كان هذا بالأمس
كان هذا بالأمس
مع يوم التروية ... وليلة عرفات
كانت هذه النفحات،
مع رجل من رجال الإسلام ، رجال الجزائر،
كم هي لطيفة مقادير الله!
كم هي قوية الإشارات الربانية!
كم هي مؤنسة توارد الخواطر !
يوم أمس، الاثنين صباحا، كنت في فناء البيت بمدينة سطيف، مع سورة الأنبياء: موسى، هارون، ابراهيم، نوح، داوود، سليمان، أيوب، اسماعيل، ادريس، ذي الكفل، ذي النون، زكريا، يحي ، ابن مريم وأمه ... وأنا مع المعاني الخاصة بصفوة الخلق عليهم الصلاة والسلام ...
رن الهاتف، الأستاذ الدكتور ( عبدالكريم دحمان حفظه الله ) يطلبني في بعض القضايا التنظيمية الخاصة بالعاصمة، ثم يطلب مني إفادته بأسماء من أعرف من أصدقاء الشيخ محفوظ نحناح، رحمه الله، من أجل دعوتهم لحضور الملتقى الوطني المزمع عقده يوم :
الجمعة 07 جويلية إبتداء من الساعة الرابعة
في المركز الدولي للمؤتمرات
إحياء لذكرى عيدي الاستقلال والشباب وذكرى رحيل الشيخ محفوظ رحمه الله...
مباشرة بعد المكالمة، رفعت قلمي وبدأت استحضر أسماء الرجال والنساء الذين رافقوا الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله في مسيرته، والذين كانت له بهم علاقة وصداقة وتواصل.
تسابقت الأسماء
تزاحمت الصور
وتداخلت الأطياف
أعداد كثيرة ،
من كل الاتجاهات
من مختلف مناطق الوطن
من مختلف الحساسيات
الكثير منهم غادر دنيانا وفارقنا إلى دار الخلود نسأل الله لنا ولهم الفردوس ...
المطلوب هو من بقي منهم على قيد الحياة
كتبت بعض الاسماء ... ثم وأنا أهم بكتابة إسم آخر فإذا بالهاتف يرن ،
يا سبحان الله الشخص الذي سأكتب إسمه، يطلبني في الهاتف،
وإسمه مسجل في هاتفي
مضى وقت لم نتواصل،
وهو صديق قديم ، بل هو الآخ الأكبر،
كانت لنا صحبة ولاتزال،
لقد كانت له صحبة وعلاقة وطيدة بالشيخ محفوظ نحناح والشيخ بوسليماني رحمهما الله،
بل هو يكبرهما سنا،
وكان عضوا مؤسسا في جمعية الإرشاد والإصلاح ،
ثم عضو المكتب الوطني لحركة المجتمع الإسلامي حماس ،
فكنا معا في المكتب الأول للحركة،
توقفت ثواني قبل الجواب ،
رددت عليه وأنا في شبه ذهول،
بعد التحية والسلام يقول لي : عندي مشروع حول إحياء الأمة من خلال رفع همم الشباب،
وبدأ في شرح الموضوع من جوانبه المختلفة، ثم طلب مني المشاركة في عمل من أعمال البر والخير ... قلت له إنني في مدينة سطيف وبعد قليل سأنتقل إلى مدينة رأس الوادي لأن بعض الشباب أرادوا بعث جمعية الإرشاد والإصلاح من جديد بعد أن توقفت منذ 2008،
رجعنا إلى الماضي ثم ... وتواعدنا أن نلتقي في العاصمة بعد العيد ...
وقبل أن نقطع المكالمة،
قلت له: لما كلمتني كنت بصدد كتابة إسمك
قال لي : وبأي مناسبة
قلت : الجماعة يريدون دعوتك لحضور ذكرى وفاة الشيخ محفوظ وذكرى عيد الاستقلال ...
وشرحت له المناسبة،
تعجب مثلي من هذا القدر،
قلت : وإن شاء الله هذه فرصة لأقدمك لقراء هذه الصفحة
في البداية رفض وقال : دعني مستور الحال ،
ذهبت إلى رأس الوادي بعد الظهر وعقدنا جلسة طيبة مع بعض الشباب ثم رجعت إلى سطيف عند المغرب ...
بعد صلاة المغرب، تواصلت مع صاحبنا وبعد أخذ ورد قَبِل الكتابة عن بعض مسيرته فبدأت كتابة هذا المنشور .
صاحبنا هذا
من مواليد 1939
في مكان اسمه : قلتة سيدي سعد
والده : الحاج أحمد مختاري بوزوينة
من مريدي زاوية : تاخمارت
الواقعة بين : تيارت و فرندة
دفعتهم الظروف القاسية أيام الاستدمار الفرنسي إلى الحل والترحال، واستقر بهم الحال على مشارف مدينة آفلو،
بدأ الدراسة في بلدية آفلو وعمره قد تجاوز العشر سنوات،
ثم انتقلت العائلة لتستقر في مدينة تلمسان ، وبها إلتحق سنة 1954 ب
La madrassa
Lycée franco- musulman
وفي يوم 16 يناير 1956 قامت قوات الاحتلال الفرنسي بإعدام الطبيب المناضل الشهيد ( بنزرجب بن عودة رحمه الله )
فشارك صاحبنا في المظاهرات التي اندلعت في تلمسان ، وكانت تلك أول مظاهرات تلاميذ الثانويات ضد الاحتلال الفرنسي الاي عمت مدن وقرى تلمسان،
ثم انتقل إلى وهران حيث إلتحق بالثانوية التقنية، وفي سنة 1960 وبعد مطاردات من قبل العساكر الفرنسيين، إنتقل إلى باريس أين كان أخويه ( أحمد - عبدالنبي ) يقيمان ، ووجد نفسه في خلية من خلايا جبهة التحرير الوطني بفرنسا ،
وتحت مضايقات البوليس الفرنسي إنتقل إلى بلجيكا إلى مدينة liège ، فسجل في جامعتها ، وكان يجمع بين ثلاث أنشطة :
الدراسة
العمل
النضال في صفوف جبهة التحرير وعلى الخصوص تمرير المجاهدين بين بلجيكا و ألمانيا ( passeur ) .
ومع بزوغ شمس الاستقلال سنة 1962 رجع صاحبنا إلى الجزائر حيث إلتحق بمعهد متعدد التقنيات
Polytechnique
حيث نال سنة 1965 على شهادة مهندس في الاتصال
Ingénieur en télécommunications
وفي نفس السنة 1965 رجع إلى بلجيكا حيث تحصل على منحة في جامعة بروكسال Bruxelles ، وتحصل منها على شهادة الدكتوراه في الفيزياء التطبيقية وذلك سنة 1970، وفي نفس العام يرجع إلى أرض الوطن ليلتحق بجامعة الجزائر كأستاذ ... حدثت له الكثير من المضايقات ... ليرجع إلى بلجيكا ويشتغل في مكتب دراسات تقنية
ثم يرجع إلى الجزائر سنة 1984 ليصبح أستاذا في المدرسة الوطنية العليا للأساتذة بالقبة في مادة الفيزياء، وبها يلتحق بالنشاط الدعوي من خلال المحاضرات والندوات والحلقات فيتعرف على : الاستاذ سعيد مرسي الذي رتب له لقاءات مع الشيخين محفوظ نحناح ومحمد بوسليماني رحمهما الله فانخرط معهما في العمل، وكان قبل ذلك قد تواصل مع الشيخ عبدالله جاب الله حيث عقدوا عدة لقاءات في العاصمة وسكيكدة ...
ومع بداية 1989 والتعددية كان ضمن الفريق الأول الذي أسس جمعية ( الإرشاد والإصلاح ) برئاسة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله،
ثم بعد سنتين ، في يوم 29 ماي 1991 يشارك في المؤتمر التأسيسي لحركة المجتمع الإسلامي ( حماس) ليصبح عضوا في مكتبها الوطني الأول ويشارك في صياغة برنامجها المنطلق من الكليات الإسلامية وبيان أول نوفمبر ويستمر في النضال وفق المنهج الوطني الإسلامي والمعتدل ...
وإلى يوم الناس هذا وهو قد قارب التسعين سنة من عمره ، وقد تقاعد من الوظيفة كأستاذ سنة 2005، ورغم ذلك فهو لا يزال نشطا عاملا في خدمة دينه ووطنه ...
صاحبنا هو :
الأستاذ الدكتور : جيلالي بوزوينة حفظه الله ورعاه .
تعرفت عليه أواسط الثمانينات من القرن الماضي ، عرفت عنه معظم محطات حياته ،
اشتغلنا معا في المكتب الوطني للحركة بداية التسعينات ،
علاقاتنا لم تنقطع ... لا يزال مثلما عهدته عمره قارب 90 سنة، قلبه وهمته ونشاطه دوما في 25 سنة ... مدافعا عن الإسلام حاملا لواءه الصافي النقي الوسطي المعتدل.
خدوما للجزائر وشعبها.
تَخَرَّج على يديه ونال من علمه المئات بل الآلاف من أبناء وبنات الجزائر ...
ليعرف الناس بأن الجزائر لها رجال ونساء معظمهم يشتغل في الظل ... فإن لم نكن نعرفهم ... فالله يعرفهم .
اليوم يوم عرفة ... اللهم عرفنا بك وبمن يعرفنا بك ويدلنا عليك ...
وخير ما يقال في هذا اليوم :
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ...
د. عبدالقادر سماري
