يأتي إسمه عابرا مع جموع الاسماء الذين عرفتهم في مسيرتي وبعد ساعة يأتينا خبر وفاته، فهل نتعظ ونعرف لأهل الفضل فضلهم ولو كان قليلا، ونستفيد منهم قبل أن يغادرونا في صمت :
يأتي إسمه عابرا مع جموع الاسماء الذين عرفتهم في مسيرتي وبعد ساعة يأتينا خبر وفاته، فهل نتعظ ونعرف لأهل الفضل فضلهم ولو كان قليلا، ونستفيد منهم قبل أن يغادرونا في صمت :
زارني بالأمس أحد الإخوان الأفاضل الاستاذ الصديق ( ن.) جلسنا في جلسة إيمانية ربانية، تمحور حديثنا حول ثلاث كلمات :
- الاسلام
- الجزائر
- الحركة
وخلال الحديث وبث الاشجان بدأنا في استعراض عشرات بل مئات الأسماء من الرواحل الذين كان لهم السبق في إيقاظ الهمم وحمل الرسالة وبعث الصحوة ونشر الدعوة في ربوع وطننا العزيز بعد أن كادت الاشتراكية والشيوعية والفرنكوفونية أن تعم البلاد، فكانوا روادا وحملة مشروع لا همَّ لهم سوى إحياء الدين في النفوس وبعث الأمل واستكمال رسالة الشهداء والعمل لرفعة الوطن وسؤدده ورفاهية الشعب وعزته، فأدوا الذي عليهم دون منٍّ ولا أذى.
وها هم اليوم يطويهم النسيان بين شباب هذه الأيام، لست أدري هل يتم ذلك بإرادة وسبق إصرار أم هي الغفلة، هم لم ينسحبوا من الميدان بل لايزالون رواحل معطائين في مجالات وفضاءات أخرى وجب الاستفادة منهم، وبدأتْ أطيافُ بعضهم تمر بخاطري ورُحت أسْرُدُ أسماءهم، لزائري، من شرق الجزائر إلى وسطها ثم غربها، تكاد العَبَرات تسبقني فأحبسها، لكل واحد منهم قصة وحكاية بل ملحمة وملاحم، وكان طيف أخي محمد بلخرشوش رحمه الله من بين الأطياف واسمه من بين الأسماء، ولم أكن أدري أنه في تلك اللحظات، وأنا أسوق الاسماء، وكانت الساعة الحادية عشر صباحا بتوقيت الجزائر، الواحدة بتوقيت إسطنبول، في تلك اللحظات كان يلفظ أنفاسه الأخيرة لترتقي روحه إلى بارئها، راضية مرضية بإذن الله، بعد أن قضى كل حياته خادما للدين منافحا عن الوطن ناشرا للفضائل فاعلا للخير ... يموت أخي محمد رحمه الله كما مات الكثيرون قبله، من الأهل والاحباب والإخوان وغيرهم، وكما سنموت نحن يوما ما ويتم نَعْيُنا ... إشارتي وكلمتي وغايتي من هذا المنشور لشباب أمتنا ودعوتنا : أنتم شباب، بعد سنوات ستكونون كهولا ثم شيوخا وبعد عمر طويل أتمناه لكم بموفور الصحة والعافية والأمن والايمان ستنتقلون مثل سابقيكم إلى الجانب الآخر المحتوم، فاحرصوا كل الحرص على التواصل مع بعضكم البعض ومع أسلافكم لتتراكم التجربة وتُستكمل حلقات الأمة ويأخذ اللاحق عن السابق بعض تجاربه ثم يورِّثها لمن يأتي بعده في تواصل يعيد للأمة مجدها وللدين مكانته ... إن الأمم لا تسود ولا تقود ولا تسمو ولا تتمكن إلا بتواصل أجيالها وتراكم تجاربها فلا يخدعوكم بصراع الأجيال واستبعاد السابقين، ونسيان السلف.
(( وَمَنْ تَنَكَّرَ لِسابِقِهِ وأبعده، تَنَكَّر له لاحقه وأبعده، لأنه ورث عنه التنكر والإبعاد. )) وتكون الخسارة لمشروع الأمة ورسالتها ... أما نحن فكلنا مسافرون ...
د. عبدالقادر سماري