أي مستوى هي فيه هذه البشرية ...
أي مستوى هي فيه هذه البشرية ...
قلت هذه الكلمات وأنا أتابع خبر نقل رفات شهداء وعظماء الجزائر، رحمة الله عليهم، من فرنسا إلى الجزائر، فتزاحمت في ذهني الذكريات والأحداث، وتجذبني إليها جذبا رقيقا تارة وأخرى عنيفا، تلهب مشاعري في حب هذا الوطن والتغني ببطولات رجاله ونسائه، ترجع بي إلى مقاعد الدراسة ونحن شاخصي أبصارنا مرهفي أسماعنا للأستاذ يشرح لنا حياة الأمير عبدالقادر والشيخ بوعمامة وبوبغلة والمقراني وحداد، ومقاومتهم للاحتلال والاستدمار ، وينتقل بنا إلى غدر فرنسا وظلمها وصنوف العذاب الذي سَلَّطَته على أجدادنا في المدن والقرى، في الأرياف والمداشر، ويذهب خاطري إلى تلك الرحلات التي قام بها أجدادنا تحت وقع النابالم والمدافع وقنابل الطائرات، و إخراجهم من أراضيهم في أولاد تبان ليتنقلوا في مختلف ربوع الوطن، إلى رأس الوادي، العلمة، عين ولمان، قصر الابطال، بازر صخرة، بيضاء برج، سطيف، المدية، عزابة، العاصمة، لا تكاد تطأ موطنا في الجزائر إلا وبه مجموعة من أولاد تبان هُجِّروا من قبيلتهم ولكنهم رفضوا الخروج من الجزائر، ورفضوا الاستسلام لفرنسا، ورفضوا ترك دينهم ولغتهم، مثلهم مثل باقي قبائل وعروش الجزائر ... لهم الله... لم تكتف فرنسا بتهجير الناس من أراضيهم بل هجّرت الجماجم لتضعهم في متاحفها ( الحضارية )، وهي لا تعلم بأنها ستكون تلك الجماجم لعنة عليها إلى يوم الدين،
إن رؤيتي لصور المقاومين وجماجم الشهداء تركتني أتوقف عند حال أهاليهم أثناء استشهادهم وخلال التنكيل بهم وفصل رؤوسهم عن أجسادهم وأخذ تلك الجماجم لتوضع في المتاحف والمعارض، كيف كانت آلام الأمهات والآباء، وكيف كانت صرخات البنات والأبناء، أي حضارة بل أي إنسانية هي عليها فرنسا، وأي فخر وأي اعتزاز لها بذلك، لو لم يكن في صحائف فرنسا السوداء القاتمة إلا جمجمة صاحب 18 ربيعا، وهي تنزعها عن جسده أمام أعين أمه وأبيه وأعمامه وأخواله وأهله وذويه، وتأخذها إلى متاحفها، لو لم يكن لها إلا ذلك لكفاها دركا في سُلَّمِ الخلق أحط من مكانة إبليس.
تُرى هل روح أم وأب ذاك الشهيد، الذي مضى على استشهاده ما يقارب مئتي سنة، هل روحهما تنظران الآن إلى جمجمة إبنهما، بل هل روحه هو ترى استقدام جمجمته إلى أرض الوطن، هل تُرى أرواح شهداء ذاك الزمان وأرواح أهاليهم فرحة بهذا الاستقدام، أكيد ستفرح، وسيستبشرون بالذين من خلفهم، الذين بقوا على العهد، ليستكملوا بناء الجزائر بعد طرد العدو الغاشم !
إن هذا الحدث يرجع بي إلى أول ألم عشته وأنا صغير، لم يتجاوز عمري ست 6 سنوات، لم يمر على الاستقلال إلا ثلاث سنوات، كانت جدتي لأبي ( لعجوز الحناشية مسعودة بنت الشيخ عمار ريغي رحمهم الله) كانت دائمة البكاء، لا تكاد تنقطع الدموع عن خَدَّيها، وهي تتمتم دائما ( يا سي لخضر ربي يقبلك عنده ويلحقنا بك على خير ) إلى أن انفجرت في إحدى الأيام وهي تنادي ( خذوني عند قبر ابني ) ( سي لخضر مات شهيدا ونحن ماذا نفعل بعده ) ... استجاب لها جدي الحاج الضيف سماري وطلب من والدي إحضار سيارة للدوار، وجاء الموعد حضرت السيارة، فتجمهر حولها الاولاد، لم تكن السيارات معهودة في ذلك الوقت، وخرج الرجال والنساء في محفل كبير ليتفرجوا على النوكب الذي سيسافر إلى قبر الشهيد، ركبت جدتي، وسيدي عمار، كنت واقفا مع إخوتي وأبناء عمومتي بجنب السيارة، أخذتُ بطرف برنوس جدي فأخذني بيدي وأجلسني بجنبه داخل السيارة، ركب بعض الأعمام، السيارة من النوع الطويل يمكنها حمل 6 أو 7 أشخاص، وأنطلقت بنا إلى مقبرة الشهداء ب (الحامة بوطالب) حيث دفن الشهيد عمي سي لخضر، الرحلة كانت طويلة، وصلنا إلى المقبرة، وجدنا الدليل، أخذنا إلى قبر الشهيد، كان موقفا مهيبا، الأم ( جدتي ) جالسة عند رأسه، الدموع تسيل تباعا، والأب والإخوة محيطين بالقبر في سكون ووجوم، لم أكن وقتها أعي حقيقة الموقف ولم أكن أستشعر ما استشعرته الآن، تُرى كيف كان خفقان قلب جدتي وجدي وهما يقفان على رأس قبر ابنهما الشهيد الذي لم يريا جثته ولم يقيما له العزاء ولم يمشيا في جنازته ... المقبرة مليئة بقبور الشهداء ... هؤلاء كلهم ماتوا في سبيل الله، قتلتهم فرنسا الغادرة، لا ذنب لهم سوى أنهم قالوا ربنا الله، ووطننا الجزائر، فقط أرادوا الحرية مثل باقي خلق الله ... رجعت إلى الجماجم القادمة من ( متاحف العار ) ( متاحف الحضارة الإنسانية )، هذه الجماجم ( فخر الجزائر) و ( عار فرنسا )، لقد أحسنت الجزائر في استقدام رفات أبنائها، ولكل من كان له دور في ذلك له الشكر والإمتنان، ولكن تُرى هل سنحسن وفادتهم واستكمال مسيرتهم وتحقيق غاياتهم ؟
تلك مسيرة ستستمر لم تبدأ الجزائر بهم، وقد أدوا ما عليهم، ولن تنتهي بنا ونحن نحاول أداء الواجب، وسيأتي بعدنا أجيال تستكمل الطريق لِيَرْفَلَ هذا الوطن وهذا الشعب في ظلال الحق والعدل والحرية ويؤدي رسالة الله ... الرسالة الخالدة ... لتحرير البشرية من الظلم والطغيان ...
د. عبدالقادر سماري