2 - الشيخ محفوظ نحناح- رحمه الله - كما عرفته: الانسان، الداعية والسياسي:
2 سلسلة · 4 من 4الشيخ محفوظ نحناح، رحمه الله، كما عرفته: الإنسان، الداعية، والسياسي2 - الشيخ محفوظ نحناح- رحمه الله - كما عرفته: الانسان، الداعية والسياسي:
تم الاتفاق على عقد الملتقى الثاني للجالية الاسلامية بفرنسا في مدينة بوردو الواقعة غرب فرنسا الاسبوع الأول من شهر أفريل 1984 تحت عنوان ( خلقك الإسلامي في بلاد الغرب )، استأجرنا سيارتين، وانطلقنا من مدينة قرونوبل الواقعة شرق فرنسا بعد صلاة العصر من يوم 3 أفريل، كنا مجموعة من الطلبة الجزائريين أذكر من بينهم الاستاذ الدكتور محمد علي بوغازي الذي أصبح فيما بعد وزير البحث العلمي، الاستاذ الدكتور أحمد بكة وهو الآن أستاذ بجامعة وهران، الأستاذ الدكتور عبدالكريم كيراغل وهو الآن أستاذ في جامعة قرونوبل بفرنسا ...، قطعنا ما يقارب 800 كيلومتر مرورا بعدة مدن منها( فلانس، مانبولييه، تولوز ... ) توقفنا في عدة محطات للإستراحة والأكل والصلاة، كنا نصلي جماعة في فضاءات المحطات، والناس ينظرون إلينا بكل أدب واحترام، حدثت لنا أثناء الطريق الكثير من اللطائف والطرائف ليس هذا مجال ذكرها، وصلنا إلى مدينة بوردو صبيحة يوم 4 أفريل، بحثنا عن مسجد المدينة، بعد استفسارات وجدناه بسهولة، وكان تجاوب سكان المدينة معنا واحترامهم رائعين، بالمسجد استقبلنا شباب ، كلمات الترحيب من أفواههم، طلاقة الوجه على محياهم، وتعلوهم ابتسامات، دخلنا المسجد، أخذنا ركنا منه وضعنا فيه أمتعتنا، ثم خلدنا الى الراحة، قضينا ذلك اليوم بين المسجد وزيارات معالم المدينة، بدأ يتوافد المشاركون من مختلف مدن فرنسا، كل مجموعة تأخذ المكان المخصص لها بالمسجد للراحة والنوم وقضاء أيام الملتقى، القليلا جدا من الحضور من بهم الشيب، الكل شباب بين 20 والثلاثين ، أثناء إحدى جلسات التعارف كان معنا الشيخ فيصل مولوي رحمه الله، الذي سبق وأن تعرفت عليه قبل ذلك في عدة لقاءات بباريس ونيس وليون وقرونوبل، قال لي: تعالى أعرفك على أحد دعاة الجزائر، تبعته إلى سدة المسجد، كان المشاركون في السدة بين قائم يصلي وتالٍ لكتاب الله ونائمٍ ومستلقٍ وبعضهم في لقاءات ثنائية، قطعنا السدة ونحن نلقي السلام ونبادل الحضور التحية ، في نهايتها كان هناك رجل كهل جالس على مطرح، أمامه ورقات وكتب وفي يده قلم، قال لي الشيخ فيصل : هل تعرفه، قلت : لا .
اقتربنا منه ألقى الشيخ فيصل السلام، فقام صاحبنا رادا السلام وابتسامة عريضة ساحرة قد انطبعت على مُحَياه، في ثوانٍ حاولت أن استذكر هذا الوجه، ولكن دون جدوى، ثم تيقنت أنني لم ألقه من قبل، وعندي ثقة في ذاكرتي، ولكنه ليس غريب عني، قدمني إليه الشيخ فيصل قائلا: يا الشيخ هذا عبدالقادر طالب جزائري في مدينة قرونوبل، ثم إلتفت إلي وقال لي : أتركك مع الشيخ محفوظ نحناح، في أسرع من لمح البصر تذكرت مجلة الدعوة قبل ثلاث سنوات لجامعة يطيف، صورته والخبر الذي جاء فيها، ثم مكالماتي له قبل سنة ودعوته.
تَرَكنا الشيخ فيصل وانصرف، وَسّع لي الشيخ ودعاني للجلوس بجنبه، قابلته وأنا أتأمل إبتسامته التي لا تبرح شفتيه، حركاته المتناسقة، نظراته النافذة، قال : لقد دعوتموني السنة الماضية لمدينة قرونوبل، هل أنت الذي كلمتني؟ قلت : نعم ، قال: قدر الله وما شاء فعل، لكل أجل كتاب،
ثم قال : من وين في الجزائر
قلت : من سطيف
قال : زديف، (مع مد خفيف) هل تعرف جمال الدين لعمش؟
قلت : نعم لقد حضرت بعض حلقاته في مسجد العتيق.
طريقة كلامه، عفوية حركاته، أحسستني أنني أعرفه منذ وقت طويل، لا تكلف ولا حواجز...
استفسر عن مدينة قرونوبل والجزائريين بها والطلبة والمسافة من بوردو إليها، عَنَّ لي كأنه يريد أن يعرف كل شيء، أثناء إجاباتي كان يستمع بكل جوارحه وباهتمام بالغ، لا يقاطعك، ولا يظهر لك أنه يعرف أي شيء مما تقول.
ثم قال : هل تعلم أن المسلمين مروا من هنا وكانت لهم مدارس ومساجد في هذه المناطق.
أجبت: قرأت أنهم مروا على جنوب فرنسا وتوقفوا بين مدينتي تور و بواتييه.
قال : لقد وصلوا إلى مدينة بواتييه وهي تبعد من هنا ب 200 كيلو شمالا، ولم يبق لهم عن باريس سوى 300 كيلو ... ثم بدأ يتكلم عن عبدالرحمن الغافقي وعن شارل مارتل، وأن المسلمين رغم كثرة عددهم إنهزموا في معركة ( بلاط الشهداء ) وسبب ذلك أساسا هو اهتمامهم بالغنائم وتجميعها وأخذها معهم من مكان إلى آخر، ثم قال : (كأنهم لم يستفيدوا من غزوة أُحُد ...)وبيّن وجه الشبه ... كان يتكلم وكأنه يريد أن يقول كل ما عنده في دقائق معدودات، وكأن القضية قضيته وهو يتحسر إلى أن قال ( المسلمون حرموا أوروبا من أنوار النبوة بأنانيتهم وشهواتهم ... ).
كنت أتابع كلامه بشغف، ولكن كان في ذهني سؤال قد أثرناه منذ سنة ونصف، أي منذ أحداث الجامعة المركزية، نطرحه فيما بيننا ولا نجد له جوابا، فقلت في نفسي: ( لن أقوم من هذا المكان حتى أسأله، فربما لن تكون لي فرصة أخرى ) ولكن استطراده في الكلام لم يسمح لي بطرحه، اغتنمت توقفه لبضع الثواني وسألته: كيف هي أحوال الجزائر ؟
نظر في عيْنيَّ، نظرةً لا أزال أذكر نفاذها، ضغط على شفتيه، تنهد، ثم ابتسم قائلا : الجزائر فيها خير كثير ولكن فيه دخن، وبدأ يتكلم عن الجزائر، ثورتها، ثرواتها، رجالها، موقعها، الصحوة التي تشهدها، الفرص المتاحة أمامها، كأنه يقدم برنامج متكامل، ثم قال : ( لعل الجامعة الاسلامية في قسنطينة والعلماء الذين سيكونون بها والطلبة الذين يتخرجون منها يقومون بدور الارشاد والتوجيه وبناء الفرد الجزائري الصالح ... ) واستطرد في موضوع التوجيه والعناية بتكوين الفرد والأسرة والمجتمع للوصول إلى أستاذية العالم، إلى أن قال ( ولكن أمام أهل الخير في الجزائر مشوار طويل والاولويات ربما لم تتضح بعد ... وعدد كبير من الدعاة هم الآن في السجن ربي يفرج عنهم ) وهنا جاءتني فرصة لطرح السؤال الذي يراودني، كنت أتخير الكلمات التي تليق بالمقام، تجرّأت، قاومت خجلي وقلت له : ( يا الشيخ عندنا سؤال محيرنا هل ممكن تجيبني عنه؟ )
قال : تفضل، إذا أعرف أجيبك ؟
قلت : كلنا نتساءل، لماذا بعد أحداث الجامعة 82 كل الدعاة في السجن أو الإقامة الجبرية وأنت حر طليق ؟
كنت أتابع حركاته خفض رأسه مّطرقا، ثم حَرّكه من الاعلى إلى الأسفل، كنت أنتظر الجواب، وما هي أول كلمة سيقولها، رفع رأسه ، دنق* في جيدا ثم قال : (يعني بالنسبة ليكم أنا الغالط، لماذا لست في السجن، ولماذا لا تقولون : لماذا لم تمت في سبيل الله؟
الظاهر أنتم تعشقون السجون والعذاب، اسمع يا سي عبدالقادر حاول أن تكون حرا في سبيل الله، قبل أن تسجن في سبيل الله، وحاول أن تعيش في سبيل الله قبل أن تموت في سبيل الله، وإذا جاء السجن أو الموت فمرحبا بهما في أي وقت، ( ثم ضحك حتى سمعت قهقهته وهو يقول ) زِد على ذلك أنا عديت حقي من السجن، أريد أن أخدم ديني ووطني وأنا حر طليق،( أردف قائلا ) ولكن عندي إقتراح : روحو عندهم واسألوهم : لماذا لم تُدخلوا النحناح للسجن ...
هنا جاءني سؤال آخر، لم أتهيأ له، ولكنه فرض نفسه ،قلت: نحن في مدينة قرونوبل وهي قريبة من جنيف التي بها تحركات كثيرة للسياسيين ، وتصلنا مجلة ( البديل ) التي يصدرها أحمد بن بلة، ونحن طلبة فما العمل ؟
أجاب بسرعة وكأنه كان ينتظر السؤال : أنا إلتقيت ب سي أحمد بن بلة، وطرحنا عدة قضايا، ولكنني لست مقتنعا أبدا بالمعارضة في الخارج خاصة في هذه الظروف، كما أنني أرفض أن أتكلم عن بلدي بسوء في الداخل فما بالك في الخارج، ثم شرح لي موقفه من بن بلة، ولكن دون أن يذكره بسوء، كما كلمني عن خيارات بومدين بكل أدب وموضوعية دون ذكر أي سوء عنه، ولكنه أثنى على الشاذلي بن جديد خيرا وقال ( مع هذا الرجل يمكن أن يكون خير كبير للجزائر وللإسلام ...)
نقطتان لاقتا في نفسي استحسانا وتقديرا للشيخ محفوظ في هذا اللقاء الأول :
- أنه يرفض المعارضة في الخارج ولا يرى أي جدوى منها، بل يرى أنها تزيد الوضع سوءً
- أنه لن يتكلم عن الجزائر بسوء في الداخل كما في الخارج.
جرنا الكلام بعد ذلك إلى مواضيع أخرى، ثم بادرني بسيل من الأسئلة : ما هو تخصصك؟ ماذا يفيد الجزائر؟ ما هي الشهادة التي تحضرها؟ متى تنهي دراستك؟.
شرحت له تخصصي، الكهروكيمياء، وهو فرع من الفيزياء الكيميائية، وله علاقة بالطاقة، وأنني إن شاء الله سأناقش رسالة الدكتوراه خلال السنة القادمة أواخر 1985.
( سلوك المسلم في أوروبا )
صعد إلى المنصة، لم يكن نفس الشخص الذي كنت قد إلتقيته، لباسا،أناقة، وطريقة كلام، أبهر الحضور بحماسته، ولغته، واستشهاداته، وتسلسل أفكاره، عرض في كلمته مراحل حضور المسلمين في أوروبا عموما وفرنسا على الخصوص، تكلم عن الجيل الأول، والجيل الثاني الذي بدأ يتشكل، ثم تكلم عن توطين الدعوة، ضرب أمثلة لكيفية انتشار الاسلام في كثير من الأقطار والدول من خلال السلوك القويم والمعاملات الحسنة، وضّح أن الدخول لأي دولة هو عبارة عن عقد فلما توافق الدولة على دخولك وتختم لك جواز السفر فهو عبارة عن عهد بينك وبين تلك الدولة وأنت مطالب أن تلتزم بقوانينها وتحترم دساتيرها فإن لم تكن مستعد لذلك فما عليك إلا الرحيل، لم يُقدم محاضرةً بل قدّم برنامج عمل وخطة إستراتيجية، تأخر المسلمون في أوروبا في اعتماد مبادئها والتماشي معها إلا بعد ما يقارب العشرين سنة حين غيّرت كثير من الجمعيات أسماءها وطريقة عملها بعد ذلك بسنوات.
إنتهى اللقاء، جمعنا أغراضنا ورجعنا إلى مدننا، كان ذلك أول لقاء مباشر يجمعني بالشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، لتمر بعد ذلك سنتين كي نلتقي عنده في البيت في البليدة في ربيع 1986...
* دنق : كلمة خاصة بمنطقة سطيف بحثت عنها في القواميس فوجدتها أنها عربية خالصة معناها : نظر بتركيز وتمعن.
** باش ما تباصيش: معناها ( كي لا تتورط مع الأمن )
يتبع ...
د. عبدالقادر سماري