المحطات الثلاث المتبقية في رحلتنا إلى الغرب الجزائري كلها كانت تحت عنوان (( الوفاء والامل والدعوة)) هذه الخُلق الغالية، هذه القيم التي تربينا عليها .
4 سلسلة · 4 من 6رحلتنا إلى الغرب الجزائريالمحطات الثلاث المتبقية في رحلتنا إلى الغرب الجزائري كلها كانت تحت عنوان (( الوفاء والامل والدعوة)) هذه الخُلق الغالية، هذه القيم التي تربينا عليها .
- المحطة الأولى صباح السبت، والخامسة منذ خروجنا من العاصمة، هي وفاء للشيخ عبدالرحمن شيبان رحمه الله ومن خلاله وفاء للشيخين عبدالحميد بن باديس ومحمد البشير الابراهيمي رحمهما الله، ذلك أن الشيخ شيبان رحمه الله دعاني في أحد الأيام لبيته، وكنت وقتها نائب رئيس البرلمان، وقال لي : هناك شخص من وهران سيتصل بك وألتمس منك أن تنظر في أمره بما تستطيع.
قلت له : إلتماسك أمر يمكنك أن تعطيه رقمي وسأفعل ما أستطيع .
تبسم الشيخ شيبان واردف قائلا: إن لم يعجبك فاعلم بأنه من الوفاء التواصل معه لأن أباه رحمه الله السيد ( أمحمد الشريف ) من معسكر، كان من محبي وداعمي جمعية العلماء ومحبي الشيخين إبن باديس والابراهيمي رحمهما الله سنوات الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي.
أحسست أن الشيخ شيبان وضع في رقبتي مسؤولية كبيرة، كنت أنتظر المكالمة، بعد يومين جاءتني مكالمة ليقول لي صاحبها : أنا (عثمان الشريف) من طرف الشيخ عبدالرحمن شيبان .
رحبت به من خلال الهاتف، لم أكن أعرف الرجل ولا أسمع به، وقلت له : لقد أوصاني الشيخ وأنا في الخدمة.
قال: إذا عندك فاكس سأرسل لك الموضوع.
وصلتني منه رسالة، لم يكن الموضوع ذي بال، حولته إلى الجهات المختصة، بعد أيام جاءني الجواب بالإيجاب أرسلته له، شكرني برسالة جد مهذبة عبر الفاكس، توقفت إتصالاتنا هنا، سألت عنه الإخوة من وهران ، فأخبروني بأنه من أعيان وهران ومن ذوي النفوذ بها وصاحب أملاك كثيرة، تساءلت في نفسي كيف يطلب مني شخص كهذا أمرا بسيطا، مرّتْ الأيام والأسابيع والأشهر، ثم جاءتني منه دعوة لحضور لقاء عائلي تكريما لأخته الكاتبة، لَبَّيْتُ الدعوة وانطلقت مع بعض الإخوة إلى وهران، كان موعدنا في فندقه ( فينيكس ) قرب المطار، إستقبلونا بحفاوة بالغة، هنا لقيت( عثمان الشريف) لأول مرة مربوع القامة، الابتسامة لا تفارق محياه، هندام آخر شياكة، بعد التحية والسلام ، أمر أحد عمال الفندق بأخذ أغراضي واغراض مرافقي إلى الغرف المهيأة لنا، إسترحنا قليلا، ثم إلتحقنا بهم في القاعة الكبيرة، كل عائلته كانت حاضرة، وجدت نفسي في عالم آخر غير الذي كنت أتخيله ، حمدت الله أنني أعرف هذه العوالم من كثرة مخالطاتي وأسفاري فلم أنبهر، هنالك تذكرت إبتسامة الشيخ شيبان وقوله لي ( إذا لم يعجبك ... ) عرَّفني بالحضور واحدا واحدا، ثم قدمني لهم، تناولنا طعام الغداء، ثم تقدمت السيدة ( آمنة الشريف ) أخت السيد ( عثمان ) وهي زوجة سعادة السفير ( بن سعدون ) وبدأت في عرض بعض كتاباتها، عن الجزائر، عن الاخلاق، عن القيم، عن المستقبل، بعد التكريم جلست طويلا مع السيد (عثمان ) كنت فضوليا للتعرف عليه أكثر ، واظن أنه هو كذلك، تكلمنا في العموميات، كأنها حصة تعارف والبحث عن نقاط الالتقاء، فكانت الجزائر بكل ما فيها من ماضي وحاضر ومستقبل هي مجال التوافق ونقطة التقاطع، تكلمنا عن السياسة عن الاقتصاد عن الشعب عن الشباب، قضينا يومين على تلك الحال ثم رجعت إلى العاصمة واتفقنا أن نتواصل ...
مع مرور الأيام تعرفت على الرجل جيدا، كما عرفني جيدا، فأصبحنا دوما في حوارات ونقاشات وأخذ ورد، كل واحد يريد أن يقنع الآخر بما هو عليه، مع الاحترام المتبادل بيننا. كنت أخبر الشيخ شيبان عن لقاءاتنا وكان يشجعني في اعتبار ذلك دعوة ووفاء.
كانت لنا لقاءات عديدة في العاصمة أو في وهران، دعاني عدة مرات للسفر معه إلى الخارج فلم أفعل، جاءت كورونا بداية 2020 واصبحنا نتواصل فقط بالهاتف، قبل أشهر إنتقل ( عثمان الشريف ) إلى أوروبا في رحلة علاج بين فرنسا وإسبانيا، وبقينا في تواصل هاتفي، وهناك، قبل أيام، وافته المنية، رحمه الله، في ( أليكانت Alicante ) وقد بلغ عمره 84 سنة، علمت الخبر من أحد الأصدقاء (المختار ) ، إتصلت بأبنائه للتعزية وعزمت أن أزورهم في أول سفرية إلى وهران.
جاءت الفرصة في هذه الرحلة،فلما وصلت وهران إتصلت بإبنه كريم، وهو رئيس غرفة الصناعة والتجارة لولاية وهران، في الموعد إستقبلنا ( كريم الشريف وأمه) في إقامتهم في وسط مدينة وهران، صور المرحوم وشهاداته ونياشينه تزين البهو والصالون، قبل أن نأخذ مجالسنا قدمت للسيد كريم مرافقي ( الاستاذ عبدالرحمن جناد، الدكتور بوذراع ابراهيم، الاخ مسعود العايبي، السيد يحي، السيد بلال، السيد محسن كان يعرفه من قبل) ثم جلسنا وبدأ كلامنا عن المرحوم ( عثمان الشريف ) وعن أبيه ( أحمد الشريف ) وعلاقته بجمعية العلماء وابن باديس، وعن دور العائلة في ثورة التحرير، كنت أعرف الكثير من خلال الشيخ شيبان وما كان يحكيه لي السيد عثمان عن التسلح، الحدود، إلتحاقه بالثورة، دخوله السجن، الاستقلال، التجارة وقضايا أخرى، قبل أن نغادر سألت (أم كريم) ماذا تحب أن تسمع من القرآن الكريم،
قالت : الفاتحة !
أطلق الدكتور إبراهيم العنان لحنجرته بذاك اللحن الجذاب الشذي ( التعوذ والبسملة ثم أواخر سورة الزمر بدأ من قوله تعالى " ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ... إلى آخر السورة ... وقيل الحمد لله رب العالمين"، ثم ... الفاتحة ) كانت جلسة موقرة، إنكسار، تدبر، خشوع، الجميع يبكي، ثم كان الدعاء تخللته توجيهات أكدت فيها على الدعاء له ولأبيه خاصة أثناء الصلاة، والصدقة عليه، وصلة الرحم وغيرها من أعمال البر، واوصينا السيد كريم بأمه وإخوته ... ثم ودعناهم لننتقل إلى المحطة التالية.
د. عبدالقادر سماري

