مِن لطائف القرآن : ( وَ تَزَوَّدوا فَإنَّ خيرَ الزادِ التقوى )
3 سلسلة · 3 من 3من لطائف القرآنمِن لطائف القرآن : ( وَ تَزَوَّدوا فَإنَّ خيرَ الزادِ التقوى )
من قوله تعالى :
(الحجُّ أشهرٌ معلوماتٌ فمَن فَرَضَ فيهن الحجّ فلا رَفَثَ ولا فُسوقَ ولا جدالَ في الحجّ وما تفعلوا مِن خيرٍ يَعلمْهُ اللهُ وتزوّدوا فإنّ خيرَ الزادِ التقوى) البقرة 197
عن توفيق المصري بتصرف
هل المقصود بها التزود للحج بالطعام و الشراب بحيث يتقي الحاج الاتكال على غيره؟ و يتقي الاعتماد على الغير.
أي: تزوّدوا ما يكفيكم لحجّكم، ولا يُحوجكم إلى غيركم.
كأنه قيل: كم نتزود؟ الجواب: تزوّدوا بقدر التقوى.
لكن قد يرد على هذا أن الحاجّ قد يستحب له التزوّد لكفاية نفسه ولإعانة غيره.
وعندئذ فإن التقوى تقويان: تقوى الاعتماد على الغير، وتقوى إعانة الغير.
التقوى الأولى تعني الاحتماء، والتقوى الثانية تعني الرغبة في الثواب.
أم المقصود بالتقوى: تقوى الله؟
أقوال المفسرين:
الطبري:
«أُمروا أن يتزوّدوا الكعك والدقيق والسَّويق (...).
الكعك والزيت (...).
التمر والسَّويق (...).
الخبز واللحم والتمر».
البغوي:
« قوله تعالى: (وتزوّدوا فإنّ خيرَ الزادِ التقوى) نزلت في ناس من أهل اليمن، كانوا يخرجون إلى الحجّ بغير زاد، ويقولون: نحن متوكّلون! ويقولون: نحن نحجّ بيت الله، فلا يُطعمنا. فإذا قدِموا مكّة سألوا الناس، وربما يُفضي بهم الحال إلى النهبوالغصب، فقال الله عز وجل: (وتزوّدوا) أي: ما تتبلّغون به، وتكفّون به وجوهكم.
قال أهل التفسير: الكعك والزبيب والسَّويق والتمر ونحوها.
(فإنّ خيرَ الزادِ التقوى) مِن السؤال والنهب.
(واتقونِ يا أولي الألباب) يا ذوي العقول».
الرازي
«أما قوله تعالى: (وتزوّدوا فإنّ خيرَ الزادِ التقوى) ففيه قولان:
أحدهما: أن المراد: وتزوّدوا من التقوى، والدليل عليه قوله بعد ذلك: (فإنّ خيرَ الزادِ التقوى). وتحقيق الكلام فيه أن الإنسان له سَفَران:
سَفر في الدنيا، وسَفر من الدنيا.
فالسفر في الدنيا لا بد له من زاد، وهو الطعام والشراب والمركب والمال.
والسفر من الدنيا لا بد فيه أيضًا من زاد، وهو معرفة الله ومحبّته، والإعراض عمّا سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لوجوه (...).
فثبت بمجموع ما ذكرنا أن خير الزاد التقوى.
إذا عرفتَ هذا فلنرجع إلى تفسير الآية، فكأنه تعالى قال: لما ثبت أن خير الزاد التقوى فاشتغلوا بتقواي يا أولي الألباب! يعني: إن كنتم من أرباب الألباب، الذين يعلمون حقائق الأمور، وجب عليكم بحكم عقلكم ولبّكم أن تشتغلوا بتحصيل هذا الزاد لِما فيه من كثرة المنافع (...).
والقول الثاني: أن هذه الآية نزلت في أناس من أهل اليمن كانوا يحجّون بغير زاد ويقولون: إنا متوكّلون! ثم كانوا يسألون الناس، وربما ظلموا الناس وغصبوهم! فأمرهم الله تعالى أن يتزوّدوا، فقال: وتزوّدوا ما تبلّغون به؛ فإن خير الزاد ما تكفّون به وجوهَكم عن السؤال، وأنفسَكم عن الظلم.
وعن ابن زيد: أن قبائل من العرب كانوا يُحرَمون الزاد في الحجّ والعمرة فنزلت.
وروى محمد بن جرير الطبري عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا، ومعهم أزودة، رمَوا بها، فنُهوا عن ذلك بهذه الآية. قال القاضي: وهذا بعيد لأن قوله: (فإن خيرَ الزادِ التقوى) راجع إلى قوله: (وتزوّدوا)، فكان تقديره: وتزوّدوا من التقوى، والتقوى في عرف الشرع والقرآن عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات.
قال: فإن أردنا تصحيح هذا القول ففيه وجهان:
أحدهما: أن القادر على أن يستصحب الزاد في السفر إذا لم يستصحبه عصى الله في ذلك، فعلى هذا الطريق صح دخوله تحت الآية.
والثاني: أن يكون في الكلام حذف، ويكون المراد: وتزوّدوا لعاجل سفركم وللآجل، فإن خير الزاد التقوى».
القرطبي:
« نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد! ويقول بعضهم: كيف نحجّ بيت الله ولا يُطعمنا؟ فكانوا يبقون عالةً على الناس، فنُهوا عن ذلك، وأُمروا بالزاد.
وقال عبد الله بن الزبير: كان الناس يتكل بعضُهم على بعض بالزاد، فأُمروا بالزاد (...).
كما روى البخاري عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزوّدون ويقولون: نحن المتوكّلون! فإذا قدِموا مكّة سألوا الناس! فأنزل الله تعالى: (وتزوّدوا فإنّ خيرَ الزادِ التقوى)، وهذا نص فيما ذكرنا، وعليه أكثر المفسّرين.
قال الشعبِي: الزادُ التمرُ وَالسَّوِيقُ. ابن جُبيرٍ: الكعكُ وَالسَّوِيقُ (...).
قال رجل لأحمد بن حنبل: أريد أن أخرج إلى مكة على التوكّل بغير زاد! فقال له أحمد: اخرجْ في غير القافلة. فقال: لا، إلا معهم! قال: فعلى جُرْب الناس توكّلتَ؟ !(...). والجُرْب جمع جِراب، والجِراب: وعاء لحفظ الزاد. يُجمع على أجربة، وجُرْب (وجُرُب).
قوله تعالى: (فإنّ خيرَ الزادِ التقوى) أخبر تعالى أن خير الزاد اتقاء المنهيات، فأمرهم أن يضمّوا إلى التزوّد التقوى.
وجاء قوله: (فإنّ خيرَ الزادِ التقوى) محمولاً على المعنى; لأن معنى (وتزودوا): اتقوا الله في اتباع ما أمركم به من الخروج بالزاد.
وقيل: يحتمل أن يكون المعنى: فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة أو الحاجة إلى السؤال والتكفّف».
ابن كثير:
«عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم، ليست معهم أزودة، يقولون: نحجّ بيت الله ولا يُطعمنا؟ فقال الله: تزوّدوا ما يكفّ وجوهكم عن الناس (...).
وأُمروا أن يتزوّدوا الكعك والدقيق والسَّويق (...).
وقوله: (فإنّ خيرَ الزادِ التقوى) لمّا أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا، أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: (وريشًا ولباسُ التقوى ذلك خيرٌ) الأعراف 26. لمّا ذكر اللباس الحسي نبّه مرشدًا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع».
أبو حيان:
« ويكون مفعول: (تزوّدوا) محذوفًا تقديره: وتزوّدوا التقوى، أو من التقوى، ولمّا حذف المفعول أتى بخبر (إنّ) ظاهرًا ليدل على أن المحذوف هو هذا الظاهر. ولو لم يحذف المفعول لأتى به مضمرًا عائدًا على المفعول، أو كان يأتي ظاهرًا تفخيمًا لذكر التقوى، وتعظيمًا لشأنها (...).
وقيل: أمر بالتزود لسفر العبادة والمعاش، وزاده الطعام والشراب والمركب والمال، وبالتزود لسفر المعاد، وزاده تقوى الله تعالى، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لقوله: (فإنّ خيرَ الزادِ التقوى).
فتلخّص من هذا كله ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه أمر بالتزود في أسفار الدنيا، فيكون مفعول: (تزوّدوا) ما ينتفعون به، فإن خير الزاد ما تكفّون به وجوهكم من السؤال، وأنفسَكم من الظلم. وقال البغوي: قال المفسرون: التقوى هنا: الكعك والزيت والسويق والتمر والزبيب، وما يشاكل ذلك من المطعومات.
والثاني: أنه أمر بالتزوّد لسفر الآخرة، وهو الذي نختاره.
والثالث: أنه أمر بالتزوّد في السفرين، كأن التقدير: (وتزودوا) ما تنتفعون به لعاجل سفركم وآجله.
وأبعد مَن ذهب إلى أن المعنى: وتزوّدوا الرفيق الصالح، إلا إن عنى به العمل الصالح فلا يبعد، لأنه هو القول الثاني الذي اخترناه.
وقال أبو بكر الرازي: احتمل قوله (وتزوّدوا) الأمرين من زاد الطعام وزاد التقوى، فوجب الحمل عليهما، إذْ لم تقم دلالة على تخصيص أحد الأمرين، وذكر التزوّد من الأعمال الصالحة في الحجّ، لأنه أحقّ شيء بالاستكثار من أعمال البرّ فيه، لمضاعفة الثواب عليه، كما نص على خطر (الصواب: حظر) الفسوق، وإن كان محظورًا في غيره تعظيمًا لحرمة الإحرام، وإخبارًا أنه فيه أعظم مأثمًا. ثم أخبر أن زاد التقوى خيرهما لبقاء نفعه ودوام ثوابه».
المنار:
« ويدخل في فعل الخير والطاعة الأخذ بالأسباب، كالتزوّد، وتحامي وسائل الحاجة إلى السؤال المذموم، والله أعلم».