الدكتورعبد القادر سماري

المهمة الحقيقية للمقاومة

المهمة الحقيقية للمقاومة
تدبرت طبيعة الصراع في فلسطين عموما و في غزة على الخصوص ، و استرجعت شرائط أحداث قرأتها و أخرى عايشتها، و أعدت مسلسل لقاءات حضرتها ، و استذكرت محطات زرتها في البلاد العربية و الاسلامية و الغربية ، ثم عدت الى ثلاث رحلات قمت بها الى غزة ، فأدركت أنه من الخطإ أن نظن أن مهمة المقاومة في غزة هي فتح المعابر أو رفع الحصار أو طرد الصهاينة من غزة أو تحرير فلسطين من الكيان الصهيوني ، لا أبدا ، إنما هذه مظاهر الأمور أما أبعادها فهي سلسلة من القضايا الأكبر أهمها و الله أعلم :
1 - أن طغيان الصهاينة و تمكنهم من رقاب العالم و خيراته و مؤسساته وهيآته و إفساد هم في الارض ، ما كان الله ليتركه دون حساب ، فسلط عليهم أضعف مجموعة بشرية فوق الارض من حيث العدة و العدد ( عذرا للغزاويين ) لتفضح حقيقتهم و تدحر إدعاءاتهم و توقظ العالم من غفوته ، فهل من مدَّكِر؟.
2 - أن الله هيأ للمسلمين جميعا قادة و شعوبا ، من سنة 1917 إلى سنة 1948، فرصة إقامة الشهادة على الناس و تخليص العالم من شر الصهاينة فتخاذل المسلمون و اندحروا ، ثم هيأ نفس الفرصة للعرب قادة و شعوبا ، من سنة 1948 الى سنة 1973، فكانوا أكثر تخاذلا و اندحارا و دخلوا في مساومات و معاهدات مع من لا عهد له و لا آمان ، ثم هيأ نفس الفرصة للفلسطينيين كلهم قيادة و شعبا ، من سنة 1973 الى سنة 2006، فتخاذل بعضهم و دخل في مساومات و معاهدات مع من لا عهد له و لا أمان ، فأوكل الله المهمة إلى مجموعة أصغر و أفرغ عليهم صبرا و إيمانا لتظهر قوته في أضعف خلقه ، فهي تقوم بمهمة لعلها المقصودة في قوله تعالى :
( فإن يكفر بها هؤلاء فقد وَكَّلْنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ) فهل من مُدَّكِر؟.
3 - أن المسلمين عموما ، والعرب منهم على الخصوص ،يملكون أكثر من نصف ثروة العالم و هي من فضل الله وحده ، فاستعملوها في غير طاعة الله، و صرفها في غير ما يرضي الله ، و طلبوا العزة في غير جنب الله ، فأذاقهم الله أنواع الذل و الهوان من التبعية و الخذلان ، فأخرج الله إليهم هذه المجموعة المقاومة يؤسسها قعيد رحمه الله ، و يرأسها طريد قواه الله، و يحرسها شهيد ثبته الله ، و يصر عليها عنيد أعانه الله ، لتكون عبرة للقادة و الشعوب على السواء ،
فهل من مدَّكِر؟.
4 - أن المسلمين يمثلون سدس المجموعة البشرية أوكل الله إليهم قيادة الانسانية و إرشادها بكتابه و سنة نبيه و هدي العلماء ، فابتعدوا عن سبل الرشاد ، و ضيعوا السنن الكونية ، و تنكبوا لطريق الهداية، و تفرقوا طوائف و احزاب ، و ظنوا أن بعض الشعائر و الادعاءات تغني عند الله ، ففتنهم في أقدس مقدساتهم ( أولى القبلتين و ثالث الحرمين و مسرى الرسول صلى الله عليه و سلم و معراجه و مقامه إماما بالأنبياء و عهدة عمر) فضيعوها و لجؤوا يطلبون عزا عند من لا عز له ، و عدلا عند من لا عدل له ، و نسوا صاحب العز و العدل و الجاه ، فأوكل الله مهمة تذكير هذا الكم الهائل بأن صاحب العز هو الله و صاحب العدل هو الله و صاحب الجاه هو الله إلى مجموعة بسيطة قليلة مغلوبة محاصرة ، لعل المسلمين يؤوبوا الى رشدهم، فهل من مدَّكِر ؟.
5 -خامسا و أخيرا، أن الجماعات و الأحزاب و الهيئات الاسلامية التي إنطلقت من أصول و قواعد مقدسة و سقف مرتفع من القيم و المباديء ، جاعلة نصب عينيها بيت المقدس ، فإذا بها تتنكب لتلك القيم و المباديء فتدخل في صراعات داخلية و حسابات شخصية و تحالفات غير منطقية و تجاذبتها قياداتها كما تجاذبت الشعوبَ رؤساؤُها و ملوكُها، و فرح كل فصيل بما عنده ، فيهيء الله ، في لحظة فارقة ، هذه المقاومة في غزة في حلتها الاخيرة ، فإذا بالجميع يصبح عالة على هذه المجموعة البسيطة الفقيرة المحرومة التي ليس لها من القوة إلا القيم و المباديء و الوحدة و التكافل و الغاية النبيلة ، فالكل يرفع شعار المقاومة و يستنفر الناس باسمها، و هو مأجور إن شاء الله ، و نسي الجميع أو تناسى أن أكبر دعم للمقاومة هو تعاون داعميها كل داعميها و التقاء مؤيديها كل مؤيديها ، و ما انتصار المقاومة إلا حين كان اللقاء بعد فراق و تعاون بعد تدابر و كلمة واحدة بعد تشتت ، فهل من مدَّكِر ؟.
و الله المستعان