يوم أمس الأحد لم يكن مثل غيره من الأيام ...
يوم أمس الأحد لم يكن مثل غيره من الأيام ...
بعد أن وَصَلنا خبر وفاة عمي السعيد آيت سي علي رحمه الله. وبعد الاتصال بعائلته، علمنا أن الجنازة والدفن سيكونان في مقبرة المسلمين بمدينة نيوكاسل في بريطانيا، لأسباب شرعية وأخرى تتعلق بظروف العائلة، خاصة وأن الأصل هو المبادرة إلى دفن الميت في المكان الذي توفي فيه، وعدم تأخير دفنه دون حاجة، إكراما للميت كما جاء في الأثر ...
فما كان لنا أن نتأخر عن هذه الجنازة، وفاءً لرجل كانت لنا معه علاقة ومحبة، ولما تربطنا به من علاقات ومواقف لا تُنسى.
بحثنا عن أفضل طريق للوصول إلى نيوكاسل، فكانت الرحلة من الجزائر العاصمة إلى مانشستر ...
وانطلقنا صبيحة أمس الأحد من الجزائر عبر الخطوط الجوية الجزائرية، وكان في استقبالنا الأخ الفاضل الأستاذ الدكتور ( هشام باركي ) حفظه الله، الذي رافقنا إلى نيوكاسل في سيارته ..
وهناك، في مسجد التوحيد، المسجد المركزي بمدينة نيوكاسل، اجتمع جمع غفير من المسلمين بعد صلاة المغرب، وكانت جلسة عزاء حضرها عدد كبير من المسلمين من بريطانيا .
كان المشهد معبّرًا عن الأخوة الإيمانية، وعن حقيقة هذا الدين في مثل هذه اللحظات الصعبة؛ فأسرة عمي السعيد فقدت واحدًا من رجالها، فجاء أهله من مناطق مختلفة، وجاء أحباؤه والمعزّون من أماكن شتى، لأداء واجب من واجبات المسلمين، وتحقيق حق من حقوقهم على بعضهم البعض.
وتداول على الكلمة عدد من الحاضرين، وكانت الكلمات تدور حول ثلاثة معانٍ أساسية:
أولها: ذكر محاسن عمي السعيد، مصداقًا للأثر: «اذكروا محاسن موتاكم»، فكانت كلمات صادقة ومعبرة عن حياته، ومسيرته، وأخلاقه، ووفائه، وما تركه من أثر طيب فيمن عرفوه.
وثانيها: العبر والعظات التي يستفيد منها المؤمن من مثل هذه اللحظات، فكفى بالموت واعظا، وحقيقة الحياة والموت تفرض نفسها على الإنسان مهما حاول أن يتجاوزها؛ قال تعالى:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ).
وكان الحديث أيضًا عن الأثر الذي يتركه الإنسان بعد وفاته، مصداقًا لقول رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث...»؛ فالفوز الحقيقي ليس فيما نجمعه في هذه الدنيا، وإنما فيما ندخره لذلك اليوم العصيب، يوم يرجع الناس إلى رب العالمين.
وثالثها: الحديث عن الإسلام والمسلمين في بريطانيا. وكيف أنه قبل سنوات لم تكن هناك مقابر خاصة بالمسلمين في كثير من المناطق، بل كان بعض المسلمين لا يعرفون حتى كيف تُغسّل موتاهم وذلك بشهادة الحضور الذي واكبوا التواجد الاسلامي ، والحمد لله أن الوضع اليوم أصبح أفضل بكثير، وأصبح للمسلمين حضور ومؤسسات وخدمات تساعدهم على أداء واجباتهم الدينية ... كم هو عظيم هذا الدين ...
كان اللقاء للتعزية، لكنه جمع مع التعزية كثيرًا من المعاني والدروس؛ حضره جمع كبير، وكان للجالية الجزائرية المقيمة في نيوكاسل وضواحيها حضور مميز، كما جاء بعضهم من لندن، بل ومن كندا، وقدمنا نحن من الجزائر، وفاءً لعمي السعيد ومشاركة لأهله في هذا المصاب.
كانت جلسة عزاء مؤثرة من مختلف الاعمار، اجتمعت فيها القلوب على الدعاء للفقيد ولجميع موتى المسلمين بالرحمة والمغفرة.
ومع اقتراب منتصف الليل، رُفعت الجلسة بالدعاء للميت وللأحياء، سائلين الله تعالى أن يرحم عمي السعيد آيت سي علي، وأن يكرم نزله، ويوسع مدخله، ويجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن يفرغ على أهله جميل الصبر والسلوان، وأن يجزي كل من حضر وواسى أهله خير الجزاء.
ورحم موتانا وموتى المسلمين جميعًا، وجمعنا وإياهم في مستقر رحمته ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري






