الدكتورعبد القادر سماري

صور ومعاني :

صور ومعاني :
طلب مني بعض الأصدقاء تغيير صورة الغلاف ( photo de couverture ) على صفحتي في الفايس بوك.
جلست أمام مجموعة كبيرة من الصور التي أحتفظ بها أفكر أيها أختار، قررت أن أزاوج بين محطات مختلفة لها دلالاتها في حياتي ومسيرتي، وكان أمامي خيارات كثيرة، أذكر منها : صورة جدي ( الحاج الضيف سماري رحمه الله ) الذي عشت معه 13 سنة وأنا غلام، أتذكر منها الكثير، تعلمت منه بداية كتابة الحروف والنطق بها، وحفظت على يديه بعض سور القرآن، ورأيت فيه الشهامة والنباهة، العزة والرفعة والكرم، ثم صورة أمي ( جميلة سلوم رحمها الله) التي سهرت على تربيتي ومرافقتي في مسيرتي وارضعتني حب الاسلام والقرآن والجزائر والوفاء والصبر، ثم كانت أمامي صور إخوتي( 02 ) وأخواتي (07) الذين تربيت معهم في كنف أسرة كان همها العلم والقرآن والتربية والتضحية والفداء، ثم كانت أمامي صور طفولتي وشبابي ومراحل حياتي المختلفة التي أتذكر الكثير منها، حُلوِها ومُرِّها، أفراحها وأحزانها، آلامها وآمالها، ثم تصفحت صور الأصدقاء والاحباب، من داخل الوطن وخارجه، الذين شاءت الأقدار أن أتقاسم معهم أجزاء من حياتي في مراحل مختلفة ومجالات متنوعة، علميا ورياضيا ودعويا وسياسيا وبرلمانيا وعاطفيا، كانت أمامي أيضا مجموعة كبيرة من صور أساتذتي ومعلمي وشيوخي في مختلف الفنون الذين لهم علي أفضال كثيرة لن أنساها لهم، ثم عَرَّجت على صور الشخصيات والمسؤولين من رؤساء ووزراء وقادة أحزاب وحركات الذين إلتقيتهم وكانت لي معهم وقفات وجلسات أخذا وعطاء، وكان بين يدي أيضا صور أبنائي وإبنتي وأحفادي وأهل بيتي، زوجتي وكناتي وزوج إبنتي، الذين أتواصل معهم استفيد من نصائحهم وملاحظاتهم آملا أن يكملوا الطريق الذي بدأناه معا خدمة للإسلام وللجزائر، ثم كانت أمامي أيضا صور بلدان وأوطان زرتها وتعرفت على أحوالها ....
وأخيرا كان علي أن أختار، وبصراحة كان الامر سهلا ممتنعا، سهل لأنني أعرف ما أريد، وممتنع لانه لا يمكن المفاضلة بين ما ذكرت، فكل واحدة أفضل من غيرها، وتذكرت مقولة أحدهم وهو يصف محبوبته فقال: ( كلُّ ما فيها أجمل من كلِّ ما فيها )، فكل ما عندي من الصور أفضل من كل ما عندي من الصور ... إخترت 6 رموز، 6 مراجع، 6 علامات لأجعلها في غلاف صفحتي على هذا الفضاء، وها أنا ذا أجدني مترددا شيئا ما بأيِّها أبدأ لتقديمها، زمرة أخرى أقول أنني لا أفاضل بين هذه الرموز الستة، فأقول:
1- الرمز الاول : والدي سيدي عمار رحمه الله، الذي عاش للقران وللجزائر، تعلم القرآن وعلمه، ناضل وجاهد ضد الكفر وملته، وبعد الاستقلال إعتزل كل شيء إلا القرآن وصلة الأرحام، رزقه الله 12 ولدا، رباهم على العلم والقرآن العفاف والكفاف، رافقتني في مسيرتي سافرت معه كثيرا ... فلما إشتد عودي وانهيت دراستي وعينت في أول منصب لي وبدأت حياتي ... رحل رحمه الله إلى جوار ربه ولا تزال آخر نصائحه لي تتردد في مسمعي... اللهم اغفر له وارحمه واحشره في زمرة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه.
2- الرمز الثاني : الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، تعرفت عليه في ريعان شبابي ولما أبلغ 25 سنة من عمري، تذاكرنا الليالي الطوال، كلامنا كله عن الإسلام والجزائر وفلسطين والأمة، وسافرنا كثيرا، تعلمنا منه الصدع بالحق في غير عنف، وخدمة الوطن في غير تملق، والتواصل مع الجميع وكسب ود المنافس مثل الصديق، ونكران الذات وتقديم الشباب، وفتح الأبواب وعدم الجري وراء السراب والاعتراف لاهل الفضل بفضلهم ... حين إلتقينا أول مرة وبعد حوار طويل أقنعني بما هو عليه قلت له:سأبقى على العهد ما حييت ومااستطعت إلى أن يفرق بيننا الموت ... وذاك ما كان... فرحل رحمه الله بعد أن أرسى قواعد عمل يتبقى شاهدة له إلى يوم الدين... رحمه الله واسكنه فسيح جناته.
3- الرمز الثالث: الشيخ عبدالرحمن شيبان رحمه الله، وريث إبن باديس والابراهيمي وبن بولعيد، له أفضال علي لا أحصيها، أثر علي بسلوكه وأخلاقه قبل كلامه وبيانه، رافقته عشر سنوات، رأيت فيه الخادم لدينه دون تشدد ولا تعصب، الخادم لوطنه دون طمع أو تزلف، فهو الداعية الرحيم، والوزير الأمين، لم يمنعه دينه وأخلاقه أن يكون حسن المصاحبة حسن المنطق حسن الهندام، تجاوز التسعين وقلبه وهمته وعطاؤه كصاحب العشرين، وإن كنت ناسيا فلن أنسى نصائحه لي حين عُينت وزيرا، ثم كنت له مستشارا وهو على رأس جمعية العلماء ... فلما قوي عودها واستوت وأدى الذي لها عليه دعاني ذات يوم وهو في مرضه فأملى علي وصيته، وبعد يومين ... رحل إلى جوار ربه ... رحمه الله وأحسن مثواه.
4- الرمز الرابع: الشيخ (باي بلعالم رحمه الله)، هذا العالم الورع التقي الذي لازلنا لم نوفه حقه، تعارفنا في بيت الله الحرام، في السطح عند القباب الثلاث، ثم توطت علاقتنا، وأصبحت له من المريدين، سافرت إليه إلى زاويته العامرة في ( أولف ب أدرار ) وأخذت عنه الكثير وليس بالكثير، كان بحرا لا شاطيء له، وبئرا لا قاع له، يغرف من المحيطات، يخرج من فمه الجمان واللؤلؤ والمرجان، فاهمٌ لأصول الدين، متبصرٌ لمقاصد الشرع، عالمٌ بأحوال البشر، نصائحه درر، ومواعظه عبر، زارني مرات ورددت الزيارة، مجالسه كلها علمٌ وذكرٌ وفكر ... نشر علمه في كل ربوع الجزائر ليبقى شاهدا عليها ... ثم رحل إلى جوار ربه أسأل الله له الرحمة والمغفرة.
5- الرمز الخامس : فلسطين التي خصها الله في كتابه الكريم ب ( الأرض المباركة ) هذا الجزء من العالم الذي أحببناه وعشقناه، ترنو نفوسنا للصلاة في أقصاه، ونسعى مع المخلصين لفك الأغلال عنه وتحريره، شددنا الرحال في صائفة 2002 مع أبنائي للذهاب إليها فوصلنا إلى حدودها الشمالية مع لبنان إلى بوابة فاطمة، وقبلها سنة 1998 كنا قد قطعنا مع ثلة من أحبابنا كل الشريط الفاصل بينها وبين الاردن حتى تراءت لنا القدس، وفي 2010،2011، دخلتها ثلاث مرات من رفح إلى غزة طالبا الشهادة، ولم ننلها، فلسطين رمز وعهد ووعد وأمانة ستبقى شاهدة وسيأتي يوم تحريرها.
6- الرمز السادس : الذي كان بالإمكان البدء به، الجزائر، هذا الوطن الذي اختاره الله لنا ليكون مسقط رأسنا، ترعرعنا به، تعلمنا به، ننعم في أرضه، نستنشق هواه ونحتمي بسماه ... الجزائر، الجزائر التي تجولت في ربوعها، صعدت جبالها، سبحت في شطآنها، تسلقت أشجارها، سحت في سهولها وهضابها، فتنتني رمال صحرائها، كما أبهرتني غابات تِلالها، وسحرتني آثارها ومآثرها.
الجزائر التي أرى أن خدمتها والحفاظ عليها والدفاع عن شعبها والارتقاء بشبابها وتقوية مؤسساتها هو دين في رقبة كل حر شريف من أبنائها، الجزائر التي كانت وستبقى أمانة وعهدا نرعاه ونوفي لها ما علينا تجاهها.
الجزائر التي يمكن أن تكون أفضل بكثير مما هي عليه ... وستكون كذلك بفضل الله أولا ثم بحرص وتضحية وجهد ومواظبة أبنائها.
هذه رموز ست ستكون ملهمة لي كلما فتحت هذه الصفحة.
د. عبدالقادر سماري