كنت قد وعدت أن أكتب عن إبنتنا وأختنا ورفيقتنا وزوجة شقيقي الدكتورة ( أم محمد علالوش رحمها الله ) ، ذلك أنني لم أستطع أن أكتب عنها يوم وفاتها، واكتفيت بإعلان الخبر،
كنت قد وعدت أن أكتب عن إبنتنا وأختنا ورفيقتنا وزوجة شقيقي الدكتورة ( أم محمد علالوش رحمها الله ) ، ذلك أنني لم أستطع أن أكتب عنها يوم وفاتها، واكتفيت بإعلان الخبر،
والسبب في ذلك أن وقع خبر وفاتها حين وصلني كان وقعا مريعا، والنبأ كان صادما في لحظة كنت أتهيأ لأمر آخر متعلق بمرض زوجتي وإبنتي، في تلك اللحظات بدأ شريط مسلسل سيرتها يمر بذاكرتي،
حين تعرفنا عليها،
وحين أصبحت واحدة منا
وحين تزاورنا عشرات المرات
وحين اعتمرنا معا
وخاصة تلك الأيام العصيبة حين علمنا طبيعة مرضها،
فالدكتورة، رحمها الله، لم تكن لي من القرب، كزوجة آخ عادية، أي أنا حموها، بل كانت إبنة وأخت وداعمة ومعينة في بعض مفاصل مسيرتنا الدعوية والعائلية، وكانت مربية لأبنائي بالتوجيه والرعاية والاستقبال ...
وأبعد من ذلك، فلقد كنت أعتبر أن الله الذي رزقني ببنت واحدة ( خديجة ) قد أنعم علي ببنات أخريات من بينهن ( الدكتورة أم محمد فقيدتنا ) ويشاء الله الوهاب، المعطي المانع، أنهما تمرضان في نفس الفترة تقريبا، بمرضين مختلفين ، مختلفين من حيث التوصيف، ولكنهما مرضان متقاربان من حيث الشدة والألم،
ولم يصبهما المرض هما فقط بل أصاب أخريات من بنات أخواتي وإخواني، فكنت خلال السنوات الأربع الماضية في حالة بينهن لا أرضاها للعدو ناهيك عن الصديق، ولله الحمد والمنة.
ونرجع لفقيدتنا،
فقيدتنا كانت طالبة بجامعة سطيف ، تخصص طب، أواسط التسعينات من القرن الماضي، وكانت أختها الأصغر منها التي تصبح فيما بعد زوجة الآخ الأستاذ ( اليمين جلابي حفظه الله) كانت ضمن الأخوات الطالبات المنخرطات في العمل الدعوي ومواضبة على الحضور في الجلسات التربوية التي كانت تعقدها زوجتي ( أم عبدالله ) في بيتنا بحي ( القصرية - سطيف ), ومن خلالها تم التعرف على فقيدتنا، التي ترسخت علاقتها أيضا بإبنة أختي ( أم ياسر ) لما كانت طالبة.
في تلك الفترة كان شقيقي (عبدالحليم) أيضا طالبا، فهو والتي ستصبح زوجته، لهما نفس السن، من مواليد 1972،
وكنا نبحث له عن عروس، وبعد التشاور والبحث والسؤال عن الأصول والأهل والوالدين، وقع خيارنا على الدكتورة ، والتي كانت في سنتها الدراسية الأخيرة، فبرمجنا جلسة بينهما، في بيتي ب ( القصرية )، فأحسسنا بأنه قد أودم بينهما، كما قال الحبيب المصطفى، صلوات ربي وسلامه عليه،
وبدأنا ترتيب المواعيد، فسافرنا في وفد عائلي كبير، يليق بالمقام، إلى بلدية بني فودة مقر سكن العائلة،
وبالمناسبة أترحم على إثنين كانا معنا وفارقانا إلى رحمة الله، هما ( عمي صالح حناشي وأخي عبدالمجيد بن شعبان رحمهما الله )
وفي منزل استقبلنا إخوتها، ثم كانت الجلسة الممتعة مع والدها ( عمي علي علالوش رحمه الله ) المجاهد الذي اختار عن طواعية وبإرادة ذاتية وعزم لا يعتريه الوهن، اختار أن يكون ضمن الرجال والنساء الذين ضحوا بالغالي والنفيس أثناء ثورة التحرير ليكون عضوا في صفوف جيش التحرير الوطني،
وبعد التعارف، وأخبرناه أن الخاطب مهندس معماري يسكن في رأس الوادي،
وهنا رأيت في عينيه بريقا يتلألأ،
سألنا : هل تعرفون السيد المجاهد ( سي حسن بوزراعة )، أخبرناه بأن لنا به علاقة كبيرة وأنه من أقاربنا وأنه من أصهارنا فإبنه ( الاستاذ علي بوزراعة حفظه الله ) متزوج إبنة خالي وأختي في الرضاعة حفظها الله.
وهنا بدأ يحكي لنا قصته معه أثناء ثورة التحرير،
فلقد حكمت فرنسا بالاعدام على السيد حسن بوزراعة في جيجل، وفي إحدى العمليات ألقى عليه القبض جيش الاحتلال الفرنسي، وفي يوم تنفيذ الحكم يهرب من جيجل عبر الجبال متجها إلى جنوب ولاية جيجل فيلتقي بمجموعة من المجاهدين من بينهم ( عمي علي علالوش ) بين فرجيوة وبني عزيز، فيقوم عمي علي بتهريبه من الولاية التاريخية الثانية إلى الولاية الأولى في منطقة رأس الوادي، وهنا يصبح عمي ( حسن بوزراعة رحمه الله ) من قادة ثورة التحرير بهذه الجهة الممتدة عبر ( برج الغدير- بليمور - رأس الوادي - أولاد تبان - أولاد براهم - عين ولمان- قصر الابطال ... )
كنا نتكلم عن الزواج والخطبة فأصبح الكلام عن الاسلام، الجزائر، الثورة ...
ازداد الاطمئنان والثقة بين العائلتين ، وتمت الموافقة.
ويشاء الله أن يتم تعيين الدكتورة، رحمها الله، في رأس الوادي بعد الخطبة مباشرة وقبل الدخول كعروس، وهنا تتوطد العلاقة بينها وبين أفراد أسرة الجديدة، بل ويستقبلونها في بيوتهم لأن المسافة بين ( رأس الوادي و بني فودة ) أكثر من 70 كيلومتر، مما يتعذر في بعض الأحيان التنقل.
وبعد أشهر ، ومع بداية سنة 2000 يقام العرس، ويدخل العروسان بيت الزوجية، فتصبح فقيدتنا واحدة من عائلة سماري ...
طيلة 23 سنة التي قضتها المرحومة في بيتها وبين أفراد عائلتها، وأنجبت 6 أبناء، 4 بنات ( منار، تسنيم، إيمان، نور ) وطفلين ( محمد، يحي ) طيلة هذه المدة كانت نموذج في البذل والعطاء، والحب والوفاء،
تؤدي عملها في المستشفى بإتقان، وتنخرط في جمعيات وتقدم يد المساعدة للجميع، وتستقبل المرضى في بيتها وتزورهم في بيوتهم، وأصبح واحدة من الأساسيات في جمعية مكافحة السرطان، وبالتوازي مع ذلك تؤدي واجباتها كاملة غير منقوصة مع زوجها وأبنائها وعائلتيها ( علالوش و سماري ) لا تتخلف عن الواجبات الاجتماعية والأسرية والتربوية...
وهي في أعلى درجات العمل والبذل والتضحية وقبل ثلاث سنوات وشهرين من الآن، تبدأ أعراض المرض على فقيدتنا ... وتبدأ التحاليل ... والتشخيصات ... ويأتي الخبر المهول ...
إنه السرطان ... وبدأنا في رحلة العلاج ... وبدأ التنقل بين مختلف العيادات والمستشفيات :
سطيف ، بني مسوس، مصطفى باشا ...
وبدأ الكيميائي في عز كورونا ...
النتائج غير مرضية
كل التحاليل وكل التشخيصات تعطينا نتائج غير مفرحة
ثم تأتي الرحلة إلى تركيا، وتكون النتائج مطابقة لنتائج الفحوصات بالجزائر ...
لقد استفرغنا كل الأسباب ... وهي طبيبة وتعرف ذلك ...
وتعلن أنها تنوي وتصر على الذهاب إلى العمرة ،
تقول لي يوم السفر : أريد أن ألقى الله في البقاع المقدسة،
حين قالتها لي تذكرت حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم : من طلب الشهادة بصدق نال منزلة الشهداء ولو مات في فراشه ...
أسررتها في نفسي،
ودعتهم
ونزلت من الحافلة وبقيت أتبعها بنظراتي ...
ينطلقون نحو قسنطينة : قلبي، مهجتي، وجداني، عقلي، يتبعهم ولساني يلهج بالدعاء لهم ...
أخي وزوجته وابنتهما منار، أختي أم عبدالرحمن ، أختي أم محمد وإبنتها الدكتورة رحمة ...
يؤدون العمرة ويرجعون
نستقبلها، تستقر في بيتها
نراها تذبل وتتراجع قدراتها ...
ورغم ذلك تبقى مصرة على زيارة والدتها في بني فودة، ثم الرجوع لبيتها ... مرة ، إثنين، ثلاثة ...
أي قوة حباها الله بها لتبقى شامخة؟
أي صبر أفرغه الله عليها لتكون محتسبة؟
أي نفسية منحها الله إياها لتبقى صامدة ؟
أي قبول طُرح لها في الأرض ليعلن عن حبها تلك الجموع الكثيرة المشيعة التي غصت بها المقبرة؟
أي رضى كان لها من الله لتأتي كل هذه الجموع للبيت معزية ومواسية؟
وأخيرا يأتيها اليقين
حانت ساعة رجوع الأمانة إلى صاحبها
وتلتحق بأبيها عمي علي رحمهما الله في حواصل الطير
وهنا وجب علي تقديم هذه الشهادة ، فيشهد الله أنها خلال كل هذه السنوات، لم نسمع منها كلمة، بل لم نر منها نظرة سوء أو نظرة تذمر، لم تكن الابتسامة تغادر ثغرها ... لقد كانت تبث الفرحة وتنشر الود وتوزع الابتسامة ... هنيئا لها
أما أنا، شخصيا، فأقول بأنني فقدت واحدة من بناتي اللاتي لم تكن من صلبي،
فقدت واحدة من أخواتي اللاتي لم تلدهن أمي،
فقدت واحدة من مربيات أبنائي،
فقدت واحدة ممن كنت أستلهم منها الصبر ،
فقدت واحدة ممن كنت ألتمس منهن الثقة؟
بعد أن واريناها التراب في مقبرة أحمد عاشور برأس الوادي كانت كلمتي أنها مقتضبة مرتجلة أذكر أنني هنأتها وهنأت أبيها الذي يتقدم عليه وهنأت عائلة سماري وعائلة علالوش ... وقلت للمشيعين من له إبنة أو حفيدة أو أخت أو عزيزة عليه ويريد أن يربيها أحسن تربية فعليه أن يبحث في سيرة إبنتي (سليمة رحمها الله ) كيف كانت ثم يحاول أن يجعلها مثلها...
اللهم اغفر لها و ارحمها وارض عنها وتقبل منها وادخلها الجنة ونجها من النار واحشرها في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وألحقنا بها على خير
ولزوجها وأبنائها وأمها وإخوتها ولنا جميعا نتمنى أن يفرغ علينا ربنا صبرا جميلا ...
د. عبدالقادر سماري