الدكتورعبد القادر سماري

1 - نزولا عند رغبة بعض الأصدقاء، سأخصص منشوراتي خلال الايام القادمة للكلام عن الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، الذي ستحل ذكرى وفاته الجمعة القادم، ستكون هذه المنشورات تحت عنوان :

1 سلسلة · 3 من 4الشيخ محفوظ نحناح، رحمه الله، كما عرفته: الإنسان، الداعية، والسياسي

1 - نزولا عند رغبة بعض الأصدقاء، سأخصص منشوراتي خلال الايام القادمة للكلام عن الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، الذي ستحل ذكرى وفاته الجمعة القادم، ستكون هذه المنشورات تحت عنوان :
( الشيخ محفوظ نحناح، رحمه الله، كما عرفته: الإنسان، الداعية، والسياسي )
مسيرة 20 سنة، معا، هكذا كانت بدايتها :
ونحن أطفال في الابتدائي والمتوسط ثم شباب في الثانوي والجامعة، كنا مشحونين بأدبيات جمعية العلماء المسلمين، ونضالات الحركة الوطنية، وجهاد جيش وجبهة التحرير الوطني، النصوص الأدبية التي نقرؤها، الأغاني الشعبية التي نسمعها، الآيات القرآنية التي نحفظها، الشخصيات المرجعية التي نتمثلها، كلها كانت مرتبطة بالثنائية: ( الجزائر ضد فرنسا )، ( الإسلام ضد الكفر )، وكانت سنة 1973 سنة فارقة في تاريخ الجزائر الحديث، التي أثرت فينا نحن الذين ولدنا أثناء ثورة التحرير نسمع مآثرها ولم نعشها فكنا نتوق لها ، حين اندلعت الحرب بين العرب واليهود وبدأ تجنيد الشباب الجزائري للذهاب إلى المعركة الفاصلة في فلسطين، كنا نعرف بعض الشباب الذين شاركوا فيها وكنا نغبطهم أنهم ذاهبون إلى الخلود إلى البطولات، استعاد الشعب الجزائري ذاكرته البطولية التي لم تمر عليها سوى 10 سنوات فتجددت مشاعر الوطنية، ومشاعر الجهاد، ومشاعر الاستشهاد، ذهب جيشنا للمشاركة في معركة الشرف ورجع بعد أن تحقق النصر، واذكر أن من بين الذين ذهبوا الشاب ( كمال سول ... ) لما رجع استقبلناه استقبال الابطال كان رمزا !!!.
بعدها جاءت سنة 1975، فألهبت المشاعر من جديد وكرست ذلك العمق الشعبي في التمسك بعزة الجزائر، وكرامة الشعب الجزائري، كل مواطن غيور، الجميع :شيخ شاب، طفل بنت، رجل إمرأة ، كان يترقب المقابلة النهائية في كرة القدم لكأس ألعاب البحر الأبيض المتوسط، بين الجزائر وفرنسا، التي تعتبر مقابلة الشرف، كل شيء يجب توظيفه لرفع راية الحزائر، لقد عرفت المقابلة مدا وجزا في الأهداف، الجزائر خاسرة منذ نصف ساعة الأول، 0 -1، ثم 1- 1 ، ثم 1-2، ثم 2 - 2، وأخيرا وفي الوقت بدل الضائع تفوز الجزائر 3- 2 ، فرحة منقطعة النظير، الجزائر تنتصر مرة أخرى على فرنسا، سنغلبهم في كل المحافل، لا مجال أن يعزف النشيد الفرنسي في الجزائر، لقد خرج ولن يعود، سمعنا وقتها أن الرئيس الراحل هواري بومدين رحمه الله كان موجودا في الملعب ولما سجلت فرنسا الهدف غادر الملعب كي لا يقوم لتحية النشيد الوطني الفرنسي الذي سيعزف إن فازت فرنسا ( la marsaillaise ) ولكنه رجع لما عدّلت الجزائر النتيجة، لقد أعطاه ذلك الحدث زخما شعبيا منقطع النظير، بالإضافة إلى تلك الشحنات المتعلقة بتشييد المدارس ومجانية التعليم والقرى الفلاحية والمشاركات في الحروب ضد الكيان الصهيوني ( 1967 - 1973 ) ، غير أن بداية سنة 1976 أخلطت الأوراق وغيرت الكثير من الرؤى، خاصة عند الشباب، لقد تقدم الرئيس بومدين رحمه الله بمشروع الميثاق الوطني والدستور للمناقشة العامة، شهدت خلالها الجزائر نقاشات وحوارات منقطعة النظير، وجرأة كبيرة في طرح الأفكار والبدائل، كنا وقتها طلبة في ثانوية سعيد زروقي ببرج بوعريريح، نتابع عن كثب ذلك التحول الكبير في إهتمامات الشعب، لا كلام إلا عن الميثاق والدستور، في المقاهي، في الحفلات، في البيوت، في المدارس، في الشارع، في الملاعب، بين قابل ورافض، بين داعم ومخذل، بين مؤيد ومعارض، ولأول مرة نسمع أصواتا ضد توجه الرئيس بومدين، في تلك الأثناء سمعنا أنه قد تم اعتقال بعض الشباب الذين خرجوا ضد الميثاق وضد الاشتراكية، من بينهم شباب من قرية ( تاغروت ) خرجوا في مسيرة ضد الميثاق. الحصص الدراسية مع الاساتذة الاجانب من المشرق العربي أو من فرنسا لا نتكلم في الأمور السياسية، أما مع الاساتذة الجزائريين فكنا نتكلم باحتشام وكان يتضح لنا من خلال النقاش والطرح أن هذا مع الميثاق والآخر ضده ، ولكن دون إفصاح ، والحدث الأهم في محيطنا هو أن الاستاذ (عبد الحميد مغاغة أطال الله عمره) الذي كان وقتها أستاذا بالثانوية الجديدة بالبرج وقد أعلن صراحة أنه ضد الميثاق والدستور فأخذوه إلى السجن، وبدأت تصلنا الأخبار عن المجموعات التي كانت غير قابلة للميثاق الوطني بحجة أنه لم يكن متوافقا مع مباديء ثورة نوفمبر 54 ، وكان من بين الموقوفين عدد من شباب العاصمة لم نكن نعرف عنهم شيئا... مرت بعد ذلك أربع سنوات، حتى كانت السنة الجامعية ( 1980 - 1981 ) كنت وقتها طالبا في السنة الثالثة جامعي، كنت من بين المؤذنين في مصلى جامعة سطيف، كان هناك شحا في المراجع الدينية، وكنا نستغل الفرص لجلب الكتب والمراجع الدينية والمجلات لإقتنائها من أجل مكتبة المصلى، ونقبل عليها قراءة ودراسة وتحليلا ونقاشا وتوزيعا، إلى أن وصلنا في أحد الأيام عدد من مجلة ( الدعوة ) كنا نتداوله سرا فيما بيننا، فوجدنا في إحدى زوايا المجلة خبرا مفاده ( إطلاق سراح الداعية محفوظ نحناح من السجن وهو الداعية الجزائري الذي كان ضد الميثاق الوطني في عهد الراحل بومدين... ) فكانت هذه أول مرة اسمع بهذا الاسم، تركني هذا الخبر استحضر نقاشات الميثاق الوطني والدستور لسنة 1976، وعرفت أنه كان أحد ضحاياه، خلال السنة ( 81 - 82 ) التالية كان اسمه متداولا في كثير من لقاءات شباب الصحوة آنذاك ... بعدها وفي شهر سبتمبر 1982 تحصلت على منحة للدراسة بالخارج، ثم كانت أحداث الجامعة المركزية التي تابعنا تفاصيلها عن بعد، وفي بداية 1983 أسسنا في مدينة قرونوبل بفرنسا جمعية إسمها:
Association des musulmans de l'isere ( AMI )
وبدأنا بدعوة العلماء والدعاة ، فكلفني الإخوة بدعوة أحد الدعاة من الجزائر، لقد كان اسم الداعية الشيخ محفوظ نحناح راسخا في ذاكرتي، بدأت أبحث مع بعض الإخوة عن كيفية الاتصال به، تحصلنا على رقم هاتف
الشيخ محفوظ نحناح بالبليدة وأذكر أنه كان في رقمه ( 49 41 ...) فكان أول إتصال لي به من قرونوبل لدعوته لإلقاء محاضرة للجالية المسلمة، حددنا الموعد ليكون في شهر ماي 1983 غير أنه في الأخير اعتذر لأنه أصيب بكسر في ذراعه أو رجله، فأجلنا موعدنا إلى فرصة أخرى ... فلم نلتق وتأخر اللقاء إلى غاية04 - 04 - 1984 لنلتقي لأول مرة في مدينة بوردو ...
رحمه الله وألحقنا به على خير.
د. عبدالقادر سماري