في أفريل، من سنة 2005، يرن هاتفي، على الخط إمرأة تبكي وتطلب مقابلتي، إستفسرت عن إسمها، تخبرني أنها زوجة فلان أحد الأصدقاء، اعتذرت لأنني كنت مسافرا، أعادت الإتصال عدة مرات ولكنني كنت أعتذر وأتهرب من أي موعد معها، في أحد الأيام تتصل وهي في حالة شبه هستيرية لتقول لي: ( إتق الله وارحمنا، إن لم تتدخل فإن بيت من بيوت المسلمين ستتهدم وتتحمل أنت المسؤولية).
في أفريل، من سنة 2005، يرن هاتفي، على الخط إمرأة تبكي وتطلب مقابلتي، إستفسرت عن إسمها، تخبرني أنها زوجة فلان أحد الأصدقاء، اعتذرت لأنني كنت مسافرا، أعادت الإتصال عدة مرات ولكنني كنت أعتذر وأتهرب من أي موعد معها، في أحد الأيام تتصل وهي في حالة شبه هستيرية لتقول لي: ( إتق الله وارحمنا، إن لم تتدخل فإن بيت من بيوت المسلمين ستتهدم وتتحمل أنت المسؤولية).
أحسست بثقل المسؤولية، حددت لها موعدا على أن لا تأتي وحدها، صبيحة الموعد كنت أضرب أخماساً في أسداس، كنت محتارا عن طبيعة اللقاء، وما هي المشاكل الممكنة التي قد تؤدي إلى هذا الإنهيار المفاجيء، وكيف سنخرج من المشكلة، توكلت على الله وتضرعت له أن يوفقني لما فيه الخير، جاءت السيدة ومعها عجوز قد تكون في العقد السادس أو السابع من عمرها، بعد التحية والسلام، قدمت لي السيدة بأنها أمها، جلستا وقد أعددتُ شيئا من العصير، بادرتها بالسؤال : لا تقولي لي بأن هناك مشكلة بينك وبين زوجك.
قالت: يا الشيخ بيننا مشكلة كبيرة.
كانت مطرقة إلى الأرض، أحسست في كلامها حشرجة وألم، من جهتي لم أكن أرغب في سماع المشكلة ، لأنني أعرف أن للبيوت أسرار بل ولكل واحد منا أسراره الخاصة، وفي لحظة تبادر إلى ذهني مجموعة أسئلة، قررت بيني وبين نفسي أن أهوِّن عليها الأمر وذلك لمعرفتي الظاهرية بزوجها، فهو في العموم إنسان محترم لا أعرف عنه إلا خيرا.
قلت لها: هل ممكن أطرح عليك بعض الأسئلة وتجيبينني بصراحة؟
قالت: تفضل، سأجيبك بقدر المستطاع.
قلت لها : لا تقولي لي بأن السيد يأتي بالخمر للبيت ويرغمكم على الشراب معه.
قالت: أعوذ بالله، لا، لا هذا لم يحدث أبدا.
قلت: إذن لعله يأتي سكران ويضربك ويضرب الاولاد.
قالت : لا، الحمد لله هو بعيد عن هذا الأمر، حتى التدخين لا يدخن.
قلت: ربما يدعو أصحابه للسهر ويطلب منكم مجالستهم.
رفعتْ عينيها، إعتدلتْ في جلستها، نبرة صوتِها أصبحت أكثر وضوحا، زالت منه الحشرجة، وقالت: لا أبدا، هو رجل محترم ولا يرضى بِمثل هذه السلوكيات.
قلت : إذن فلعله يرفض زيارة أبيك وأمك وإخوتك أو يسيء إليهم بالكلام .
قالت : لا، العلاقة معهم طيبة في العموم ولم نصل لهذا الحد ...
ثم رفعتْ صوتَها واستطردتْ في الكلام وهي تستفسر قائلة: ولكن يا الشيخ هل توجد هذه التصرفات في العائلات الجزائرية وفي هذا الزمان.
أغمضتُ عينيَّ، استجمعتُ أنفاسي، ابتلعتُ ريقي، استغفرتُ ربي، ثم قلت لها: صحيح من واجبنا نحن أن نبحث عن المثالية والكمال ، ولكن إعلمي سيدتي أن في الأسر والعائلات توجد العجائب والغرائب، والحكيم من استطاع أن يلملم نفسه وأهله وأقاربه ويحافظ على الحد الأدنى في عائلته ويسعى نحو الأفضل، ولا يندفع إلى تمزيق كل شيء ... ورحت أكلمها عن بعض الأسر التي إستطاعت أن تتجاوز محن ومشاكل كبيرة، وأسر أخرى تشتَّتَتْ لأسباب تافهة ... لاحظت أنها تجاوبت مع الموضوع ، فقطعت كلامي، قلت مخاطبا إياها : لنرجع إلى المشكلة التي بينك وبين الآخ، ما هو سببها وكيف نحلها.
قلت ذلك وأنا كلي أمل أن لا تجيبني.
في تلك اللحظة العجوز إبتسمتْ، السيدة وقفتْ، أخذتْ بيد والدتها، خرجتْ منها زفرة خفيفة، ثم قالت : شكرا جزيلا، رانا بخير والحمد لله، ربي يبقي الستر علينا وعليكم.
واستأذنت للخروج دون أن تذكر طبيعة المشكلة.
شَيَّعْتُهما إلى الباب، ودعتهما، وانصرفتا وفي مُحَيَّاهما إبتسامات الرضى ... بعد ذلك كنت ولازلت أتابع أخبار الأسرة وهي في نعمة وعافية وستر ... والحمد لله رب العالمين.
د. عبدالقادر سماري