من لطائف القرآن
2 سلسلة · 2 من 3من لطائف القرآنمن لطائف القرآن
) وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ (النور 55
هذه الآية من سورة النور التي قال عنها الشيخ الشعراوي رحمه الله : إنها سُمِّيَتْ بالنور؛ لأنها تبين للناس النور الحسيّ في الكون، وتقيس عليه النور المعنوي في القيم.
هذه الآية التي تتناول وعد الله بالتمكين و الغلبة ضمن سورة تتناول في معظمها القيم الضرورية للأسرة التي هي الخلية الأساسية في المجتمع المسلم ، و هي جديرة بالاهتمام و التدبر ، خاصة من حاملي المشروع و طالبي الحق ، فليستعن الإخوة ببعض التفاسير التي أسوقها إليهم في هذه العجالة لعل الله ينفع بها.
(قال ابن كثير)هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمة الناس، والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد. وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمناً وحكماً فيهم، وقد فعله تبارك وتعالى، وله الحمد والمنة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر وإسكندرية، وهو المقوقس، وملوك عمان، والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة رحمه الله وأكرمه
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان عن أبي سلمة عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والدين، والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب "
قال ابن العربي( أبو بكر ): هذا وعد عام في النبوّة والخلافة وإقامة الدعوة وعموم الشريعة، فنفذ الوعد في كل أحد بقدره وعلى حاله؛ حتى في المفتين والقضاة والأئمة.
(قال ابن عادل في اللباب في علوم الكتاب)بلِّغ أيها الرسول وأطيعوا أيها المؤمنون فقد { وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ } أي: الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء والغالبين والمالكين، كما استخلف عليها من قبلهم في زمن داود وسليمان عليهما السلام - وغيرهما، وأنه يمكن لهم دينهم، وتمكينه ذلك بأن يؤيدهم بالنصر والإعزاز، ويبدلهم من بعد خوفهم من العدوّ أمناً، بأن ينصرهم عليهم فيقتلوهم، ويأمنوا بذلك شرهم.
-قال الشيخ الشعراوي (وَعَدَ ٱللَّهُ.. } الوَعْد: بشارة بخير لم يَأْتِ زمنُه بعد، حتى يستعد الناس بالوسيلة له،
الوعد : الاستخلاف و التمكين و ظهور الدين
الوسيلة : الإيمان و العمل الصالح
(ابن الجوزي) (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ } أي: ليجعلنَّهم يخلفُون مَنْ قَبْلهم، والمعنى: ليورثنَّهم أرض الكفار من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها وسكَّانها.
قال ابن عطية : هذا وعد لجميع الأمة في ملك الأرض كلّها تحت كلمة الإسلام؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: " زُوِيَتْ لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ مُلْك أمتي ما زُوِيَ لي منها "
قال ابن عباس: يوسع لهم في البلاد حتى يملكوها ويظهر دينهم على سائر الأديان.
-الماوردي :
( وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ } يعني دين الإِسلام وتمكينه أن يظهره على كل دين.
( وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِم أَمْناً } لأنهم كانوا مطلوبين فطلبوا، ومقهورين فقهروا.
{ يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً } فيه دلالة على أن الذين عناهم لا يتغيرون عن عبادة الله تعالى إلى الشرك. وقال الزجاج يجوز أن يكون في موضع الحال على معنى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات في حال عبادتهم وإخلاصهم لله ليفعلن بهم كيت وكيت ويجوز أن يكون استئنافاً على طريق الثناء عليهم.(الرازي)
(يَعْبُدُونَنِي } هو في موضع الحال؛ أي في حال عبادتهم الله بالإخلاص. ويجوز أن يكون استئنافاً على طريق الثناء عليهم. { لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً } فيه أربعة أقوال: أحدها: لا يعبدون إلٰهاً غيري؛ حكاه النقاش. الثاني: لا يراءون بعبادتي أحداً. الثالث: لا يخافون غيري؛ قاله ابن عباس. الرابع: لا يحبّون غيري؛ قاله مجاهد.
قال سيد قطب رحمه الله : ذلك الإيمان منهج حياة كامل، يتضمن كل ما أمر الله به، ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب، وإعداد العدة، والأخذ بالوسائل، والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض.. أمانة الاستخلاف..
وقال سيد :
فما حقيقة الاستخلاف في الأرض؟
إنها ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم.. إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء؛ وتحقيق المنهج الذي رسمه الله للبشرية كي تسير عليه؛ وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدر لها في الأرض.
-( قال القرطبي)
(وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ } أي بهذه النعم. والمراد كفران النعمة و ليس الكفر بالله
( وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ } أي جحد حق هذه النعم( الرازي)
(ومن كفر بعد ذلك } أي بعد هذه النعمة { فأولئك هم الفاسقون } ذكر الفسق بعد الكفر مع أن الكفر أعظم من الفسق لأن الفسق في كل شيء هو الخروج إلى أكثره فالمعنى أُولئك هم الخارجون إلى أقبح وجوه الكفر وأفحشه. وقيل: معناه من جحد تلك النعمة بعد إنعام الله تعالى بها فأولئك هم العاصون لله عن ابن عباس.
{ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ } يعني: بعد الأمن والتمكين( السمرقندي)
-(قال النسفي)
{ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ } أي بعد الوعد والمراد كفران النعمة كقوله تعالى:
( فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ { النحل: 112] { فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } هم الكاملون في فسقهم حيث كفروا تلك النعمة الجسيمة وجسروا على غمطها. قيل : أول من كفر هذه النعمة قتلة عثمان رضي الله عنه فاقتتلوا بعدما كانوا إخواناً .
-قال الشيخ ابو بكر جابر الجزائري : يستخلص من هذه الاية :
* صدق وعد الله تعالى لأهل الإِيمان وصالح الأعمال.
*وجوب الشكر على النعم بعبادة الله تعالى وحده بما شرع من أنواع العبادات.
*الوعيد الشديد لمن أنعم الله عليه بنعمة أمن ورخاء وسيادة وكرامة فكفر تلك النعم ولم يشكرها فَعَّرضها للزوال.
هذه بعض المعاني عسى الله أن ينفعنا بها في هذا الزمان . و الله الموفق