الدكتورعبد القادر سماري

طلب مني أحد الأحباب أن أكتب عن تواصل الأجيال عموما وفي العائلة الواحدة على الخصوص ،

طلب مني أحد الأحباب أن أكتب عن تواصل الأجيال عموما وفي العائلة الواحدة على الخصوص ،
وقال : في كثير من العائلات لا تجد التعارف والتواصل بين مختلف الأجيال وخاصة في المدن الكبرى، فربما تجد الشاب لا يعرف عمَّه أو خاله، وربما تسأله عن أحد أقاربه فيقول بأنه من معارف والده البعيدين أو من معارفه أمه،
فقلت لصاحبي : أمهلني حتى أقوم بهذه العملية داخل أسرتي .
فلما كان ، الأمس، عيد الأضحى،
وبعد الفراغ من الأضحية، جمعت بعض أحفادي، وخاصة الذين يمكن أن يتذكروا وقمت بجولة لكبار عائلة سماري، وهذه الجولات كنت أقوم بها بمفردي أو مع الكبار ، فقررت هذه المرة أن أصطحب معي الاحفاد .
- المحطة الأولى،( الصورة 1)، في ( قصر الابطال سطيف )، عند عمي ( سي العربي سماري حفظه الله) ، الذي قارب التسعين سنة، فهو من حفظة كتاب الله، حفظ القرآن عند جدي الضيف رحمه الله ) كان يؤم المصلين في فرنسا لما كان مغتربا، ثم لما رجع إلى أرض الوطن كان يقوم بالصلاة في مصلى ( دوار أولاد بوكثير ) ، حتى أقعده المرض، ثم انتقل إلى مقر بلدية قصر الابطال ( الزمالة )، كنت قد طلبت شقيقه عمي موسى سماري حفظه الله، وهما أبناء عمي سالم شقيق جدي الضيف سماري، فقرابته لي أنه : إبن عم والدي سيدي عمار رحمه الله وصديقه .
- المحطة الثانية، (الصورة 2) ، كانت في دوار ( أولاد بوكثير سطيف ) في مسقط رأسي، في البيت الكبيرة حيث كانت زاوية الحاج الضيف رحمه الله والتي لها تاريخ، قبل وأثناء ثورة التحرير، وبعد الاستقلال، ومنها تخرج العديد من حفظة كتاب الله ، زرنا عمي (سي السعيد سماري حفظه الله) ، عمي السعيد شقيق والدي سيدي عمار، وقد قارب المائة سنة من عمره، ولايزال في كامل قواه العقلية والبدنية، له مآثر كثيرة في ثورة التحرير وبعد الاستقلال، وأهم أعماله بعد القرآن والخدمات الفلاحية أنه كان متخصص في حفر الآبار في المنطقة ولي معه حكايات في رعي الأبقار والشياه وجمع المحاصيل الزراعية القمح والشعير وعملية الدرس والتذرية.
- المحطة الثالثة ، (الصورة 3 )، كانت في ( رأس الوادي برج بوعريريج )، عند شقيقي الأكبر ( سي الميلود سماري حفظه الله ) وهو بكر أمي وأبي رحمهما الله، والذي له أفضال كثيرة سواء على العائلة أو في مدارس: جعافرة، تسرة، رأس الوادي، حيث كان معلما ثم مديرا، تخرج على يديه خلق كثير من أبناء الجزائر، وهم الآن في مناصب عليا أو في أعمال حرة، وله هواية الصيد والمشي في الجبال.
- المحطة الرابعة، وهي محطة مميزة ، ( الصورة 4 )، كانت في ( رأس الوادي برج بوعريريج ) عند عمتي شقيقة والدي سيدي عمار رحمه الله، وهذه قصتها تحتاج إلى منشور خاص مرة أخرى إن شاء الله، وهي عمتي ( لالة الياقوت سماري حفظها الله ) قاربت التسعين سنة، فهي من النساء والعجائز القلائل الحافظات لكتاب الله ، وعي التي علمتني كتابة أول الخروف، عاشت حياتها كلها خادمة لوالديها ( سيدي الحاج الضيف ولالة مسعودة الحناشية حتى توفيا رحمهما الله )، ثم تفرغت لتربية إبنتيها ( سامية، مهيرة )، لا تجدها إلا تالية لكتاب الله، ذاكرة لله، لا تشتكي أبدا، ولا تتكلم عن الناس إلا بذكر محاسنهم ، حين أزورها نجلس الساعات الطوال ذكرا وتذكرا وذكريات، وفي كثير من الأحيان أطلق لنفسي العنان لترتاح فأنام عندها .
بين هذه المحطات كانت لنا زيارات أخرى لشقيقي عبدالحليم، وشقيقاتي الأخريات ( أم محمد ، أم هيثم ، أم عبد الرحمان ، أم سعد ) وختمناها عند إبن أخي صالح وبحضور أبنائه ...
أثر هذه الزيارات، رغم قصر مدتها، كان كبيرا جدا، ليس فقط على الكبار الذين رأيت في عيونهم تلك الومضات النورانية، وسمعت من كلماتهم آيات وعبارات التفاؤل والاحساس بالأهمية، بل أثره أكبر على الصغار سواء أحفادي الذين صحبتهم معي أو الأبناء الذين وجدناهم في البيوت التي زرناها، وخاصة في عملية جمع الحلويات حيث رجعوا بصيد وفير.
لن أنسى أبدا تلك القبلات والضمات ومسحات الرأس والابتسامات التي كانت بين كبار العائلة وصغارها،
ونحن راجعون إلى سطيف سألت أحفادي : كم هي العلامة من عشرين التي تعطونها لهذه الزيارة .
بدؤوا يفكرون، فقطع حبل تفكيرهم ( عبداللطيف ) الذي قال بصوت عال : أنا أعطيها 19,5 من عشرين.
قال له عمه، إبني عبدالستار : وأين ذهب نصف النقطة.
قال : ذهب عند عمي ( توفيق ) الذي لم نجده ولم نتمكن من لعب تنس الطاولة.
ذلك أننا كنا قد قررنا بأننا سنختم الجولة بزيارة إبن أخي ( توفيق سماري ) وهو عنده مستلزمات تنس الطاولة فنلعب عنده بعض المقابلات، ولكننا لم نجده في البيت فقد خرج لبعض الزيارات ...
وأخيرا أقول :
صلة الرحم ... التواصل بين الأجيال ... التعارف بين أفراد العائلة : له نكهة لا توصف بكلمات
أبناؤك، أحفادك لا يمكنك تربيتهم وحدك في بيتك ... إنه دور العائلة الكبيرة ...فرغم ما يعتريها من منغصات من وقت لآخر فإن فوائدها لا تحصى ولا تعد ... فاللهم لك الحمد ولك الشكر.
اوصلوا بين كباركم وصغاركم ... والله من وراء القصد ... وعيد سعيد وتقبل الله من الجميع .
د. عبدالقادر سماري