الدكتورعبد القادر سماري

ست (6)دروس من وفاة الاستاذ مصطفى بن زايد رحمه الله( بعض الدروس قاسية ولكنني حاولت أن ألطفها ) وأبدأ بلمحة مختصرة عن حياته :

ست (6)دروس من وفاة الاستاذ مصطفى بن زايد رحمه الله( بعض الدروس قاسية ولكنني حاولت أن ألطفها ) وأبدأ بلمحة مختصرة عن حياته :
الاستاذ مصطفى بن زايد رحمه من مواليد 1960 ب القصر مروانة ( باتنة ) استقر في بني عزيز ( سطيف )، من خريجي معهد الشبه طبي بسطيف، تقني سامي تخصص أشعة، تزوج من بني عزيز بسيدة فاضلة من كبرى عائلات المنطقة ( بورماد ) وهي واحدة من بنات الصحوة في بداياتها، كان له دور كبير في تأسيس العمل الاسلامي، أثناء السرية،بولاية سطيف عموما وبلدية بني عزيز خصوصا، وذلك بداية الثمانينات، كانت معرفتي به في تلك المرحلة وخاصة لقاءاتنا أثناء معرض الاسلامي السنوي بجامعة سطيف، ولعل أهم محطة لنا ذاك اللقاء الذي جمعنا في بيت أخينا موسى بوجليدة في ليلة شتوية من سنة 1986 حضر جمع طيب من شباب بني عزيز ( كلهم الآن كهول وبعضهم شيوخ ) وضعنا في تلك الليلة برامج عمل واتفقنا على صيغ المتابعة والتربية والتكوين ، ثم توسع نشاطه الدعوي في ربوع الوطن،بعد الانفتاح ودستور 1989 ومع تأسيس جمعية الارشاد، ثم حركة المجتمع الاسلامي، حيث إلتحق بالعمل العلني، وكانت له مساهمات فاعلة، لا يعرف الكلل ولا الملل، لا يعاف أي عمل يسند إليه، بل يؤديه بإتقان وتفانٍ، فهو عنوان حقيقي للمناضل، علاقاته مع قيادات العمل الاسلامي عموما، وقيادات حركة مجتمع السلم خصوصا جد مميزة، وخاصة مع الشيخ محفوظ نحناح والشيخ محمد بوسليماني رحمهما الله، رافقهما في كثير من المحطات، ثم من جاء بعدهما، أثناء أزمة التسعينات التي ضربت الجزائر لم يتوقف عن العمل والدعوة والتنقل والتواصل، شارك في كل المحطات الانتخابية والدعوية دون أن يطلب أو يتقدم لأي مسؤولية، بعد وفاة الشيخ محفوظ بقي ثابتا على المنهج ولم يتزحزح وكان رئيسا للمكتب البلدي لحركة مجتمع السلم ، ثم شارك في تأسيس ( منتدى الوسطية والاعتدال ) مع الشيخ بوجرة سلطاني، وكان بصدق معتدلا ومتوسطا في كل أحواله، لم أعرف عنه أنه ذكر أحدا بسوء أو انتقص من أحد، من الحركة أو خارجها، كان خدوما حركيا، كان صابرا على بعض ممارسات شباب الحركة وسلوكاتهم، بل كان يبحث لهم عن أعذار، على طريقة ابن القيم في مدارجه للشيخ الهروي في منازله وغيره كان كحامد الفقي في تحقيقه رحمهم الله، وما يميزه أكثر هي ابتسامته الدائمة وفي كل الاحوال، لما كلمت هذا الصباح زوجته ( ابنتنا الصابرة المحتسبة) قلت لها : حاولي أن لا تتذكري منه إلا تلك الابتسامة العريضة التي كانت تملأ وجهه البشوش وروح الأمل التي لا تفارقه، قالت : الحمد لله هذا الذي أنا عليه، ثم قالت : قبل أيام وقبل مرضه طلب مني السماح وقال لي: لعل ساعتنا اقتربت، وكان مبتسما ضاحكا.
هذه بعض سيرته رحمه الله، ولكن ما هي الدروس من هذا الحدث:
1- الدرس الاول : بعض إخواني قال لي بعد سماع خبر وفاته: والله كنت أنوي أن أكلمه ولكن سبقني الأجل، وبعضهم قال لي : لقد راسلته على الواتس والمسنجر وكنت أنتظر خروجه لأكلمه، أكيد كلهم صادقون، فأقول: لا تؤجلوا فعل الخير وخاصة الاطمئنان على إخوانكم والتواصل معهم وخاصة في محنهم .
2- قرأت لبعض إخواني كلاما جيدا عن سبق أخينا مصطفى ونضاله وعطاءاته، وهم مشكورون على هذه الشهادة، ولكن كان يمكن أن يكون ذلك في حياته بالتواصل معه ودعوته واستشارته، ويمكن استدراك ذلك بأن يقوم الاخوة في كل ولاية وبلدية بإحصاء السابقين ،وهم قليل، والتواصل معهم واستشارتهم، ويمكن للشباب أن يستفيدوا من تجاربهم.
3- بعد وفاته، وخلال يومين، تواصل معي الكثير ممن كان له بالاستاذ مصطفى علاقة ومعرفة، معظمهم من سطيف، العلمة، بني عزيز، فازددت يقينا بما كنت أعرف، بمكانة الرجل وقيمته، التي كان بالامكان الاستفادة منها خدمة للدين والوطن، ومرة أخرى أقول : لن تتوقف الحياة بموت أخينا مصطفى رحمه الله، ويمكن التدارك مع من بقي من أمثاله، في مختلف ربوع الوطن، بل وفي العالم العربي والاسلامي.
4- من الاوائل الذين كلموني في مصاب أخينا مصطفى، عمي (بوزيد شيبوط) أحد أعيان بني عزيز ووجهائها، وقد كانت لنا معه لقاءات مع (الشيخ محفوظ)، في عهد السرية وما بعدها، أخبرني عن الوفاة ثم قال لي : بأن عندنا في العائلة امرأة أخرى في بني عزيز توفيت بالكورونا، ترحمنا عليها، واليوم لما ذكرتها لأخي (أحمد بورماد) أخبرني بأنها أم زوجة أخينا (علي بورماد)، اتصلت بالاخ (علي) لأعزيه في أخينا مصطفى ( فهو زوج أخته) وأعزيه في أم زوجته ولأسأله عن الاحوال، فأخبرني أنه في العاصمة مع زوجته وأنهما لم يذهبا للجنازة لأن كل العائلة في الحجر، فاسترجعنا الله وحمدناه، إذ لا يحمد على مكروه سواه، والدرس من هذا أقوله لنا جميعا : بعد فوات الكورونا، وإن شاء الله ستزول، تواصلوا مع أهليكم وأحبابكم، اعلنوا لهم حبكم من الآن، ايتوصوا ببعضكم البعض خيرا، فإننا لا ندري ماذا يخبيء لنا القدر، فيا فوز المبادرين للخير وخاصة مع الاهل، فقد يحال بينك وبين أهلك ... ربي يلطف.
5- لما اتصلت بأخي ( أحمد ) قال لي بأن هناك نقص كبير في ( الكمامات ووسائل التعقيم ) فوعدته خيرا واتصلت بالاستاذ ( جغلول صالح ) في قصر الابطال من أجل ذلك، لأنهم أقاموا ورشة لخياطة الكمامات وقد زودوا البليدة بكمية معتبرة، لما سألته عن الاحوال أخبرني أن هناك امرأة في عين ولمان توفيت بالكورونا في المستشفى، كانوا يعاملونها كمريضة عادية ولم يكتشفوا ذلك الا بعد وفاتها والان هناك متابعة لكل من كان له بها علاقة مباشرة وهناك خوف كبير، والدَّرْسين من هذا الحدث : فالاول على الدولة وخاصة مصالح الصحة أن يتعاملوا مع كل مريض بزكام أو مشاكل صحية صدرية بحذر وبأنه حالة مشبوهة وقاية للجميع، وقبل فوات الاوان، والثاني على الدولة أن توفر وبسرعة كل الوسائل الضرورية للممرضين والاطباء.
6- متابعتي للاوضاع في العلمة وسطيف وبني عزيز جعلني أتصور أن الاسبوعين القادمين سيظهرون أعدادا أكبر من حاملي الفيروس ( لا قدر الله ) وذلك أنه ليس هناك وعي كاف لدى الشعب وليس هناك توعية كبيرة، مما يجعلنا جميعا في معنيين بالامر ولذلك وجب أن يكون هناك عمل أكبر وقرارات أكثر صرامة بحفاظا على الارواح.
وأخيرا فإن صاحب هذه الكلمات( عبدالقادر جمال سماري ولد سي عمار الطالب بن الحاج الضيف ) يتضرع إلى الله ليرفع عن عباده هذا الوباء وأن لا يؤاخذنا بذنوبنا ويهدنا سبل السلام ويجعى لنة مز أمرنا رشدا، وإنني مسامح كل عرفته، وأطلب السماح من كل من كانت لي به صلة، أو آذيته بكلمة أو إشارة أو سلوك ... ولن يكون إلا ما قدّره الله لنا، فعلينا بالاسباب، دون تهويل كي لا يموت الناس بالخوف والهلع، ولا تهوين حتى لا يتهاون الناس في إتخاذ الحيطة والحذر ... ذلك أنه سبحانه هو رب الاسباب.
د عبدالقادر سماري