سانحة أمل وتباشير:
1 سلسلة · 1 من 4بشائر الأملسانحة أمل وتباشير:
حين أنظر إلى واقع الأمة الإسلامية اليوم، بما يعتريه من أزمات وصراعات وتحديات، وخاصة ما يحدث في فلسطين، أتفهم كيف يمكن أن يتسلل اليأس إلى بعض النفوس، وكيف يمكن أن يظن البعض أن الأمة تسير نحو مزيد من الضعف والتراجع.
لكنني أؤمن بأن قراءة الحاضر لا تكتمل إلا باستحضار الماضي، وأن الحكم على المستقبل لا ينبغي أن يكون أسيرًا لآلام اللحظة الراهنة.
أعود بذاكرتي نحو مئة سنة إلى الوراء، وأتأمل حال العالم الإسلامي آنذاك!
كانت معظم أقطاره خاضعة للاستعمار أو واقعة تحت نفوذه، وكانت شعوبه تعاني من التبعية والضعف، وكانت مقدراته تُنهب، وقراراته تُصنع في عواصم بعيدة عنه.
وكان الإسلام، في كثير من المجتمعات، قد أُبعد عن مجالات واسعة من الحياة العامة، وأُضعفت مؤسساته، وحُوربت كل مظاهره، وسُخّرت إمكانات كثيرة لتهميش دوره في توجيه المجتمع وصناعة الحياة.
ومع ذلك، لم يمت الإسلام، ولم ينطفئ نوره، ولم تستطع كل تلك المحن أن تقتلع جذوره من القلوب والنفوس والعقول.
ثم أنظر إلى عالم اليوم، فأجد مشهدًا يستحق التأمل والتفاؤل!
لقد تحررت معظم الاقطار الإسلامية من الاستعمار المباشر، واستعادت دولها استقلالها ولو الشكلي، وعادت مظاهر الإسلام إلى الظهور في مجتمعات كثيرة، واتسع حضوره في مجالات متعددة.
والأكثر دلالة بالنسبة إليّ أن الإسلام أصبح حاضرًا في بلدان كانت يومًا ما منطلقًا للاستعمار الذي خضعت له بلاد المسلمين؛ فها هو المشهد ينقلب، الإسلام في كل شبر من تلك البلدان، المساجد تُبنى، والمراكز الإسلامية تُنشأ، والقرآن يُتلى، وأجيال جديدة تتعرف إلى الإسلام وتعتنقه، وأسر ومجتمعات تكتشف في قيمه ما تبحث عنه من معنى وطمأنينة وأخلاق.
وحين أتأمل هذا المشهد، أجد أن الإسلام قد تجاوز الحدود والجغرافيا، ووصل إلى مجتمعات لم تصل إليها جيوش المسلمين، ولا حملات الفتوحات، وإنما وصل إليها عبر الدعوة والحوار، وحسن المعاملة، وأخلاق التجار، وسلوك الأفراد، وجهود الدعاة والمربين، وبحث الإنسان عن الحقيقة.
وهنا أجد نفسي أمام حقيقة تستحق أن تُستحضر دائمًا: قد تتراجع قوة المسلمين في مرحلة من التاريخ، لكن ذلك لا يعني تراجع قدرة الإسلام على الوصول إلى القلوب والعقول.
ولست ممن يعتقدون أن كل شيء أصبح على ما يرام، أو أن التحديات قد انتهت، أو أن المسلمين قد بلغوا المكانة التي يستحقونها؛ فما زالت أمتنا تعاني من أزمات عميقة، وما زالت أمامها مسافات طويلة، لكن النظرة العلمية تقتضي ألا ننظر إلى الجراح وحدها، ونغفل عن مواطن التعافي، وألا نحصي مواطن الضعف، ونتجاهل بذور القوة والنهوض مهما كانت صغيرة.
علينا ان نرفض اليأس، لا لأننا لا نرى الواقع، بل لأننا نراه في امتداده التاريخي، وندرك أن اللحظة الصعبة ليست نهاية الحكاية.
لقد مرت على المسلمين عقود وقرون من المحن، كانت فيها أحوالهم في جوانب كثيرة أشد قسوة مما نراه اليوم، ومع ذلك بقي الإسلام، وبقي القرآن، وبقيت شعلة الإيمان متقدة في القلوب، وظلت الأجيال تتوارث هذا الدين، وتحمله من جيل إلى جيل.
ومن هنا، علينا ان لا نسمح للأخبار المؤلمة أن تحجب عنا بشائر الأمل، ولا للمشاهد القاسية أن تقنعنا بأن المستقبل قد أُغلق، ولا نخلط بين تعثر المسلمين وبين عجز الإسلام عن صناعة الإنسان وبناء الحضارة.
علينا أن نؤمن بأن الإسلام لا يُقاس بأخطاء بعض المنتسبين إليه، وتراجع العاملين له، ولا تُختزل عظمته في واقع المسلمين حين يبتعدون عن مبادئه، وإنما تُفهم رسالته من خلال ما يحمله من هداية وقيم ومبادئ، وما يستطيع أتباعه أن يقدموه للإنسانية حين يحسنون فهمه والالتزام به وتجسيده في واقعهم.
ويزداد الأمل حين نستحضر قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
فالرحمة التي جاء بها الإسلام لا ينبغي أن تبقى مجرد شعار نردده، بل يجب أن يراها العالم في صدقنا، وأمانتنا، وعدلنا، وإتقاننا، ورحمتنا بالضعفاء، واحترامنا للإنسان، وإسهامنا في العلم والمعرفة، وصناعة الحضارة، وخدمة البشرية.
ولذلك، لا يكفينا أن نفتخر بتاريخ أمتنا، بل نطمح إلى أن نكون جزءًا من صناعة تاريخ جديد.
ولا يكفينا أن نتغنى بأمجادها، بل أن نشارك في استعادة أسباب المجد بالعلم والعمل والأخلاق والإخلاص.
إن المستقبل لا يُصنع بالانتظار، ولا بالتشاؤم، ولا بالاكتفاء بتعداد المآسي، وإنما يُبنى بالإيمان والعمل والصبر والأخذ بالأسباب ...
وحين أتأمل ما يجري حولي، أستحضر أن بعض أعظم التحولات في التاريخ بدأت صغيرة، وبعيدة عن الأضواء؛ في قلب شاب يتعلم، وعقل عالم يبحث، ويد عامل تتقن، وأم تحسن التربية، وإنسان يختار الحق والعدل والخير.
قد لا نرى اليوم كل ثمار الجهود الصادقة، لكنني أؤمن بأن العمل المخلص لا يضيع، وأن كل خطوة في طريق الإصلاح يمكن أن تكون لبنة في بناء مستقبل أفضل.
علينا أن نتمسك بالأمل، ونرفض الاستسلام لليأس، ونؤمن بأن طريق النهوض، مهما طال، ليس مستحيلًا.
فربما كانت بعض بشائر المستقبل تنمو اليوم في صمت، وربما كانت الأجيال القادمة أقرب إلى تحقيق ما عجزت عنه أجيال سابقة، إذا أحسنت فهم دينها، وأخذت بأسباب العلم والقوة، وتجاوزت خلافاتها، وجعلت مصلحة الأمة والإنسانية فوق المصالح الضيقة.
علينا أن نكون ممن يصنعون الأمل، لا ممن يدفنونه؛ وممن يضيئون الشموع، لا ممن يكتفون بلعن الظلام.
وما دام في الأمة إيمان يتجدد، وعقل يفكر، وعلم يُنتج، وإرادة تعمل، فليس من الإنصاف أن يُغلق باب الأمل في وجه المستقبل ... خلاصة كلامي هذا : الخير قادم فطوبى لمن كان له فيه سهم ولو بالدعاء والكلمة الطيبة... والله من وراء القصد
د. عبدالقادر سماري