جولتنا إلى الغرب الجزائري كانت ضمن القاعدة :
2 سلسلة · 2 من 6رحلتنا إلى الغرب الجزائريجولتنا إلى الغرب الجزائري كانت ضمن القاعدة :
( يجوز تعدد النيات في العمل الواحد ما لم يكن توقيفا ) فلقد خرجنا من العاصمة ونيتنا من جولتنا ما يلي:
( تلبية دعوة من شيخ كريم - تفريج هم عن مؤمن طلبنا - مواساة وتقديم تعازٍ لفقدان عزيز - وفاء وإحياء علاقات كادت تندثر - دعوة لله وتذكير به ) ... وهذه محطات جولتنا نهاية الأسبوع الماضي، كان على مقود سيارتنا الاخ الأستاذ عبدالرحمن جناد، ثم خَلَفه الدكتور إبراهيم بوذراع نعم الرفيقين في السفر بعد رفقة الله لنا وإخواننا مسعود ،يحي، بلال، في السيارة الأخرى :
- دخلنا مدينة ( مغنية ) قبيل منتصف النهار من يوم الجمعة، زاوية الشيخ (إبراهيم الكرزازي) غير بعيدة عن مدخل المدينة، حقول الزيتون تحيط بها عن اليمين وعن الشمال، تراءت لنا من بعيد، حين قربنا منها، مجموعة من المشايخ والمريدين وطلبة العلم واقفين على شرفاتها، نزلنا من السيارات، ومن بعيد كانت الوجوه الصبوحة والثغور الباسمة والأيادي الممدودة في إستقبالنا يتقدمهم الشيخ إبراهيم حفظه الله، وأقول، معتذرا، أننا تناسينا أو نسينا كورونا رغم أن الجميع واضع اللثام، تبادلنا التحايا والسلام، ثم ولجنا إلى قاعة الاستقبال، وقبلها كان قد قابلنا البهو الواسع الذي يؤدي إلى قاعة كبيرة مُفَتّحة أبوابها وقد وصل إلى مسامعنا تراتيل وتسابيح وقراءات متناغمة قادمة من داخل القاعة، ألقيت ببصري فإذا هي حِلَق من شبان وغلمان غارقين في ترانيمهم، كلٌّ قد شغله حزبه، دخلنا إحدى القاعات المفروشة، أرائك ووسائد، وكان أول شيء فعلناه، بعد أن أخذ كل واحد مجلسه، أنه جيء لنا بأكواب من الحَريرة التلمسانية الساخنة وكؤوس من الشاي وقد علته رغوة فاتنة، تناولناها فكانت كالبلسم والرحيق أذهب كدر السفر وأزاح آثاره، ثم بدأنا جلسة التعارف المطلوبة شرعا وعرفا ، فقدم لنا الشيخ الوفود القادمة من ( تيارت، سعيدة، تيسمسيلت، تيزي وزو، باتنة، أدرار، معسكر، سكيكدة، سطيف، البيض ...) ثم قدمتُ وفدنا ( عبدالرحمن، ابراهيم، مسعود، يحي، بلال ) وكان الشيخ يعرف بعضا منهم، ثم أمر الشيخ أحد المعلمين أن يأخذنا في جولة في جوانب الزاوية العامرة، حقيقة هي صرح شامخ متعدد المرافق مكونة من ثلاثة طوابق : قاعة للصلاة، قاعات للتعليم، قاعة للمحاضرات، مراقد للطلبة، مطبخ كامل التجهيزات، شقق للمعلمين، سطح في أعلى البناية على الهواء الطلق، مطلٌّ على حقول الزيتون الموقوفة للزاوية، وبجانبها ورشة لبناء مسجد تابع لها، أنهينا جولتنا وتهيأنا للذهاب إلى صلاة الجمعة، دخلنا مقصورة الامام الواسعة فإذا هي مليئة بالصحون والملاعق والجفان والأطعمة المختلفة وقد علت رائحة زكية، وداخل المجسد صلينا تحية المسجد وجلسنا نستمع للدرس كان يقدمه أحد الأساتذة حول ( ما جاء في سورة الكهف من قصص وحقائق للرد على شبهات اليهود والمشركين ومحاولات كيدهم) ثم إعتلى (الشيخ إبراهيم ) المنبر لإلقاء خطبتي الجمعة ( بسملة، حمدا، تشهدا، ثم صلاة على المصطفى، ثم توجيهات وإرشادات نبوية واستشهادات قرآنية، وإشارات لواقع أمتنا، وتنبيها لما يلاحظه من ضعف في الأخلاق وتقصيرا في الواجبات ثم قدم الشيخ الدواء الشافي والجواب الكافي لما تعانيه أمتنا، وختم بالدعاء بالرحمة والمغفرة للوالدين والمشايخ وموتى المسلمين والصلاح والرشاد لولاة الأمر مع البطانة الصالحة والاستقامة للشباب والشفاء للمرضى ... وأقمنا الصلاة) وقبلها نبه إلى ضرورة بقاء المصلين في أماكنهم لتناول وجبة الغداء التي أعدتها حرائر البلدة تقربا إلى الله، عسى الله أن يستجيب للمستغيثين وينزل علينا رحماته ويغيثنا بالمطر من عنده، صلينا وجلسنا، أربعة أربعة، وقُدمت لنا الاطعمة، أشار إلينا الشيخ أن نترك مكانا الوجبة التي أعدتها نساؤه، جاء الطعام هنا في بيت الله، وأمام هذا المشهد الجليل، سقطت كل التكلفات، فلا فرق بين الكبير والصغير، بين العامل والعالم، بين الفلاح والإداري، فقط هناك الاحترام والأدب، أنهينا وجبتنا فطلب منا الشيخ أن نتقدم للحضور بكلمات، تشاورنا فيما بيننا فاتفقنا أن يبدأ الاستاذ( إبراهيم بوذراع ) فيتحفهم بأحد مزاميره تلاوة لآي من كتاب الله، كانت الجموع متفاعلة مع التلاوة إلى درجة البكاء، ثم قدمت كلمة شاكرا للشيخ إبراهيم دعوته ولسكان البلدة حسن ضيافتهم ثم تطرقت إلى نعمة الاسلام ونعمة الإخوان والتواصل والإفادة والاستفادة وختمنا مجلسنا بالدعاء للوطن وللأمة ولجندنا المرابط على الثغور ...ثم إنتقلنا إلى الإقامة حيث كان الاستقبال الأول، وكانت الجلسة الأخيرة بفقرتين:
الفقرة الأولى: كرم فاق ذاك الذي يذكرونه عن حاتم تناول الطعام الذي أعدته نساء الشيخ كسكس بلحم الظأن تتخلله دعوات ولطائف.
ثم جلسة علمية تداولتُ كلماتها مع الشيخ إبراهيم عن التوحيد وإعجاز القرآن وقصة سليمان عليه السلام مع النمل والطير وعن قوله تعالى ( كانتا رتقا ففتقناهما ) وعن الماء وعن عرش الرحمن والسماوات والأرضين وعن سيد الخلق الذي يصلي عليه الرحمن وملائكته منذ الأزل وأمرنا بالصلاة عليه ثم أخيرا الاستعداد للعودة والرجوع إليه طامعين في رحمته وعفوه وكرمه سبحانه، ختمنا مجلسنا بجلسة خاصة في مكتبه تبادلنا فيها بعض الاشواق والهموم والاهتمامات ... وقبل المغادرة كان لزاما علي أن أربط الشيخ بمكالمتين هاتفيتين:
الأول. مع شقيقتي وأنسي وبعض قلبي الدكتورة ( نونة سماري ) حفظها الله، المهتمة بقضايا إصلاح النفس والتزكيية الروحية والطرق الصوفية الملتزمة بالكتاب والسنة فكانت بينهما مكالمة علمية راقية.
أما المكالمة الثانية فكانت مع روحي وكبدي وقلبي مع إبنتي وأختي وصاحبتي وأمي بعد أمي ( خديجة ) حفظها الله، دعاء وسلاما وتوجيهات ...
وحانت ساعة الفراق ساىلين الله اللقيا مرة أخرى هنا وهناك عنده.
أما عن الشيخ إبراهيم مضيفنا، وليعرفه متتبعي صفحتنا فهو
أحد مشايخ الجزائر المربي والمعلم وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو :
من مواليد تيميمون سنة 1955،
حفظ كتاب الله في قريته ، وتتلمذ على :
*الشيخ محمد بلكبير بأدرار
* الشيخ مولاي الحبيب بن عبد الرحمن العلوي ب تسفاوت
* الشيخ محمد بكاري بن مهلال الذي أجازه وسمح له بالتدريس.
بدأ مدرسا بمدرسة قصابي ب الساورة ،
ثم أنشأ مدرسة قرآنية في بني ونيف بولاية بشار سنة 1991/1992 التي يديرها حاليا إبنه الشيخ مصطفى بن ابراهيم خريج جامعة دمشق الشام واحد تلامذة الشيخ البوطي .
ثم أنشأ بمدينة مغنية سنة 2018 زاوية الشيخ أمحمد بن جراد الكرزازي لتعليم القرآن وعلومه، والتي نزلنا ضيوفا بها والقائمة على الأصول الشرعية في تزكية النفس وحفظ ومدارسة كتاب الله وسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام.
أما نسبه فهو:
إبراهيم بن محمد بن علي بن عبدالله بن أحمد بن عيسى بن أحمد بن منصور بن الشيخ أمحمد كرزاز بن جراد وهذا الأخير المتوفى سنة 1040 هجرية وهي نفس السنة التي توفي فيها الامام ابن عاشر رحمهم الله جميعا.
أنهينا محطتنا الأولى عصر يوم الجمعة ... لنتجه بعدها نحو سيدي بلعباس ثم وهران ثم مستغانم، ذاك ما نتناوله في المنشور القادم باذن الله إذا كان في الحياة بقية.
كم هي غنية الجزائر برجالها ونسائها وصالحيها ومصلحيها...
كل رحلة في أرجائها أزداد لها حبا وعشقا وهياما ... اللهم احفظها وهيئ لها رجالا صالحين مصلحين.
د. عبدالقادر سماري




