الدكتورعبد القادر سماري

يلومني بعض الأصدقاء والأحباب عن التفاؤل والاستبشار والإيجابية التي أكتب بها، خاصة في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمور العامة،

يلومني بعض الأصدقاء والأحباب عن التفاؤل والاستبشار والإيجابية التي أكتب بها، خاصة في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمور العامة،
بل حتى بعضهم، الذي يعرف حالتي، يحتار في سلوكاتي المرحة رغم ما أعيشه من أوضاع إجتماعية صعبة شيئا ما ...
سألت ذاتي : هل أنا أبالغ في التفاؤل، وهل أنا أتكلفه،
تذكرت الكثير من الوقائع
في صباي
في شبابي
في مراهقتي
في كهولتي
مع بداية الشيخوخة التي تقترب شيئا فشيئا
حقا لا أكتب ولا اتكلم إلا عن الجزء المملوء من الكأس، بل وأستخرج الإيجابيات من الواقع الذي أعيشه حتى وإن كانت قليلة، أما الجزء الفارغ من الكأس فأحث نفسي والآخرين على السعي والعمل لملئه، والسلبيات أسعى لمحاصرتها والبحث عن البدائل لها دون تهويل،
سواء في الدعوة
أو السياسة
أو الأمور الاجتماعية
أو العلمية والاكاديمية
أو الأمور العائلية
حتى القضايا العاطفية ...
كلها أجد نفسي أنظر إلى الإيجابيات واستشرف المستقبل بالخيرات وأطلب الفأل بالتفاؤل،
رغم وجود الكثير من السلبيات والمعوقات والمنغصات في مختلف المجالات ...
فجلست إلى نفسي أبحث عن هذا السر في حياتي،
وبدأت أستعرض بعض المحطات التي عشتها والتي تدفعني في مجملها إلى هذه المعاني وهذا السلوك الذي يراه غيري إفراط وزيادة في التفاؤل،
وأيقنت أن ذلك إنما هو تراكم مؤثرات المحيط الذي تربيت وعشت فيه وهذه بعض محطاته،
* عشت في أحضان جدي الحاج الضيف سماري رحمه الله وكان بيته وزاويته، في قصر الابطال، مقصودة من طرف أهل الشمال من بلاد القبائل وأهل الجنوب من الحضنة وكنت دوما أسمعه يقول : ما كانش مشكل، كل الامور تتحل، الأمور سهلة، نحن علينا الاجتهاد ونتوكل على ربي، مالزمش نغرق في كأس ...
وكانت جدتي مسعودة الحناشية رحمها الله هي عجوز وحكيمة القرية وكلما دخلت عليها إمرأة تشكو حالها تقول لها : يا بنتي الأمر ساهل ولازم تشوفي للقدام، نحن علينا العمل وربي عليه التوفيق، العنب يتكل حبة حبة، اللي زرب ( أسرع ) لخبزته يأكلها عجين ...
* ثم عشت في حضن والدي سيدي عمار وأمي جميلة رحمهما الله ورغم متاعب الحياة وقلة ذات اليد وصعوبة الأوضاع في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، رغم ذلك لم أعرف منهما في الكلام أو الممارسة إلا التفاؤل والاستبشار، سواء في قضايا الاولاد والتمدرس، أو أمور العائلة الكبيرة ، أو العلاقات العامة في الأحياء التي سكنت فيها ، ولو أفردت لهذا الأمر منشورات لكانت وحدها في كتاب
* ثم وأنا شاب، كان يدربنا الرياضة السيد بخوش رحمه الله في الثانوية وكان حريص أن يختار قائد الفريق الذي عنده روح التفاؤل والإيجابية ولو كان الفريق خاسر ، ثم في الجامعة كنت ألعب كرة القدم في فريق الجامعة والمدرب ( الحاج نورالدين حفظه الله) وصلنا إلى نصف النهائي بين الجامعات سنة 1980 كان حريص أن يقول لنا دوما ( كل واحد فيكم لازم يجعل من الخطأ قوة، لازم يبعث الأمل في رفاقه
il faut pas avoir des lunettes noires ou grises

* ثم في الجامعة بعد الجذع المشترك كنا ندرس تخصص الكهروكيمياء وهو جديد نسبيا في الجزائر، المراجع قليلة وسائل المختبر تكاد تكون منعدمة، لن أنسى كلمات وتوجيهات الأساتذة
شيتور شمس الدين، تجار فاروق، مسعودي بوزيد، Marie Bourgault ، Popesco ... وآخرون وكيف كانوا يدفعوننا نحو الأمل والعمل وعدم اليأس وخاصة لما تكون عندنا أعمال تطبيقية في المختبر، كان كلامهم كله تحفيز
* أثناء تحضير الدكتوراه في قرونوبل في المعهد الوطني متعدد التقنيات INPG، وفي مختبرات المدرسة العليا للطاقة والكهروكيمياء ENSEEG ، كنت أشتغل على محاليل بطاريات الصواريخ والاقمار الصناعية من أجل زيادة ورفع الناقلية الكهربائية بإضافة عنصر الصوديوم بنسب لا تؤثر على طبيعة المحلول، كنت أشتغل على خلايا في درجة حرارة تتجاوز ثماني مئة 800 درجة مئوية، كانت تصيبني نوبات من التذمر واليأس لصعوبة العمل ودقة ... وهنا وجب ذكر الاستاذ الدكتور jean Claude poignet المشرف المباشر، والأستاذة Marie Jeanne Barbier مديرة المختبر والدور الكبير الذي أدياه ومرافقتهما لي في مساري العلمي وكيفية تجاوز الصعاب ليس بالنقد والتذمر وكثرة الكلام عن المعوقات بل بالانخراط في التجارب الواحدة تلو الأخرى، ويشهد الله كم دعوتهما للإسلام وكم تمنيت لهما الهداية ولازت إلى الآن في تواصل مع السيدة barbier التي تجاوزت التسعين، أما poignet فقد توفي ...
وبعد رجوعي من فرنسا توطدت علاقتي بستة رجال
كلهم أمل وتفاؤل واستبشار، لا يعرفون اليأس والقنوط،
ينشرون الابتسامة والتباشير
لا تستوقفهم النقائص ولا يشيعونها
يسعون إلى تدارك السلبيات ولكن لا يدفعون الناس إلى اليأس بكثرة الكلام عنها
ينخرطون في كل عمل يرونه يخدم أهدافهم وغاياتهم
تحرروا من ذواتهم
فهموا أن دورهم إشاعة الخير فمارسوه في كل ما أتيح لهم
لا ينسحبون إذا فُتحت لهم أبواب الخير
ولا يصدون الناس عن بذل المعروف
هؤلاء هم :
الشيخ المجاهد سي أحمد بلحاج الصالح رحمه الله
الشيخ المجاهد بن مالك أمقران رحمه الله
الشيخ المجاهد عبدالرحمن شيبان رحمه الله
الشيخ المجاهد محفوظ نحناح رحمه الله
الشيخ المجاهد محمد بوسليماني رحمه الله
الشيخ المجاهد محمد باي بلعالم رحمه الله
هؤلاء علاقتي بهم كانت في عز شبابي وفي سنوات النضال والعمل ، في ظروف لم تكن سهلة ...
وقفتي هذه مع محطات أخرى كانت هي السبب في ما أحمله من تفاؤل وأمل في كل ما أعيشه ... رغم وجود النقائص والفراغات والمنغصات ...
ربما فهمني بعض الأهل والأصدقاء والاحباب ومتابعي هذه الصفحة ...
أما التشاؤم واليأس والقنوط وتتبع السلبيات وإشاعتها فلها أهلها ... وكل ينفق مما عنده ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري