الدكتورعبد القادر سماري

إنْ هي إلا ثلاثة أيام، ومهما كانت قُدُسِيَّتها، ومهما كانت قيمتها ...

إنْ هي إلا ثلاثة أيام، ومهما كانت قُدُسِيَّتها، ومهما كانت قيمتها ...
فستنقضي، وتمضي وتبقى آثارها !!
هذه الكلمات عمرها 31 سنة، تذكرتها قبل يومين وأنا في مكالمة مع أخي الاستاذ (عبدالوهاب عبدالنور) رئيس المكتب الولائي ل قسنطينة، ونحن نتحدث عن المؤتمر وإرهاصاته، فقلتها له: إن هي إلا ثلاثة أيام ...
قصة هذه الكلمات: الزمان: شهر جوان 1992،
المكان : البقاع المقدسة في مكة المكرمة.
عزمنا أن نحج، وكانت تلك حجتي الأولى، كنا ثلاثة أنفار رفقاء:
الحاج سليمان دهيري،
الحاج محمد بوليو،
الحاج عبدالقادر سماري،
عزمنا، فتوكلنا على الله، وقصدنا بيت الله الحرام، لم يكن معنا من زاد سوى دريهمات والاحرامات،
أدينا العمرة، وبقينا ننتظر مناسك الحج،
خلال وقت الانتظار، إلتحق جمع كبير من المشايخ والإخوان،
من بينهم :
الشيخ محفوظ نحناح، الشيخ محمد بوسليماني، الشيخ عبدالقادر مناصرية، الشيخ محمد قراط رحمهم الله،
ومن الأحياء: الحاج لخضر بكار، الحاج هيشور عبدالحميد، الحاج جعفر شلي، الحاج عبدالرحمن لخضاري ... وآخرون حفظهم الله.
جلساتنا كانت كلها قرآن، صلاة،ذكر وتدبر، أوقات الفراغ كلامنا كان عن يوم ( عرفات ) وأيام ( منى )، ولقد صور الإخوة تلك الأيام بأنها كلها تعب وإرهاق، ولم أكن أعرف شيئا عنها لأنها حجتي الاولى ...
جاء يوم التروية، بتنا في ( منى) وفجر التاسع من ( ذي الحجة ) إنطلقنا إلى (عرفات)، مساءً رجعنا مَشْيًا،
حدثت قصة طريفة: الحاج (لخضر بكار ) تعب قليلا فأراد النزول إلى (مزدلفة) راكبا،
فقال له الحاج ( هيشور ) لا يجوز،
قال الحاج ( لخضر) ولكنهم قالوا لنا : لا حرج في النزول راكبا،
فقال الحاج (هيشور) : راكبا حديث ضعيف ... ضحكنا ونزلنا كلنا مشيا ... بِتْنا في (مزدلفة).
وفجرا إنطلقنا إلى (منى)، فرأيت عجبا !!!
الحجيج يتسابقون إلى الخيام، في سباق محموم، يحجزون الأماكن، يرتبون أغراضهم كأنهم سيقيمون بها أبد الدهر، يتسابقون إلى الماء، الهرج والمرج في البحث عن الأكل والشراب والأغطية، هذا يحمل كيسا، وذاك حامل ( جزرة خروف) قادم بها من ( المسلخ) ، والآخر ( أجهزة طبخ ) ...
من حين لآخر تسمع الصياح، والشجار، والملاسنات، في إحدى المرات حدثت مشكلة ونزاع في الخيمة المجاورة لنا، طلب مني الشيخ محفوظ رحمه الله أن أذهب مع الحاج ( سليمان) لفك النزاع، جلسنا مع المتنازعين وقلت لهم هذه الكلمات :
((إن هي إلا ثلاثة أيام،
ومهما كانت قُدُسِيَّتها، ومهما كانت قيمتها ...
فستنقضي، وتمضي ولا تبقى إلا آثارها !!))
المهم، إنقضت أيام التشريق،
بدأ الناس في النزول إلى (مكة) منهم المتعجل ومنهم المتأخر،
وهنا رأيت عجبا :
لقد ترك الحجيج وراءهم في ( منى ) كل ما كانوا يحرصون على جَمْعه: ماء، جبن، رز، حليب، لحم، أجهزة، أغطية، كراسي ...
صورة بقيت راسخة في ذهني أبد الآبدين ...
إنقضت الأيام الثلاثة ولم تبق منها إلا آثارها، بل ولربما الكثير نسي تلك الآثار وتلك الأحداث ...
وكم من أحداث حدثت لنا وكنا نظن أنها لا تنقضي ... ولكنها إنقضت ... فهل من معتبر ...
والله من وراء القصد ... جمعة مباركة للجميع ... وبعد لحظات، بإذن الله، سأنطلق من العاصمة نحو رأس الوادي ثم أولاد تبان لنبيت إن شاء الله في سطيف...وغدا صباحا، السبت 4 مارس،إن شاء الله، موعدنا دار الثقافة بمدينة سطيف... أملا في ملاقاة شموسٍ حيث نكون.
د. عبدالقادر سماري