في ذكرى مَن لا تساوي الدنيا شيئا بعدما ذهب، حتى وإن كانت كلها ذهبا :
في ذكرى مَن لا تساوي الدنيا شيئا بعدما ذهب، حتى وإن كانت كلها ذهبا :
في مثل هذا اليوم ، قبل 35 سنة ( 16 جويلية 1986 )، قُبَيْل صلاة المغرب، اجتمع في بيتنا الأخوال والأعمام جاؤوا لزيارة والدي ( سيدي عمار رحمه الله) معظمهم تعلم على يديه الكتابة وقرأ وحفظ عنده القرآن، كان مريضا طريح الفراش، كان يحدثنا في بصوت خافت عن القرآن وعن الصلاة وعن حقيقة الحياة، كانت والدته جدة مسعودة رحمها الله جالسة عند رأسه، فهو بِكْرها وله بها علاقة خاصة، سمعنا آذان المغرب، قال سيدي رحمه الله يخاطبني: قم يا جمال صلي بالجماعة.
أقام أحد الحضور الصلاة، تقدمت للصلاة، كبّرت ثم أطرقت بسمعي لعلي أسمع تكبيرته، بدأت قراءة الفاتحة ولا أذكر الآيات التي قرأتها في الركعتين، انهيت الصلاة، ثم إلتفتُّ يمينا لِأًسلِّم، قلت : السلام عليكم ورحمة الله، وقعت عيني في عين جدتي، رفعتْ إحدى يديها بإشارة من أسفل إلى أعلى وبالأخرى آخذة بيد إبنها سيدي ، أطَلْت النظر إليها، رأيت قطرات دمع على خديها، ووجه سيدي النيّر في إتجاه القبلة دون حراك، فهمت أن صاحب الأمانة أخذ أمانته، أنهينا الصلاة، وسلّم الجميع، وبهدوء يقول أخي الكبير الحاج الميلود : الله أكبر لا تقلقوا كل شيء جاهز.
أحطنا بالوالد، خرج أحدهم لإبلاغ العائلة، خرجت وراءه، في فناء البيت كان المنظر جلل، دعوت أمي وأخواتي الستة، السابعة كانت في بيتها، دخلنا إحدى الغرف وبكينا بدموع الرحمة، داعين له بالمغفرة والرحمة، طمأنتهم أنه كَبَّر معنا للدخول في صلاة المغرب وقبض الله روحه وهو في الصلاة التي كانت هي والقرآن رفيقاه، كان ذلك مواساة لنا جميعا في أبٍ لم نشبع منه، يفارقنا إلى دار الحق وعمره (58سنة)، لم نعرف منه إلا ثلاث أمور كان متشبثا بها : ( القرآن - الصلاة - صلة الرحم ) ، أما عن بره بوالديه فحدث عن قطرات الماء في البحر، وعن خدماته لطلبة العلم والجيران فحدّث عن حبات رمل الصحراء، أما عن ولعه بالعلم وتربية الأولاد فأعدد ورقات الشجر، عايش فترة الاحتلال قبل الثورة فحفظ القرآن وأتقنه، وجاءت الثورة فكان فدائيا مسبلا، وجاء الاستقلال فكان معلما ومربيا، وجاءت الصحوة ففتح بيته لأبناء الصحوة ودعاتها فكم من جلسات لتحضير المعارض رافقها، وكم من استقبالات للدعاة في البدايات، وجاءه المرض فاحتسب أمره لله، حجّ واعتمر، سافر وارتحل كثيرا، زرت معه مشايخ كثر، لنا معهم قصص وحكايات، استقبلنا آخرين، له علاقات وطيدة بمشايخ وعلماء ومجاهدي منطقتنا ( ولاية سطيف القديمة ) .
رزقه الله 12 ولدا ( 4 ذكور ، 8 إناث ) سبقه إلى الفردوس إثنان ( ذكر نور الدين وأنثى خيرة ) فاحتسبهما لله واسترجع لعله ينال بهما بيت الحمد، و ال 10 الباقين ربّاهم ورعاهم على الذكر والقرآن والعلم لعله ينال بهم تاج الوقار،
سافرت معه إلى قرى ولاية سطيف القديمة، إلى قسنطينة، إلى العاصمة، إلى البليدة، إلى قرونوبل، إلى ليون، إلى جنيف، إلى سوشو ...
كان لي أبا ومربيا وأخا وصديقا ...
مرض فأخذناه إلى الأطبة بسطيف، العاصمة، ثم دخل مستشفى قسنطينة، ذات يوم زرته للمستشفى استقبلني كعادته بوجهه البشوش وقد أنهكه المرض، في جلستي مع الطبيب نصر الدين عزلي وقد كان زميل الدراسة قال لي: إن والدك مصاب بالسرطان وقد أجرينا جميع الفحوص والاشعة فوجدناه قد انتشر في كل جسده وإني أنصحك بأخذه إلى البيت فليس لدينا أي شيء نقدمه له.
السرطان في ذلك الوقت معناه الدار الآخرة، معناه الفراق، معناه ...
نزل علي الخبر كالصاعقة، سقط علي الأمر كالجبل، أحسست أن خلايا جسمي تنهار، تتبخر، تتلاشى، دافعت الدمع الذي حسبته دما، هدّأ الطبيب من روعي، تمالكت نفسي ورجعت إلي سيدي عمار أخبرته بأننا سنرجع للبيت هللت أسارير وجهه فرحا وطربا، لم أستطع أن أخبره بالأمر، بدأنا في تحضير أوراق الخروج، وقفلنا راجعين، من قسنطينة إلى رأس الوادي تقريبا 200 كلمتر، الطريق القديمة، كان جالسا بجانبي في سيارتي، كنا إثنين ثالثنا الله، نفتح موضوعا ثم ننتقل لآخر، كلها تدور حول القرآن، السيرة، الشعر والعائلة، كنت أجاريه في النقاش وكلما سكت حدثت نفسي بهذه الكلمات ( هل أخبره بحقيقة مرضه أم لا، هل أخبر أمي وإخواني أم لا ، ما العمل، كيف ستكون أحوالنا، أين ذلك الحلم الذي نسجته معه قبل 6 أشهر بعد أن أنهيت الدكتوراه كان قد حضر معي تقديم الاطروحة بجامعة قرونوبل، تابعني في تحضيرها عن قرب ... ) كان يقطع علي كلام نفسي لنفسي بآية أو حديث أو طرفة، طيلة الطريق لم أفتح الراديو إلى أن وصلنا إلى قصر الابطال فتحت الراديو فإذا به يبث أغنية مشهورة لدى الجزائريين وخاصة في ذاك الوقت تقول :
(( يا رأس المحنة لله كلمني هذا وطنك وإلا جيت براني ... ))
بمجرد سمعتها إنهمرت الدموع المحبوسة في مقلتيّ، عين ماء تنفجر أم سدٌّ انهارت حواشيه، أي محنة أكبر من أن تكون بجانب والدك حبيبك صديقك وأنت تكاد تجزم أن هذا آخر سفر لك معه، كأن المغني يخاطبني : يا رأس المحنة لله كلمني ... محنة ...
إلتفتَ إلي سيدي عمار وهو يبتسم وقال لي : منذ خروجنا من قسنطينة وأنا أكلمك بالقرآن لم تتأثر وهذا ( البار اعمر ) عمل فيك هذا العملة لم أكن أعلم أنك تتأثر هكذا بالغناء...
بادلته الابتسامة وتمتمت بعض الكلمات لطمأنته، وأسترسل رحمه الله في الحديث ... شهرين بعدها وحدث ما ذكرته آنفا.
أختم هذا المنشور بهذا البيت من الشعر الذي حفظته عنه، وهو لأبي العتاهية، الذي كان يردده دوما، وأطلب وآمل من أصدقاء هذا الفضاء أن يحفظوه ويجعلوه لهم منهجا في الحياة لعل سيدي عمار رحمه الله ينال أجر ذلك ففيه معانٍ وعبر كثيرة تفيدنا وخاصة مع حالة الوباء التي أفقدتنا كثير من الأحباب، فكان يردد هذا البيت :
(( إِنْ كان لا يُغنيك ما يكْفِيك :: فَكُلُّ ما في الأرضِ لا يغنيك ))
رحم الله آباءنا وأمهاتنا جميعا وكل أموات المسلمين، وألحقنا بهم على خير.
35 سنة= 12775 يوما = 63875 صلاة
لا أذكر أنني نسيت فيها سيدي وأمي رحمهما الله، صدقوني في بعض الأحيان أغبطهما،
أبتسم لهما والدموع تتساقط، كم هو صعب الفراق.
لك الله يا من فارقك حبيبك ...
ولكن أُوَّاسي نفسي وأُواسيك بهذه الآية من سورة الطور التي لي فيها أمل ورجاء وحسن ظن بالله ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ).
جمعة مباركة للجميع
د. عبدالقادر سماري

