الدكتورعبد القادر سماري

من مانشستر إلى برمنغهام ثم ليفربول مع أول مسجد في بريطانيا ... ثم ختاما بلاد الغال:

من مانشستر إلى برمنغهام ثم ليفربول مع أول مسجد في بريطانيا ... ثم ختاما بلاد الغال:
رجعنا أول أمس ليلا من برمنغهام birmangham إلى مانشستر، manchester حيث قضينا ليلتنا، وبالأمس، الاثنين صباحا، تشاورنا إلى أين نذهب وكل شيء مغلق بسبب جنازة الملكة ( إليزابث II )،
تذكرت السيد الاستاذ ( عبدالرحمن الكواكبي رحمه الله ) صاحب كتاب ( طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد)، وكنت قبل سنوات قد قرأت له كتاب ( أم القرى )، ولتأليف هذا الكتاب قصة ربما نذكرها مرة أخرى، المهم أنه ذكر فيه رجلا إنكليزيا مسلما من ليفربول Liverpool، حدثت أصحابي عنه، بحث أحدهم في الانترنت ثم قال : إن الشيخ قوقل يقول بأن أول مسجد في انكلترا يوجد في ليفربول فعزمنا على زيارته ومنه نذهب إلى بلاد الغال فهي قريبة، بعد تناول فطور الصباح، خرجنا من مانشستر في سيارة كبيرة تنقلنا جميعا، سائحين في أرض الله، كانت رحلتنا كلها مدارسة لمواضيع ذات صلة بسؤال وحيد ( كيف نفيد ديننا ووطننا؟) تمنيت لو سجلناها، وصلنا ليفربول قرابة العاشرة صباحا، الحركة منعدمة، والناس في بيوتهم يتابعون تشييع جنازة ملكتهم، بحثنا عن الشارع الذي به مسجد ليفربول، وجدنا في واجهة إحدى البنايات لافتة صغيرة مكتوب عليها بالانجليزية :
England's first mosque
ما معناه (المسجد الاول في إنجلترا )
كانت البوابة الخارجية مفتوحة، دخلنا فإذا بنا أمام بناية طويلة لها عدة أبواب، لم نر أي حركة، هممنا بالانصراف ولكنني أصررت وقلت لرفقائي: من لا يبادر لا ينال شيئا!
فتقدمت من البوابة التي غلب على ظني أنها بوابة المسجد، وطرقتها طرقا خفيفا على إستحياء وداومت على الطرق، رأينا في الطابق العلوي نورا أضيء فاستبشرنا خيرا، فتح الباب رجل في الخمسينات من عمره، خاطبناه بالانجليزية مستفسرين إذا كان هذا هو المسجد، أجابنا بالعربية ( أي نعم ) قدمنا أنفسنا ولأننا عابري سبيل نرغب في زيارة المسجد، قدم نفسه ( الاستاذ محمد علي ) ثم دعانا للدخول وبدأ يقدم لنا شرحا مستفيضا عن نشأة هذا المسجد في سنوات 1880، حيث أن السيد (ويليام هنري كويليام) الذي كان من أسرة ثرية وعريقة وكان محاميا ثم أنه بحث في أصول الأديان وسافر إلى بلاد المسلمين فهداه الله فأسلم وغير إسمه إلى ( عبدالله كويليام ) وجعل مكتبه مسجدا يدعو فيه الناس للإسلام ويعرفهم به، ثم اشترى بعض المكاتب في هذه البناية لتوسعة المسجد، لقد أختاره الله ليس فقط ليسلم ولكن داعيا إلى الله وهاديا إلى الصراط المستقيم، ولكن بعد وفاته سنة 1932، ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية تم إغلاق المسجد، وبقي مغلقا إلى غاية سنة 2008 لما أختيرت ليفربول عاصمة الثقافة البريطانية فقامت البلدية بترميم المسجد وفتحه للسواح، وأثناء ذلك جاء الدكتور ( محمد أخبار علي) وطالب به بلدية ليفربول وفي سنة 2014 أعيد فتحه واسترجعه المسلمون، وبدأ العدد يتكاثر إلى أن اشترى المسلمون كل البناية، التي بها قاعات كبيرة للصلاة، وسكنات للطلبة، ومطبخ على الطراز القديم، ومرافق للوضوء، ومرأب للسيارات، وقاعات للدراسة، وافواج لتحفيظ القرآن، وفناء واسع هم الآن في دراسة، ثم قال لنا : والحمد لله في ليفربول الآن مساجد ومصليات كثيرة وكلها عامرة، إستبشرنا خيرا ثم توضأنا وصلينا ركعات وودعنا صاحبنا ... ثم يمَّمْنا صوب ( بلاد الغال Pays de Galles ) وهي المكون الرابع ل ( بريطانيا العظمى) مع ( انكلترا، سكوتلاندا، إيرلندا الشمالية )، لها تاريخها وثقافتها ولغتها وعاداتها الخاصة بل حتى تضاريسها تختلف عن أنكلترا وكذلك في الطابع العمراني، أراضيها متواصلة مع إنكلترا، وهي تقع على الضفة الشرقية ل ( بحر إيرلندا ) المتواصل مع المحيط الأطلسي، مررنا ببعض القرى والمزارع والغابات والحقول العامرة بالبقر والأغنام، ثم دخلنا مدينة Rhyl ، مدينة بحرية، هادئة، سكانها تظهر عليهم الطيبة والترحاب، قربت صلاة بحثنا عن مصلى أو مسجد،
بناية قديمة على الطريق الرئيسي مكتوب على بابها :
Islamic cultural center
إنتظرنا إلى أن فتحت الابواب، صلينا ركيعات، ثم أذَّن المؤذن، وطلبوا منا أن نتقدم للصلاة اعتذرنا لأننا مسافرون ولكنهم أصروا وقالوا لنا: أنتم تُقْصِرون ونحن نكمل، صلينا الظهر والعصر جمعا وقصرا، ثم طفنا بالمسجد الذي به مرافق للوضوء، وقاعة كبيرة للمحاضرات، وجناح مخصص للنساء استفسرنا عن نشأته، قيل لنا أنه كان كنيسة هجرها المسيحيون فاشتراها المسلمون منذ سنة 2015 وهم الآن يسعون لتطويرها وتوظيف مختلف جوانبها، شكرناهم ثم خرجنا وقمنا بجولة في المدينة وشواطئها هالني منظر العدد الكبير من منصات توليد الكهرباء بطاقة الرياح المنتشرة في البحر، كما لفت إنتباهي عدد البيوت والمؤسسات
المزودة على أسطحها بخلايا الطاقة الشمسية رغم أن أوقات الحر فيها قليلة مقارنة ببلداننا، فعلمت أن القوم يستعدون للاستغناء عن البترول والغاز بالطاقات البديلة والنظيفة ... بعد ذلك قفلنا راجعين إلى مانشستر حيث زرنا بعض مرافقها ومعالمها العلمية والفنية والرياضية... ومنها إلى نيوكاسل لنصلها بعد صلاة العشاء ... الصحبة الصالحة تفيد في الحل والترحال ... وارض الله واسعة ... ودينه سيهيمن، بنا أو بغيرنا ... والله متم نوره...
د. عبدالقادر سماري