الدكتورعبد القادر سماري

اليوم 5 جويلية عيد الاستقلال سنكمل معكم قصة الشهيد ( لخضر سماري رحمه الله) !

3 سلسلة · 3 من 3قصة الشهيد ( لخضر سماري رحمه الله)

اليوم 5 جويلية عيد الاستقلال سنكمل معكم قصة الشهيد ( لخضر سماري رحمه الله) !
يقول المجاهد السيد ( سي البشير بليليطة حفظه الله) رفيق الشهيد :
بعدما تناولنا العشاء في المزرعة الثانية جيء لنا بالبغال والمرافقين وانطلقنا نحو الجنوب، مررنا بجبل يوسف، ثم بمنطقة سكرين وأخيرا وصلنا إلى جبال بوطالب، كانت ليلة طويلة جدا لم نكن نعرف ماذا يحدث ومع من نلتقي وكيف يكون العمل، المهم أننا إنتهينا من كابوس الثكنة الفرنسية ونحن الآن بين يدي إخواننا، بتنا ليلتنا في شبه بيوت وشبه غطاء، مع التعب والمفاجآت نمنا نوما عميقا، وفي الصباح بدأنا نعرف ما معنى الثورة، جاءنا مجموعة من الجنود وبدؤونا بالتحقيق، من أنتم ؟
من تعرفون؟
من كان حلقة الاتصال بكم؟
ماذا تعلمتم في الثكنة؟
كيف هو الوضع داخل الثكنة؟
كيف أخرجتم السلاح؟
لماذا إلتحقتم بنا ؟ ...
المهم مجموعة من الأسئلة لا تنتهي، وكل سؤال يأتي بعده سؤال آخر أو نرجع إلى السؤال الاول واستمر الأمر تقريبا اليوم كله، بعد ذلك أخذوا السيدين ( درافة و الحراشي ) ومنذ ذلك اليوم لم أرهما، ولكنني قبل أيام إلتقيت بإنسان من أولاد صابر وبعد حديث معه أخبرني بأن السيد ( حسان درافة ) خاله وأنه توفي قبل سنوات، المهم أما أنا وسي ( لخضر سماري رحمه الله) فألحقونا بمجموعة من المجاهدين متكونة من 12 عضو، أربعة معهم السلاح والاخرون دون سلاح ، كنا نقوم بالدوريات والعمليات هنا وهناك وكان يرأسنا رجل من بلاد القبائل إسمه ( عمر حيجي ) كان عسكريا بأتم معنى الكلمة، وكان رجلا قويا ذكيا ذو أخلاق عالية يتعامل معنا بحزم ولكن بحنان واحترام، كان مصاب في عينه اليمنى، تعلمنا منه الكثير في النظام والانضباط والتضحية وحب الوطن والدفاع عن الشرف، لم يمكث معنا طويلا حتى إستبدلوه بشخص آخر، قدمه لنا أحد المسؤولين وقال : (سي العمري ) هو المسؤول عليكم، كل الأوامر والقرارات تتنفذ .
أدينا واجب التحية وقدمنا أنفسنا للمسؤول الجديد، ولما بقيت مع سي لخضر قال لي : هذا (سي العمري داوود) كان يدرسني العربية والقرآن مع (سي أحمد عاشور).
ثم بدأنا العمل والدوريات من جديد تحت إمارة سي العمري، كانت أيام قاسية ولكن تعلمنا أيضا الكثير.
( توقف سي البشير عن الكلام، إبتسم وهو ينظر إلى الفراغ، كأنه يبتسم إلى أشخاص آخرين، ثم قال ) مع سي العمري حدثت حادثة لأحد الجنود فتمت معاقبته وربطوه إلى الشجرة، الثورة كانت لا ترحم، جلست مع سي لخضر نتذاكر الأمر وظهر لنا أن خطأ الجندي لا يستدعي تلك العقوبة، فقلت ل سي لخضر: هذا أستاذك ومعامك، والآخر صديقنا وخطأه ليس كبيرا فماذا لو تكلم سي العمري ومنظر في الموضوع.
وافق سي لخضر وذهبنا إلى سي العمري، كان جالسا في ظل شجرة، سلمنا عليه واستأذناه في الكلام عن الجندي المعاقب، وقلنا له أن السيد يعترف بالخطأ وهو رجل مخلص وثقة وأن خطأه لا يستدعي هذه العقوبة وكما أننا هنا جميعا متطوعون في سبيل الله ولربما هذه العقوبة تفتح أبواب الشيطان وتفسد القلوب، فلو تم تخفيف العقوبة وإعادة النظر ... سكت قليلا وهو يفكر ثم قال لنا : هذا صديقكم وأنتم تعرفونه إذهبوا إليه وكلموه ليفهم بأننا في وضع يتطلب الانضباط ولقد أوكلته لكم.
ذهبنا إلى صديقنا وفككنا وثاقه وكلمناه بكل صراحة عما حدث، كان مافهمت وكان ذو رجولة فاعترف بما حدث وعاهدنا أن يكون على أحسن حال ...
مع سي العمري تنقلنا إلى مناطق كثيرة ولعل أهم تنقل كان لنا مع سي العمري داوود هو لما ذهبنا إلى أولاد تبان، بدأت التحضيرات والاستعداد وطلب منا أن نتهيأ ويحضر كل واحد مستلزماته وسلاحه، ومع الليل إنطلقنا ولم يكن عندنا أي خبر عن المكان الذي نقصده، ومع بزوغ الفجر توقفنا عرفنا المنطقة التي وصلناها، كانت جبال أولاد تبان، وهنا بدأ شرح المهمة التي أوكلت لنا وهو أن إجتماعا كبيرا للولاية الأولى سيعقد في أولاد تبان، ويجب أن نكون حذرين ومتفطنين لكل شيء، كنا شبابا فأصبحنا رجالا نحمي المسؤولين والوطن ندافع على شرفنا، كانت ثلاثة أيام أو أربعة هي كل شيء تاريخ الثورة في المنطقة، خاصة أنهم أخبرونا بأن الوضع صعب والثورة تمر بمرحلة حاسمة وأحداث كبيرة كانت في سكيكدة وقسنطينة وبلاد القبائل، فقمنا بالمهمة على أحسن وجه، وتم عقد اللقاء الكبير في أولاد تبان، وقبل المغادرة جمعونا في لقاء وجاء رجلان هما السيدين ( حشيشي المكي و بوزراعة حسن ) والقول علينا محاضرات، عن الجزائر والشعب الجزائر الذي يجب أن يتحرر وعن البطولات المطلوبة منا وعن غدر فرنسا وتنكيلها بنا وأخذها لخيراتنا وقال أحد المتدخلين بأن فرنسا استعملت جميع وسائل البطش وقد حاصرت كل المناطق والآن لازم عملية تعبئة كبيرة لأن هناك تراجع تراجع في الدعم الشعبي وذهب إلى حد القول بأن 5% فقط من الشعب هو الآن داعم للثورة وعليه يجب تكثيف العمليات وتوسيع عملية التجنيد ... كانت كلمات قوية وتفاعل كبير معها متطرف الجنود، ثم افترقنا ورجع كل فوج إلى المنطقة التي كان فيها، ورجعت مجموعتنا إلى بوطالب للقيام بالدوريات والعمليات، وكنت دوما مع ( سي لخضر سماري ) لا نفترق، وفي أحد الأيام جاءنا خبر بأن العسكر الفرنسي سينزل في أحد المناطق في جبال بوطالب، فبحثنا عن مخابيء وقررنا مراقبة المنطقة عن بعد، ولكنهم جاؤوا قبل اليوم الذي أخبرنا عنه، كان بين المكان الذي نزل فيه العدو الفرنسي وبيننا وادي والمسافة بيننا وبينهم ليست كبيرة، ربما 150 أو 200 متر، وما ذلك في منطقة ( أولاد علي ) في بوطالب، فإذا بهم يأتون ومعهم الكلاب يلعبون بها، تابعنا المشهد عن بُعد ثم جلسنا نتشاور ماذا نفعل، والحقيقة أن سي لخضر كان أكثرنا إندفاعا وكان مشهودا له بالشجاعة والإقدام وكان يحسن إستعمال السلاح الذي أخرجه من الثكنة وكان لا يكوده شيء، ثم أننا قلنا ( هذه الزردة ) وهذه الفرصة يجب أن لا نضيعها، فقررنا مهاجمتهم، وافترقنا كي يأتيهم الضرب من أماكن مختلفة، وحددنا مكان نلتقي فيه بعد العملية، كان الوقت في المساء وبدأنا الهجوم دامت العملية بعض ساعات ولما توقف كل شيء كانت الشمس قد بدأت في المغيب فاجتمعنا ولكن ( سي لخضر رحمه الله ) لم يصل، بتنا ليلتنا في ذلك المكان ننتظر ثم في الصباح بدأنا نبحث، ونحن متمنين أن لا يكون العدو الفرنسي قد قبض عليه، وأثناء عملية البحث يقول لنا أحد سكان المنطقة بأنه في أحد الأماكن وقرب أحد البيوت يوجد رجل ميت، فقمنا بدورية حول المكان المذكور لنتأكد بأن المكان آمن، ثم ذهبنا إلى أمام البيت فوجدنا ( الشهيد سي لخضر سماري رحمه الله ) مضروب بعدة رصاصات ولكننا لم تقترب منه ولم تحركه مخافة أن يكون مفخخ فاستعملنا مجموعة من العيدان والأغصان وربطناها بالسيلان ثم حركناه عن بعد حتى تأكدنا بأنه غير مفخخ فاخذناه إلى مكان معلوم ودفناه هناك ونحن نترحم عليه ومتأثرين بفراقه وفرحين أنه لاقى ربه شهيدا في سبيل الله، كان ذلك في جوان 1957، ثم قال لنا ( سي العمري داوود ) أنه سيبلغ عائلته في ( قصر الطير المسمى الآن قصر الابطال ) وحسب ما أبلغتموني بأنهم أخذوا جثمانه رحمه الله إلى مقبرة الشهداء، وهكذا إستشهد عمكم ( سي لخضر رحمه الله ) الحافظ لكتاب الله والشجاع وترك لنا الجزائر أمانة ... وبعد ذلك تم تغيير قائد مجموعتنا فذهب ( سي العمري داوود ) وجاء مكانه ( سي لن جدية ) ، أما أنا ( والكلام ل سي البشير بليليطة ) فقد إنتقلت إلى القاعدة الشرقية بتونس ... وبدأ بحكي من جديد عن مساره في ستونس ثم رجوعه إلى الأوراس لتدريب الجنود ثم ذهابه إلى الولاية السادسة ثم دخوله الولاية الرابعة وملاقات الكثير من قيادات جيش التحرير الوطني ثم دخوله للعاصمة مع بداية الاستقلال والأحداث الكبرى ا،،لتي كانت بين القيادات، وكيف أن الله حفظ هذه البلاد من فتن كبيرة، ثم إلتحاقه بجيش التحرير الوطني ... وهكذا تبدأ قصة جديدة في مسار سي ( البشير ) في موقع مختلفة ( شرشال، تبسة، باتنة ... ) إلى أن تقاعد قبل سنوات، ثم كانت لنا معه صور ودردشات ودعوات للأمة وللجزائر وللشعب وللشباب وللمستقبل ... تطوى صفحة ولنبدأ صفحات ... اللهم أحيينا مسلمين مومنين ثابتين على الحق واقبضنا إليك وأنت راضٍ عنا.
ملاحظة :
تحصلنا على هذه الشهادات بعد بحث ومجهودات كبيرة لتكون شهادة وشاهدة لأهل الفضل ويكون لهم لسان صدق ودعاء دائم لا ينقطع وعبرة لنا والبناء الجزائر حتى لا يضعوا الأمانة.
د. عبدالقادر سماري
د. عبدالقادر سماري