الدكتورعبد القادر سماري

سأرجع في الأيام القادمة إلى مسودة التعديل الدستوري ولكن اسمحوا لي أن أعيش معكم ذكرى يومين، فَهُمَا يومان من أيام الله، يجب أن يبقيا راسخان في الذاكرة البشرية إلى يوم الدين :

سأرجع في الأيام القادمة إلى مسودة التعديل الدستوري ولكن اسمحوا لي أن أعيش معكم ذكرى يومين، فَهُمَا يومان من أيام الله، يجب أن يبقيا راسخان في الذاكرة البشرية إلى يوم الدين :
- اليوم الاول :8 ماي 1945 : حيث شهدت البشرية أطول ثلاث ساعات في تاريخها، حين ارتكبت فرنسا أشنع جريمة في حق البشرية فأبادت خلال ( 3 ساعات ) 45000 جزائري بكل برودة دم، محاولة القضاء على حلم راود مجموعة من الناس ( الجزائريين ) العزل الذين أرادوا الفرح مع العالم لانتصاره على النازية مطالبين بحقهم المشروع في الحرية والانعتاق.
فحري بالانسانية كلها أن تتذكره رافضة ذاك السلوك الهمجي مطالبة فرنسا بالاعتذار وما يتبعه من إجراءات.
إن ذاك اليوم رغم ما يحمله من آلام، لا تزال، بل ولن تنمحي، من ذاكرة الشعب الجزائري، إلا أنه أذكى روح العزة والكرامة وبيّن الطريق الواجب سلوكه، وأذكى إرادة وعزم الجزائريين ليس لتحرير أنفسهم فقط بل لإيقاظ العالم من وهم الحضارة الاستعمارية.
إن 8 ماي هو تلك النقرة déclic التي مهدت لإزالة الظلم إلى غير رجعة ليس للجزائر فحسب بل للعالم المظلوم والمقهور أجمع.
- اليوم الثاني : 17 رمضان 2 هجري، حيث سارت جحافل الجاهلية في خُيَلائِها وتغطرسها، من أجل إبادة مجموعة بشرية كانت حاملة لواء عزة وكرامة البشرية. إن تلك الجحافل جاءت لطمس النور الذي جاء ليضيء حياة البشر ويخرجهم من غفلتهم التي كادت تميت إنسانيتهم، وبكل المقاييس البشرية فإن الفوز والانتصار كان سيكون من نصيب عتاة الظلم والاستبداد، ولكن لطف الله بالبشرية كلها وتدخله غيّر الكفة فانتصر الحق على الباطل والنور على الظلام.
إن ذاك اليوم ، هو اليوم الذي أُعيد بعده ترتيب القيم واستعادة بشرية البشر وإنسانية الانسان، وبغير ذلك اليوم هل كان ممكن أن نسمع بحواضر العلم والمعرفة مثل : بغداد ودمشق، وقرطبة، وغرناطة، وفاس، القاهرة، وبجاية الناصرية، وبخارى، وسمرقند، وهل كان يمكن ميلاد منارات العلم والابداع أمثال الرازي، وابن سيناء،وابن الهيثم، والمقريزي، وابن باطوطة، ابن رشد، والخوارزمي، وابن حبان، وابن خلدون وابداعاتهم في مختلف الفنون ...
فَحَرِيٌّ بالبشرية كلها أن تجعله يوم إنعتاقها من الجاهلية بجميع صورها يوم تحررها من وأد البنات، يوم تحررها من خرافات الاوثان البشرية والحجرية، يوم تحررها من الأنظمة المتسلطة باسم العرق واللون والجاه والمال والقوة والقهر .
إن يوم 17 رمضان ليس إنتصاراً لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وصحبه فقط بل هو إنتصار الإنسان على نفسه في منعطف خطير ...
حاولت أن أتقمص نفسية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبتهل إلى ربه بهذا الدعاء، هذا الرجاء، هذا التضرع، إشفاقا على البشرية ،خوفا أن تبقى غارقة في حمئها، في ظلامها، فازددت يقينا بقيمته التي لا تضاهيها قيمةَ مَلَكٍ مقرب ولا نبي مرسل إنه ( الرحمة المهداة للبشرية ) ... رجاءا اقرؤوا تضرعه هذا محاولين استشعار واستحضار حالته، بل حاولوا أن تقرؤوه وكأنكم أنتم الذين قلتموه في ذلك الموقف المهيب :
( اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد بعدها أبدا )
استذكر هاذين اليومين من أيام الله ( 8 ماي، 17 رمضان ) آملا أن يكونا لنا وللمسلمين بل وللبشرية كلها مَعَالم خيرٍ نهتدي بها.
وفي هذه اللحظات ها نحن نستقبل أشعة شمس اليوم السابع عشر من رمضان، وعيوننا تدمع وقلوبنا تحزن وأفئدتنا ترتجف لقرب وداع هذا الشهر الفضيل الذي ذهب أكثر من نصفه وذهب معه بعض عمرنا ...
لطفك يا لطيف ...
ملاحظة : أتدرون إثنان من أهل بيتي ( أختي ) و(حفيدتي) مولودتان يوم 8 ماي، كأن القدر يقول: لي لا تنسى فإن الأمل يأتي بعد المعاناة، معاناة 8 ماي جاء بعدها نوفمبر، والمخاض السابق لولادتهما جاءا بعده، فكيف لي أن أنسى مخاض أمي التي كادت تموت لما وضعت أختي، أو أنسى مخاض معاناة أمتي حين أرادت أن تتحرر.
د. عبدالقادر سماري