حين تتكلم أو تكتب فأعلم أن هناك من يعرف الحقائق، ولربما يمتعض أو يتألم لكلامك وكتاباتك، ولكن أخلاقه وأدبه منعته من الرد والخوض فيما تقول أو تكتب حتى لا يكون فتنة ولا يتسبب في فساد أكبر من الفساد الذي تروجه بكلامك...
حين تتكلم أو تكتب فأعلم أن هناك من يعرف الحقائق، ولربما يمتعض أو يتألم لكلامك وكتاباتك، ولكن أخلاقه وأدبه منعته من الرد والخوض فيما تقول أو تكتب حتى لا يكون فتنة ولا يتسبب في فساد أكبر من الفساد الذي تروجه بكلامك...
وإليك هذه القصة :
سنة 1983 كنت أدرس في قرونوبل بفرنسا، قمت بزيارة إلى أختي التي تسكن في الحدود الفرنسية السويسرية ، Audincourt ، ثم اصطحبت معي إبنها ( حسين حناشي ) إلى باريس لزيارة عمي (الطاهر سماري ) رحمه الله، وهو عم والدي سيدي عمار، رحمه الله،
بعد الزيارة ركبنا القطار من باريس Paris، راجعين إلى Montbéliard ،
أخذنا اماكننا في مقطورة ، جلستْ إلى جنبنا إمرأة في الخمسين من عمرها أو أكثر بقليل، أنيقة محترمة، عاكفة على القراءة وفي يدها قلم ، وفي المقابل عائلة من أربعة أفراد، رجل وامرأة وبنت وولد،
إنطلق القطار من gare de l'est،
العائلة تتبادل الحديث بلغة لم أفهم منها أي كلمة،
المرأة غارقة مع كتابها،
ونحن الإثنين نتبادل الحديث بلغة مزيج من العربية والفرنسية، عن باريس وعن تاريخ عمي الطاهر وجهاده في الجزائر ثم في فرنسا ، ربما نرجع لتاريخه في منشور آخر ...
بعد مدة من الزمن، أخرجت المرأة قنينة مشروب غازي، لما فتحتها تطايرت حبيبات المشروب في المقطورة،
المرأة تحرَّجتْ وظهر على وجهها الخجل وبدأت تعتذر للجميع بلغة فرنسية راقية ونبرة فيها الكثير من الأدب والحزن والأسى ...
قلت لها بالفرنسية : لا عليك يحدث هذا لأكثر الناس ذكاء،
Ça arrive au plus malin
ثم ناولتها مناديل ورقية كانت معي ...
وأكملت الكلام مع ابن أختي فيما كنا نتحدث عنه، وتناسينا موضوع القنينة ...
العائلة في المقابل: أظهرت لها أيضا قبول الاعتذار، واستمروا في الكلام بلغتهم وهم يضحكون ...
ثم، بعد ذلك، رأيت المرأة تشد على رأسها، وهي تتألم، وقد إحمر وجهها واغرورقت عيناها ...
أشفقت لحالها، فأخرجتُ من حقيبتي حبيبات أسبرين وقارورة ماء، وقدمتها لها .
ثم قلت لها: إذا بكِ ألم برأسك فهذه حبيبات أسبرين قد تفيدك ...
تناولتْها مني وشربتْها ...
ثم قالت لي بلغة عربية فصيحة : أشكركم على الدواء وعلى تفهمكم وعلى قبولكم إعتذاري فأنتم أناس محترمون، والظاهر أنكم مسلمون ملتزمون فلكم مني كل الشكر،
ثم أكملت تقول : ولكن آلمني كثيرا كلام العائلة التي معنا، فرغم أنني اعتذرت لهم وأظهروا لي قبول الاعتذار ولكنهم طوال هذه المدة وهم يشتمونني ويقولون كلاما لا يليق بصحبة السفر، يتكلمون اليونانية وأنا أفهمهم جيدا ولكنني استحييت أن أرد عليهم ...
تعجبتُ لكلامها، وحمدت الله أننا لم نقل أي كلمة تسيء لها،
ثم استطردتْ معنا في الكلام، سألتْنا من نكون ومن أي دولة، وماذا نفعل، فأخبرتها ...
ثم بدأنا في دردشة معها وعن حياتها،
هي من أصول سويسرية من جهة الأم وفرنسية من جهة الأب، عاشت في المشرق العربي لسنوات فدرست اللغة العربية وأتقنتها ، ثم درست اللغة اليونانية والتحقت بجامعة أثينا، وهي الآن أستاذة في جامعة زوريخ متخصصة في ( ثقافات البحر الأبيض المتوسط ) ...
ثم سألتها : لماذا لم تردِّي على هذه العائلة وتشرحي لهم
قالت : آثرتُ أن أكظم غيظي حتى لا أفسد عليكم السفر وأتسبب في مشكلة
ثم قالت : قلتُ في نفسي أصبر لساعات خير من أن اندم طوال حياتي .
قلت لها : كظم الغيظ réprimer la colère هو أعلى درجات الحكمة والحِلم la sagesse، وهو من أحسن الخصال التي أمر بها الإسلام ، فهل أنت مسلمة ؟
قالت : لقد أحببت الإسلام وعشقت أخلاقه وآدابه، وأحببت نبيكم محمد ولكن مازال في نفسي شيء ، فأدعو الله لي أن يهديني إذا كان الإسلام هو دين الحق ...
ثم أكملنا الرحلة نتكلم عن الإسلام والمسلمين والمسيحية والغرب والعرب ...
توقف القطار في Montbéliard ، ودعناها ونزلنا،
وأكملتْ هي إلى زوريخ، تمنيت لو تلك السفرية لم تنته، وندمت أنني لم آخذ منها عن أنها وهاتفها ...
منذ ذلك الوقت، 41 سنة،وأنا أدع الله أن يهديها للإسلام ... إذا مازالت على قيد الحياة تكون قد قاربت 100 سنة .
كنا أنني منذ تلك الرحلة كلما تعرضتُ لمثل ذلك الموقف، فيما أسمع أو أقرأ، أتذكر تلك المرأة، وأحاول كظم غيظي ... ووالله إنه لجهاد للنفس كبير ...
في مثل هذه الحالات قد يعتبرك بعض الناس عديم الفهم، وبعضهم يعتبرك إنسحابي، وبعضهم يعتبرك قليل الشجاعة، وبعضهم يعتبرك متورط ... إثنان فقط يعرفون الحقيقة : أنت وربك ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري