أنت في نعيم لم يحلم به هارون الرشيد !!!
أنت في نعيم لم يحلم به هارون الرشيد !!!
قبل يومين، كلمني بعد الفجر واستأذنني في الزيارة، دخل عليّ مكسور الخاطر، مغرورق العينين، شارد الذهن، جلسنا متقابلين وبيننا طاولة عليها بعض الحلويات وإبريق من الشاي كنت قد أعددت قبل مجيئه، كنت أعلم أن عنده بعض المشاكل مع الزوجة والابناء ولكنها لا ترقى لتحدث فيه كل هذا الأسى والألم الذي أراه عليه، تنهّد بزفير كالحمم وقال : والله إنني تعبان من هذه الحياة .
قلت له : لا عليك تُفرج إن شاء الله، ولكن من فضلك هناك قفل الإنارة أنر الأضواء.
قام من مكانه وأنار الضوء، قلت له : أطفئه .
أطفأه و همَّ بالرجوع إلى مكانه، فقلت له : لا عليك أنره مرة أخرى ثم أطفئه.
فعل ذلك ثم رجع إلى مكانه، وقال : لم أفهم لماذا فعلت ذلك.
تجاهلت تعليقه ثم قلت له : هل السيارة أمام البيت ؟
قال : نعم
قلت : تعالى معي.
جلس في مكان السائق وجلست جنبه.
قلت له : الساعة الآن السابعة صباحا ماذا لو نذهب للعاصمة نزور بعض الأصدقاء ونرجع بعد الظهر أو العصر.
قال : فكرة طيبة.
شغّل المحرك بربع دائرة من المفتاح، وبدأ يدوس على المسرّع ( accélérateur ) وقال : نتوكل على الله.
فتحت باب السيارة لأنزل وقلت له: تعالى ندخل لنكمل بعض الأمور.
سبقته للداخل، وأفرغت الشاي في كوبين، وقدمت له الحلويات ( مقروط و رفيس تونسي )، ثم قلت له : كيف حال الولد ( فلان )
قال: أنت تعرف أنه تركنا وذهب في مغامرة للخارج وهو الآن في البرتغال ولست أعلم بحاله وهذه بعض مشاكلي.
قلت : هذه فرصة أحب أن أكلمه حاول تتصل به عن طريق الواتساب
قال: ربما يكون نائما عندهم الساعة متأخرة عنا.
قلت: حاول .
مع أول رنة الهاتف ظهرت صورة الابن وبدأنا ندردش بالفيديو، صوتا وصورة، سؤال عن الاحوال، عن الصلاة، عن لشبونة، قضينا معه وقتا طيبا، واطمأننا عليه.
بعد ذلك قمت من مكاني واحضرت قنينة ماء بارد من البراد مع كوبين، جلست في مكاني ملأت الكوبين، دفعت إليه أحدهما وأخذت الثاني وبدأت أرتشف الماء، أمتصه مصّا مستمتعا له ، بقيت على تلك الحالة دقيقتين أو أكثر وأنا بين الشاي والحلويات والماء البارد دون أن أتكلم، ساد الصمت بيننا برهة، ثم قطعه صاحبي قائلا: جيت لأشكو لك همي وها أنت تعمل أمور لم أفهمها.
تجاهلت مرة أخرى كلامه وشغّلت التلفاز على قناة فيها الطرائف والمُلح والنكت والشعر وتظاهرت بأنني غارق في متابعتها إبتسامة ورفع الرأي وأحيانا أتكلف الضحك بصوت، وكنت أرقبه بطرف عيني، تيقنت أنه كان محتارا من تصرفاتي، وينقل بصره بيني وبين التلفاز ... ثم قال : يا سي عبدالقادر واش بيك.
قلت له : ماذا تقصد
قال : قل لي أي شيء فيما نحن فيه في هذه الحياة.
قلت: تقصد هذه النعم التي لم يحلم بها الخليفة هارون الرشيد.
قال مستغربا : كيف ذلك.
قلت : تابع معي جيدا ما أقول، ماذا يحتاج هارون الرشيد إذا أراد أن يضيء قنديلا من زيت وفتائل، وماذا يتطلب منه ليذهب من بغداد إلى سامراء والبعد بينهما 130 كيلومتر فكم حصان وكم عربة وما هي المؤونة لذلك، واذا أرسل أحد أبنائه الأمين أو المأمون لغزوة ولأمر ما، إلى الكوفة مثلا أو إلى البصرة فكم يتطلب من وقت ليعرف أحواله، ثم لتحضير الشاي والمرطبات والحلويات ماذا يتطلب ذلك، أما الماء البارد في عز الصيف فيحكى أنهم كانوا يرسلون الخدم إلى أعالي بلاد الشمال لياتوا بالثلج ويحفظونه بطرق مختلفة ليصل إلى قصر الخليفة وقد ذاب معظمه ليوضع فوق موائد الخليفة، واذا أراد الخليفة أن يروح على نفسه فهذا شغل آخر يحتاج أن يبحثوا له عن حكواتي ويستقدم الشعراء والقصاصين ... أما أنت ألا ترى ما نحن فيه :
- إنارة الضوء بحركة بسيطة من أصبعك.
- تشغيل السيارة واستعداد 130 حصان للانطلاق في رمشة عين
- تتصل بإبنك على ضفاف المحيط الأطلسي وتكلمه مشافهة
- شاي وحلويات حاضرين بكل بساطة.
- ماء بارد في عز الصيف وفي كل حين.
وأخيرا شِعر وقصص ونكت وطرائف من كل الانواع تتابعها عبر التلفاز وأنت مستلق على فراشك ...
أليست هذه النعم مما لم يحلم به هارون الرشيد ولا غيره من ملوك وسلاطين الأزمنة الغابرة، بل أنت أحسن حال منهم لهمومهم ومشاكلهم ...
نظر إلي صاحبي تبسم إبتسامة عريضة ثم ضحك حتى بدت نواجذه واستلقى على الأريكة ثم قال : والله لقد صدقت عندنا كل شيء ونحرم أنفسنا منها، وما جئتك من أجله أمور تافهة تافهة تافهة ... ثم قال لي : رجاء أكتب ما حدث بيننا في صفحتك ...
مر يومان فإذا بصاحبي يكلمني في الهاتف ويقول لي : لماذا لم تكتب عن هارون الرشيد .
وعدته خيرا وها أنا ذا أكتب القصة.
وأخيرا أقول : مصيبة الكثير منا نكران النعم، والغفلة عن المنعم.
د. عبدالقادر سماري