حوار برزخي،لا تلومونني عن الإطالة :
حوار برزخي،لا تلومونني عن الإطالة :
بالامس في اسطاوالي، بعد صلاة الجمعة، وقفت مع الإمام نتذاكر الوضعية الاجتماعية لسكان الحي، تقدم منا الأستاذ ع. ذ.، وهو وجه إعلامي بارز وله تواجد سياسي مشهود له كما أنه ليس بعيد عن دوائر السلطة وصناعة القرار، بعد التحية والسلام، توجه إلي بالكلام قائلا : يا أستاذ إني أرى بأن التيار ( الوطني الإسلامي المحافظ ) بدأ يتآكل وأمام هذه الأوضاع والتحرشات والاستفزازات والتحولات الإقليمية والدولية يجب إحياؤه والبحث عن آليات للتنسيق والتعاون لخدمة الجزائر والثوابت الوطنية.
قلت : لا يمكن إحياؤه وبعث التنسيق بين أطرافه من جديد إلا باللقاء والتواصل.
قال : وهذا الذي أقصده، يجب أن تأتي المبادرة من أناس لهم مصداقية وقبول بعيدا عن التلاعبات والحسابات الشخصية.
ثم تكلمنا عن كثير من الرموز الوطنية التي إنتقلت إلى دار الحق وكان بإمكانهم القيام بأشياء كثيرة للجزائر ولكنهم لم يفعلوا، وقلنا هل سيكون مصيرنا مثلهم فنذهب ونترك وراءنا وضعا أسوأ، كان الألم يعتصر قلوبنا ويعبر عن ذلك مُحيّانا، توادعنا على أمل اللقاء وافترقنا .
توجهت نحو بيتي حيث جلست مع الأولاد، كعادتنا كل يوم جمعة، قرأنا الحزب ثم كلمات توجيهية ثم الدعاء، شاركتنا فيه أختي الكبرى عن طريق الواتساب، إنتهى اللقاء العائلي، ولم أكن كعادتي في الكلام والمرح والانبساط، ذلك أن كلمات الأستاذ ع.ذ.، كانت تثقل كاهلي وتذهب بي بعيدا، فالرجل لا يتكلم من فراغ كما أنه ليس من نفس الحركة التي أنتمي إليها رغم أن ما يجمعنا كثير، فما قال هذا الكلام إلا وهو يعلم أن الوضعية العامة حرجة.
مرّ العصر والمغرب والعشاء وأنا تتقاذفني الأفكار والبدائل والحلول، ثم أخذت قلمي وبدأت أتذكر تلك الرموز التي هي الآن في دار الحق، إخترت من ساداتنا إحدى عشر رجلا 11 ممن عرفتهم وقد جالستهم قبل إلتحاقهم بالرفيق الأعلى، ثم تخيلت حوارا جادا بينهم في البرزخ وقد اتضحت لهم الأمور ، وكان في المشهد السادة رحمهم الله :
عبدالحميد مهري، الشاذلي بن جديد، علي كافي، أحمد سحنون، عباسي مدني، محفوظ النحناح، محمد السعيد، محمد بوسليماني، عبدالرحمن شيبان، حسين آيت أحمد، عبدالقادر حشاني.
كان الحوار صريحا إلى أبعد الحدود، لا حسد ولا بغضاء بينهم، سمعت أثناء حوارهم كلمات كلها أسى وألم وندم، الجميع أقر بأنه أخطأ التقدير ولم يحسن الإصغاء والإنصات، الجميع يتمنى لو يستطيع أن ينقل الحقائق للأحياء، وأنا أكتب الحوار بينهم تذكرت الرجل في سورة ( يس ) الذي جاء يسعى ناصحا قومه ثم مات ثم نصح قومه بعد مماته فقال( يا ليت قومي يعلمون )، كل واحد من السادة المشاركين في الحوار البرزخي كان يتكلم بنفس الطريقة ونفس الصيغة ونفس التراكيب المعهودة عليه، ولكن ليست نفس الكلمات التي كان يقولها قبل الممات وليس نفس القناعات التي كان يدافع عنها، ليس في كلامهم همز ولا لمز، ليس في طريقة كلامهم إستعلاء ولا إستعداء، كل واحد منهم كان مستعدا للتنازل ويسعى نحو الصواب الذي عند الآخر، لقد فهم الجميع أنهم حين يكونوا مجتمعين سيربح كل واحد منهم وستربح الجزائر ويربح الإسلام ويربح الشعب، لقد فهم الجميع أن تفرقهم مَكَّن للفساد والانحراف والضياع، ولعل أقوى كلمة سمعتها منهم وأنا أكتبها هي هذا التساؤل الذي أجمعوا عليه فقاله كل واحد بطريقته وألفاظه، لقد قالوا :
( كيف لم ننتبه ولم نستفق من غفلتها رغم أن كل شيء كان واضحا ؟).
كان الحوار بين أهل البرزخ عميقا، مفعما بالاحاسيس الصادقة، والآهات الحارقة، ختموه ب: يا ليتنا !!!.
أغلقت كناشي الذي به حوار أهل البرزخ، ثم أخذت أوراقا وكتبت فيها أسماء الأحياء الذين أتمنى أن يصلهم هذا المنشور، لعلهم يجتمعون، وهم من الجزائريين الأصلاء الذين يمكنهم أن يقدموا الكثير لو اجتمعوا وتداعوا إلى كلمة سواء بينهم، فَهُم مُوَزَّعون بين الأحزاب والجمعيات وبعضهم بعيد عن كل إنتماء يقوم بأعمال فردية في مختلف المجالات، ذلك أنني لا أرضى ولا أتمنى لي ولهم في البرزخ أن نقول : يا ليتنا نرجع ونفعل كذا وكذا من أجل الجزائر والإسلام وفلسطين !!!
لم أكتب أسماءهم في هذا الفضاء لأن عددهم كبير وكبير جدا، من مختلف الشرائح والمدارس والأعمار من ذكور وإناث، تعددت وتنوعت مواهبهم وعطاءاتهم غير أنها تباعدت، ولكنها ستلتقي .
فرغم الألم الذي يعتصر قلبي ... فإن الأمل لا ولم ولن يَخْبُ ...
ذلك أنني على يقين بأن وعد الله سيتحقق ( وهو على جمعهم إذا يشاء قدير )
فإن لم يكن ذلك في جيلنا ففي من يأتي بعدنا، فلسنا أول من يسكن المحروسة ولا آخرهم.
د. عبدالقادر سماري