الدكتورعبد القادر سماري

كانت مقولة الشافعي رحمه الله إحدى شعاراتنا في جولتنا إلى الغرب الجزائري :

3 سلسلة · 3 من 6رحلتنا إلى الغرب الجزائري

كانت مقولة الشافعي رحمه الله إحدى شعاراتنا في جولتنا إلى الغرب الجزائري :
((تَغَرّب عن الأوطان في طلب العلى::
وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفريج هم واكتساب معيـــشة::
وعلـــم وآداب وصحـــــبة ماجد.
وقوله:
سافر تجد عوضا عمن تفارقه ::
وانصب فإن لذيذ العيش في النصب
إني رأيت وقوف الماء يفســده::
ان ساح طاب وإن لم يجر لم يطـب.))
فلقد أنهينا محطتنا الأولى، عند الشيخ إبراهيم بمغنية، وفزنا بخيرات كثيرة: تعرفنا على رجال أكارم وشرفاء من مختلف مناطق وطننا العزيز، حضينا باستقبال أعز من إستقبال الملوك، إستفدنا وأفدنا في مختلف مجالات الحياة، تأكدنا بأن وطننا يزخر بالخيرات والنعم، عِشنا الأمل بكل معانيه ... ثم حان وقت الرحيل لإستكمال الرحلة فكان الوداع على أمل اللقاء قريبا، وتركنا جزءًا من قلوبنا عند من أحببناهم لله وفي الله.
- وجهتنا الأولى تبعد عن مغنية 11 كيلو شرقا، الهدف منها جبر خاطر أحد الأفاضل والسعي في حاجة له، فلقد طَلَبنا بعد أن سمع أننا موجودون بمغنية، وحدد موعدا مع الاخ (مسعود) الذي تكفل بمطالبه ، وجدناه في الانتظار عند مدخل مدينة ( حمام بوغرارة)، هذا الحمام الذي يعتبر واحدا من أهم الحمامات المعدنية بالجزاىر كما أن به سدا من أهم سدود الغرب الجزائري، كان لقاء خاطفا، حاول أن يستضيفنا، بل وأصر على ذلك، ولكن استطعنا أن ننفلت منه شاكرين...
- ثم أتبعنا طريقنا مُوَلِّين وجوهنا قِبَل (سيدي بلعباس) لأداء واجب التعزية لأخينا معالي الوزير ( ياسين ميرابي) في وفاة شقيقته، كنا قد عزيناه بالهاتف ولكن وجودنا بالقرب منه حتم علينا الزيارة، فمعرفتنا به قديمة ولكنها توطدت أكثر منذ تعيينه كوزير فلقد أصبحت لقاءاتنا متتالية في مساجد سطاوالي... أمامنا حوالي130 كيلو، إتصلنا به ليرسل لنا الموقع، ولنخبره أننا نؤدي الواجب ونكمل مسيرتنا كي لا يتكلف في أي شيء، كان الاستقبال مهيبا، علامات الفراق بادية على الوجوه، جموع المعزين تتوافد، قدّم لنا أبناء أخته رحمها الله والأهل والاقارب، أخذنا مجالسنا في الخيمة التي ضُرِبت على مدخل العمارة، بعض كلمات التعزية والسؤال عن الاحوال بين الحضور، ثم طلبنا من الدكتور ( إبراهيم ) أن يتلوٌَ على مسامعنا بعضا من آي كتاب الله، وختمناها بدعاء المغفور لها بإذن الله والصبر والسلوان للاهل والاقارب والدعاء للمعزين، كانت وقفة قصيرة ولكنها جد معبرة ... ثم كان التوديع فالانطلاق نحو ... وهران.
- سيدي بلعباس ... وهران: حوالي 100 كيلو، شمال شرق، دخلنا الباهية عند الغروب، هو وقت موعدنا مع (الحاج محمد) أحد أعيان ورجال وهران، إتفقنا أن نؤخر صلاة المغرب لنصليها مع العشاء جمع تأخير، كما إتفقنا معه أننا لن نطيل ولا يتكلف في شيء إنما هي زيارة مريض بدأ يتعافى، إستقبلنا إبنه ( محسن ) حفظه الله، ببشاشة وطلاقة وجه وحسن كلام وترحيب، فله من إسمه نصيب، دخلنا الصالون، الارائك والوسائد والزرابي، تبارك الله، ما شاء الله، دلّنا محسن على مجالسنا في إنتظار قدوم (الحاج محمد)، لم ننتظر طويلا ليقبل علينا بثغره المبتسم، وكلماته الطيبة التي تتهادى إلى مسامعنا بهدوء ورِقَّة، عمره يكون قد تجاوز الثمانين، الاكراميات وصلت من مشروبات وحلويات، رحّب بنا وبدأنا بالتعارف، لم يسبق لي أن لاقيته، ولكنه كان يتابع بعض الحصص التي قدمتها في التلفاز، ودون مقدمات كان كلامنا عن: الاسلام، الجزائر، القيم، المباديء، العمل، كنا مشفقين عليه ولكنه استرسل في الحديث وانبسط معنا، أحسسنا أنه يريد أن يفضي بالكثير مما عنده، فكلمنا عن الجزائر قبل الثورة، عن جمعية العلماء المسلمين ودورها في التربية والتكوين والتعبئة، كيف كان والده وجده يستقبلون العلماء ويستعدون في نشر الوعي، كيف بدأت ثورة التحرير المجيدة وكيف كانت البطولات وآمال الشهداء والمجاهدين، وإلتحاقه بالجيش ثم كيف أصبح بعد ذلك ( طيارا ) واستصافته في هذا المكان لقيادات ورموز وطنية، فكان يشير إلى الكراسي : هنا جلس بن بلة، وهنا كان بوصوف، وهناك بومدين، وهنا الشاذلي رحمهم الله جميعا ... كان يتكلم مستحضرا الماضي متمنيا تحقيق آمال جيل نوفمبر، وتجسيد أخلاق القرآن، اغتنمت فرصة الكلام عن القرآن فقلت له: ماذا تحب أن تسمع من القرآن؟
قال، دون تردد وكأنه كان ينتظر السؤال: سورة ( يس )
طلبت من أخي الدكتور ( إبراهيم ) تلاوتها، فكانت تلاوة متأنية عطرة بِلحنٍ شجيٍّ شنَّف به مسامعنا، بعدها طلب مني الإخوة تقديم دعاء، توقفت برهة، تفرصت في الحضور، وقعت عينيَّ على عيني مضيفنا ( الحاج محمد )، علمت من كلامه ونظراته أن الرجل له معارفه في مختلف المستويات فقلت اغتنم الفرصة لتكون كلمة قصيرة ولكنها هادفة، فجعلتها مركزة على مسؤولياتنا جميعا في حفظ الوطن نشر الدين وتجسيد الاخلاق واختيار الأكفاء المخلصين للمسؤولية وضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق أصوله وحماية الشباب من مختلف الأمراض الاجتماعية ... ثم الدعاء، فلما قمنا من أماكننا للمغادرة إستوقفنا طويلا طالبا منا الرجوع واعتبار هذه الزيارة غير محسوبة ثم كانت بعض الملح واللطائف ثم كان الوداع لنذهب حيث هيأ لنا بعض الاحباب الإقامة والعشاء لنستكمل، بإذن الله، صبيحة السبت زيارتنا ورحلتنا ...
د. عبدالقادر سماري