ م.لخ.ج.، والاستاذ محمد،
طلب مني الدكتور زروال تعليقا عما رأيناه من حالتهما فقلت له ألخص كل هذا في جملة بالجزائرية الدارجة : ( اللي عندو ما عندوش، واللي ما عندوش عندو )، قال معلقا عن الاستاذ م. لخ. : نحن اليوم كنا في حضرة الخَضِرْ رضي الله عنه.
وصلنا المسجد حيث تكون صلاة الجنازة، علمنا أن الشيخ عبدالله في المقصورة، وجدنا معه ثلة من قدامى الاخوان، استقبلنا بحفاوة،قدمنا له واجب العزاء، قلت له في جملة مقتضبة : رحمها الله وأسكنها فسيح جنانه هذا قضاء الله وقد كتب الفناء على كل خلقه ( كل من عليها فان ).
قال الشيخ جاب الله : لما نزلت هذه الآية فرح الملائكة وظنوا أن الفناء مكتوب على من هم على الارض، فأنزل الله قوله : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) وعندئذ تأكدت الملائكة أنها ستموت.
كانت لفتة لطيفة من الشيخ عبدالله جاب الله.
صلينا الجمعة كان الدرس عن فيروس الكورونا والخطبتان عن ذكر الله من طرف أحد الأئمة الشباب، ثم صلى الشيخ عبدالله الجنازة على والدته وامرأة أخرى انتقلنا بعد ذلك إلى المقبرة، وفي الطريق جاءنا خبر وفاة والد الاستاذ عبدالناصر قدادرة، قررنا الذهاب إليه حيث مكان الجنازة في بيت والده الكائن بمدينة تاجنانت بولاية ميلة، قدمنا واجب العزاء له ولإخوته وأعمامه، ثم أكملنا الطريق إلى سطيف. أوصلت كل واحد إلى بيته، ثم جلست في خلوتي أتدبر كلام القدامى( في الحركة بركة) كيف يسر له كل تلك الامور في يومين، وتذكرت أنني على موعدين غدا السبت، الاول صباحا في سطيف مع الاستاذ نورالدين روابحي رئيس المكتب الولائي لجمعية الارشاد والاصلاح ونائب رئيس بلدية سطيف، والثاني عند منتصف النهار في المقر الوطني لحركة مجتمع السلم للمشاركة في الندوة الموسومة ( الاصلاحات السياسية والتعديل الدستوري )، بعد صلاة المغرب والعشاء استرحت إلى فجر السبت ثم ذهبت مع الدكتور شارف إلى موعد الاستاذ روابحي، قمنا بجولة في الروضة الموجودة في حي الهضاب، ثم انتقلنا الى المقر الولائي للجمعية وكلتهما تبرع بهما احد المحسنين، تمحور لقاؤنا حول مقترحات عملية لتطوير أداء الجمعية، قدم لنا الاستاذ نور الدين نظر شاملة تن أداؤات الجمعية وعن القوافق التي خرجت من سطيف، كان عرضا مميزا من رجل يتقن عمله ويحسن توظيف علاقاتهوخبير بمداخل الولاية ومخارجها، خدوم لدينه ولوطنه الجزائر ...
بعد ذلك كانت العودة الى العاصمة لحضور الندوة... طويت صفحة، وفتحت أخرى ... نسأل الله القبول.
د. عبدالقادر سماري