الدكتورعبد القادر سماري

إنا لله وإنا إليه راجعون، بالأمس الثلاثاء إنتقل إلى رحمة الله المجاهد ( عمي محمد ب. رحمه الله ) ، دعوت الله له كثيرا، وتذكرت الأيام والاشهر والسنوات التي قضيناها معه، ترددت كثيرا في كتابة قصته معنا، ثم قلت في نفسي : أنني كلما إلتقيته وعرّفته على آخرين إلا وقصصت قصته، فكان يضحك ويحمد الله ولا ينكر علي بل يستحسنها.

إنا لله وإنا إليه راجعون، بالأمس الثلاثاء إنتقل إلى رحمة الله المجاهد ( عمي محمد ب. رحمه الله ) ، دعوت الله له كثيرا، وتذكرت الأيام والاشهر والسنوات التي قضيناها معه، ترددت كثيرا في كتابة قصته معنا، ثم قلت في نفسي : أنني كلما إلتقيته وعرّفته على آخرين إلا وقصصت قصته، فكان يضحك ويحمد الله ولا ينكر علي بل يستحسنها.
قصتنا بدأت مع دخول سنة 1998 حين حددنا موعد لعقد المؤتمر الثاني للحركة، وبدأنا في التحضير، في تلك الأثناء قررنا أن نقوم بحملة تعريفية للحركة على أوسع نطاق ودعوة مختلف الشخصيات من مختلف التوجهات، كنا نشتغل ليل نهار ونتواصل مع الناس الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم، كانت معظم تحركاتي مع الحاج ( سليمان دهيري شفاه الله ) ومن بين الذين تعرفنا عليهم ( عمي محمد ب. رحمه الله ) كانت له علاقات كثيرة ومتنوعة، ورغم تقدمه في السن كان نشطا حيويا، يتقن اللغة الفرنسية، يكلمنا عن التاريخ وعن الثورة وعن مغامراته ونشاطاته المختلفة، كنا نلتقي في أحد مكاتبه أو ورشاته ويحضر مع أصدقائه نكلمهم عن الحركة وعن المشروع الذي نحمله وعن الشيخ محفوظ ورجال الحركة وعن مستقبل الجزائر، اقترب موعد المؤتمر، فدعوناه وقلنا له يمكنك أن تصطحب معك أصدقاءك ... صبيحة المؤتمر في ( قصر الأمم بنادي الصنوبر ) بدأنا في استقبال الضيوف، ووضعنا لذلك مخطط الاستقبالات، فكان كل واحد من الطاقم القيادي يستقبل الشخصيات التي دعاها ويمشي معهم إلى غاية مدخل قاعة التشريفات حيث يقف الشيخ ( محفوظ رحمه الله ) عند بابها فيسلم على القادم ثم شخص آخر يدخله إلى القاعة، في حدود التاسعة والنصف يأتي (عمي محمد ب.) فذهبت لاستقباله ثم قلت له : تفضل تسلم على الشيخ محفوظ هو هناك .
كان الشيخ يستقبل القادمين فبعضهم يحضنهم وآخرين يقبلهم ، رأى عمي محمد المشهد فقال لي مستنكرا : أنا أسلم على الشيخ محفوظ؟ أنا أسلم على النور؟ أنا الذي لا يساوي شيئا يحضن أو يقبل هذا العالم ... ورفض، رآنا الحاج سليمان فأقبل علينا، وحاولنا معه وقلنا له : لا تحتضنه ولا تُقَبِّله ولكن صافحه فقط.
تقدمنا نحو الشيخ عرّفناه به وبأصحابه، احتضنه الشيخ وبابتسامته العريضة حيّاه، فألقى عمي محمد رأسه فوق كتف الشيخ كي لا يشم رائحته، ثم إنسل بسرعة، إنسحب عمي محمد إلى القاعة وعيناه تذرف الدموع ... حضر معنا جلسة الافتتاح، كان منبهرا من التنظيم ومن الكلمات ومن النظافة، عند الخروج ناداني عمي محمد مع الحاج سليمان وأصحابه ثم قال لنا : إني أُشهد الله وأشهدكم أنني لن أقرب الخمر من الآن ولن أترك الصلاة أبدا بعد لقائي هذا...
احترنا من كلامه لأننا لم نكن نعلم أنه يتعاطى الخمر، وازدادت حيرتنا لما تكلم أحد أصدقائه فقال : وأنا من يدفع لي ومن يرافقني، إذن نتوقف جميعا عن هذا الوسخ.
وعند توديعه قال لنا : بعد ما تنتهوا من مؤتمركم فإن عشاؤكم عندي غدا أو بعد غد.
بعد المؤتمر بيومين أو ثلاثة تواصلنا بالهاتف ودعانا إلى بيته كنا أربعة مع الشيخ محفوظ، وهو مع إبنه، بعد العشاء قال بودي أن تتعرفوا على زوجتي، كان يعلم أنني درست في ( قرونوبل ) فلما جاءت السيدة بلباسها الشرعي المحتشم قال لها بلغة فرنسية: هذا الشيخ محفوظ، وهذا الدكتور درس عندكم فهو ابن مدينتك ( قرونوبل ) ثم التفت إلي وقال لي : إنها من قرونوبل مدينة العلم والجمال.
لم أكن أعلم أن زوجته فرنسية مسلمة ملتزمة.
تبادلنا التحية والسلام، ثم قالت : لقد كلمني عنكم كثيرا، وإنني أشكركم شكرا جزيلا لأنه منذ أن تعرف عليكم أصبح شخصا آخر وبفضلكم لقد تغير نحو الأفضل في كل شيء ... شكرناها عن العشاء وحسن الاستقبال ثم انصرفنا.
بعد ذلك أصبح من الداعمين للحركة ويأتي لمقر الحركة من حين لآخر، كما كان لا يبخل علينا بالاراء وبمعارفه ... كانت لنا معه لقاءات وجلسات وحوارات إنه رجل مجاهد كريم شهم ،
اللهم اغفر له وارحمه وأرض عنه وتقبل منه وادخله الجنة ونجه من النار وأكرم نزله واحشره في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،
وألحقنا به على خير .
د. عبدالقادر سماري