الدكتورعبد القادر سماري

إنا لله وإنا إليه راجعون،

إنا لله وإنا إليه راجعون،
وهكذا تخطف منا الأقدار بعض الأحباب وكنا قد وضعنا معهم برنامجا ولم نتمكن من تنفيذه بسبب هذا الوباء، فأجلناه لوقت لاحق.
فقبل ظهور وباء كورونا زارني في البيت بالعاصمة بعض الأصدقاء من رأس الوادي، تكلمنا في مواضيع شتى، وقلت لهم إنني أنوي إقامة حفل تكريم لأصدقاء سيدي عمار ( والدي رحمه الله)، ولأساتذتي وأصدقاء الطفولة، فاستحسنوا الفكرة وبدأنا في الإعداد والاتصالات ببعض المعلمين والأساتذة وزملاء الدراسة فباركوا المشروع ، غير أن ظهور وباء كورونا باغتنا وألقى بتبعاته وإلزاماته فلم نستطع أن نحقق المشروع وأجلناه إلى غاية إنقشاع الوباء، وصباح اليوم يكلمني شقيقي عبدالحليم ليقول لي : عظم الله أجرك، معلمك في الابتدائي سي الطاهر بن سعدي إنتقل إلى رحمة الله.
إسترجعت، وحوقلت، وشكرت، وحمدت ودعوة الله له بالرحمة والغفران.
قلت لشقيقي: كنا مبرمجنا معه ومع بعض الاساتذة والأصدقاء عملا، قدر الله وما شاء فعل.
ورجعت بي الذكريات إلى مقاعد الدراسة أواسط الستينات من القرن الماضي، كان سي الطاهر معلمنا للغة العربية في مدرسة عبدالرزاق العيدي بطوملة، كنا نرى فيه الأناقة والصرامة والجد والاجتهاد، علَّمنا ليس حرفا واحدا، بل كلمات وجمل وعبارات ونصوص والنحو والصرف والتاريخ والحساب، عاما واحدا قضيناه معه ليبقى راسخا في أذهاننا ويبقى لنا نموذجا وقدوة مثل زملائه المعلمين الآخرين، وتزاحمت في ذهني صور المعلمين الذين لهم أفضال علينا، تربية وتعليما، فممن فارقونا لجنة الخلد إن شاء الله: سي عبدالحفيظ شراد، سي محمود بونازو، سي الحاج بوصاحة، سي أحمد الوالي، سي محمد ذوادي، سي عبدالله معتوق، سي عبدالمجيد سعدودي، سي اعمر الشاوي، السيدة سليمة، سي جغدالي عبدالحفيظ ... رحمهم الله، ومن الأحياء : سي علي بن احسن، سي أحمد لقصير، سي جابو الخير، سي الصالح بركاتي، سي محمد العربي الوالي، السيدة سليمة، السيدة صليحة، السيدة غنية ... حفظهم الله وأطال أعمارهم.
أخذت هاتفي وبدأت الاتصالات لتقديم واجب التعازي، لأبنائه في رأس الوادي عن طريق صهره سي حسان بلمختار، ثم صهريه زوجي إبنتيه الدكتور نعمان لعور والأستاذ رابح محصول، ثم إتصلت بصديقين من أصدقاء الطفولة وزملاء الدراسة الابتدائية عند سي الطاهر وهما الآخ ( جمال عبدي ) المتواجد في سان فرانسيسكو بأمريكا، والدكتور رشيد رباح طبيب الأعصاب صاحب العيادة ببرج بوعريريج استرجعنا ماضي أكثر من 50 سنة كيف كنا عند سي الطاهر رحمه الله، ثم كان لزاما علي أن أقدم التعزية لمعلمي وأستاذي وصديق والدي و زميل سي الطاهر في التعليم ( الأستاذ سي علي بن احسن حفظه الله ) كلمته، وبلغته تعزيتي في أخيه وصديقه ومعلمي سي الطاهر، وجدته متأثرا جدا، وأعتقد أنني أدخلت عليه بعض المواساة بمكالمتي له، فبدأ يسرد لي تاريخه مع سي الطاهر بن سعدي رحمه الله، وأنهم من مواليد نفس السنة 1947، بينهما شهرين فقط، وأنهما رضعا معا( لم أكن أعلم أن سي الطاهر بن سعدي أخ سي علي بن احسن من الرضاعة )، والتحقا معا بجامع قرية ( أولاد بن خليفة ) في مزيطة أثناء تجارة التحرير، وكيف كانت فرنسا تكثف ضغوطاتها على التعليم باللغة العربية ، ورغم ذلك تعلما في كُتّأب القرية مباديء اللغة العربية وحفظا ما شاء الله لهما من القرآن، ثم بعد الاستقلال إلتحقا بالمدرسة الرسمية، مدرسة التهذيب، التي كان يشرف عليها الأستاذ الشيخ أحمد عاشور وكانت تابعة لوزارة التعليم بمناهج ومقررات وكتب أردنية وسورية لينالوا تكوينا وتدريبا في التعليم أجروا بعده مسابقة الإنخراط في سلك التعليم ونجحوا بامتياز ليُعَيَّنوا كمعلمين في مختلف مدارس المنطقة، ثم ارتقوا في الشهادات لينالوا شهادة الكفاءة التربوية الجزء الأول ثم الجزء الثاني، ثم قال لي الأستاذ بن حسين : ولعلك يا بني نسيت اللقطة التي عملها معنا صديقنا سيدك عمار رحمه الله حين نجحت في السيزيام لتذهب إلى التكميلي.
قلت: وماذا فعل؟
قال: كنا دائما نزور والدك في البيت، وكانت علاقتنا جيدة، ونعلم أن والدتك تربي الدجاج وكنا نرى دائما ديكا يسرح مع الدجاجات، فلما ظهرت نتائج السيزيام دعانا وقدم لنا كسكس بلحم الدجاج، ولم مر أثرا لذلك الديك تعلمنا أن والدك قد أكرمنا به قضينا ليلتنا نتحدث عن ديك والدتك وأن نجاحك كلفها ديكا كاملا.
توقف الأستاذ علي مَلِيًّا، ليكمل قائلا : كانت أيام جميلة طيبة رحم الله سيدك ورحم الله سي الطاهر الذي غادرنا اليوم إلى مرضاة الله.
أحسست أن مخاطبي يعيش لحظات حنين nostalgie لتلك السنوات الخوالي التي كانت العلاقات بين المعلم وتلاميذه وبين المعلم وأولياء التلاميذ بذلك الصفاء والروحانية والرسالية، كان الاحترام والقدوة والتوجيه.
تبادلنا بعض كلمات المواسات والدعاء، ترحمنا على روح سي الطاهر بن سعدي الذي كانت وفاته سببا في هذا التواصل، ارحمنا على أموات المسلمين وعلى والدينا، وختمنا إتصالنا.
رحم الله سي الطاهر وكل من سبقنا إلى دار الحق، وألحقنا بهم على خير.
كنت أتمنى أن تنتهي كورونا ويبقى سي الطاهر على قيد الحياة تقديمه مع معلمينا وأساتذتنا وأصدقاء الوالد، ولكن قدر الله وما شاء فعل، عسى أن يلتقيا في البرزخ ويكرمهما الله عنده.
د. عبدالقادر سماري