الدكتورعبد القادر سماري

إنا لله وإنا إليه راجعون،

إنا لله وإنا إليه راجعون،
لله ما أعطى ولله ما أخذ،
اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيرا منها،
إنتقل إلى رحمة الله وعفوه ورضوانه، الإمام الداعية المربي الشيخ ( نعيم رحالي ) عن عمر يناهز 85 سنة بعد أن قضاه كله في خدمة الاسلام والجزائر، فهو رحمه الله من مواليد 1939 .
الشيخ (نعيم رحالي) رحمه الله واحد من مؤسسي الصحوة الإسلامية المعاصرة في الجزائر،
فبعد أن تشبع بالاسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة،
وبعد أن تَشَرَّب بالوطنية من معينها الصافي نضالا وجهادا ،
بعد كل ذلك
جعل حياته كلها وقفا لله ودينه الحنيف علما وتعليما ونشرا، ثم للجزائر جهادا ونضالا، ولفلسطين دعما ونصرة وتأييدا، وللبشرية كلها توجيها وتربية ،
فله مآثر جمة ومواقف مشهودة وصولات وجولات يستحيل ذكرها كلها في هذا المنشور، ولكن سنقتصر على بعضها،
طفولته وشبابه كله قضاه في حفظ القرآن، وتحصيل العلم بمختلف أبوابه ومناحيه، في مدارس جمعية العلماء المسلمين الحزائريين، وفي جامعة فاس، وفي جامعة الزيتونة،
ثم في خدمة ثورة التحرير الخالدة التي نعيش هذه الأيام ذكرى اندلاعها.
ومع الاستقلال أصبح أستاذا في ثانوية ( الشيخ البشير الابراهيمي ) بمدينة ( عين تيموشنت ) وفي نفس الوقت إماما مرشدا وداعيا متطوعا ومتنقلا في مساجدها .
لينتقل بعد ذلك إلى مدينة وهران، وليترسم في مسجد
( زين العابدين ) ليجعل منه منارة للدعوة والإرشاد والتربية والتوجيه،
وفيه بدأ عملا نوعيا مع نساء وحرائر وفتيات وبنات وهران، ليتخرج على يديه آلاف الحافظات لكتاب الله، وتنطلق منه المرأة الوهرانية في التوعية بأركان الاسلام وبعث الأخلاق الفاضلة ونشر الفكر السليم.
ولقد عرفته أواخر الثمانينات، في مخيم ( دواودة البحري ) حيث كان لنا أول لقاء مع ثلة من أبناء الجزائر البررة من مختلف ولايات القطر وجهاتها شرقا وغربا شمالا وجنوبا ووسطا،
ذلك المخيم الأول من نوعه، أشرف عليه الشيخان، الشيخ محفوظ نحناح والشيخ محمد بوسليماني، رحمهما الله،
وكان مدير المخيم الآخ ( بوحمعة عيادي ) حفظه الله .
وأطره ثلة من علماء الأمة، في مواضيع مختلفة، حول أصول الدعوة، التخطيط الاستراتيجي، المخاطر التي تهدد الأمة، العمل النقابي ... كل تلك المواضيع لا أزال أحتفظ بملخصاتها ...
ومنذ ذلك الحين ( ما يقارب الاربعين سنة ) لم تنقطع علاقاتنا أبدا، وكانت آخر زيارة قمت بها له في بيته بوهران قبل شهر ونصف يوم 29 سبتمبر الماضي ،
وخلال هذه السنوات خضنا مع الأحباب والأصدقاء العديد من المجالات، الدعوية والفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية والتنظيمية .
وكانت لنا سفريات معا إلى الكثير من مدن الجزائر، البليدة، العاصمة، سطيف ، الوادي، بسكرة ... وغيرها.
وبعد التعددية السياسية وتأسيس حركة المجتمع الإسلامي أصبح فضيلته أول رئيس لمجلس الشورى الوطني.
كما كان حاضرا في الكثير من اللقاءات الرسمية، ومنها لقاءات لجنة الحوار الوطني بعد توقيف المسار، وشارك أيضا في وفد الحركة أثناء إنعقاد ندوة الوفاق الوطني .
ولقد كان لا يترك فرصة إلا واستغلها للدعوة إلى الله، والإرشاد لتعاليم الاسلام السمحة، والتذكير بقدرة الله وعجائب صنعه في خلقه ...
ومما أذكره، وقد ذكرته في أحد المنشورات في هذا الفضاء، أننا كنا في جنان الميثاق، في لقاء مع لجنة الحوار الوطني من أجل إيقاف النزيف الدموي الذي مرت به الجزائر بداية التسعينيات، تلك اللجنة التي كان يرأسها المجاهد الطبيب العقيد ( يوسف الخطيب ) رحمه الله، وكان ضمن اللجنة العديد من الشخصيات الوطنية، من بينهم ثلاثة ألوية ( الدراجي، صنهاجي، تواتي ) ونحن نتكلم عن الوضع الأمني والوضع السياسي والوضع الاجتماعي فإذا بالشيخ ( نعيم رحالي ) رحمه الله، يوقفنا ثم يطلب منا أن ننظر إلى السماء، فرفعنا أبصارنا فإذا هي أفواج من طيور الزرزور تحوم فوق رؤوسنا مُشَكِّلَة أشكالا مبدعة ورائعة ...
ثم تلى قوله تعالى من سورة الملك (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير، أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور ) ... فوجم القوم، وخشعت أبصارهم، واستمعوا بكل إصغاء وإنصاة وخضوع ... كانت جلسة
ثم انطلق في التذكير بقدرة الله وبديع صنعه وقوته على خلقه ...
أما جلساتنا الروحية فحدث عنها ولا حرج، قرآن، وذكر، ومأثورات ...
أما عن الملح واللطائف والنكت البريئة فلا تُمل معه بل يعيد من خلالها البسمة والامل، وهي شفاء للنفس في خضم الأحداث والالام .
أما تربية الأولاد فقد كان فيها فارسا لا يشق له غبار، بل هو مجاله المفضل، سواء أبناءه من صلبه الذين رباهم أحسن تربية، أو أبناء الآخرين ...
ولن أنسى حين زارني إلى سطيف، فجلسنا بعد صلاتي المغرب والفجر مع أبنائي نؤدي المأثورات ليختمها بدعاء الرابطة بصوته الجهوري.
وإليه يرجع الفضل في تغيير التسمية من (حركة المجتمع الاسلامي ) إلى (حركة مجتمع السلم) ، فبعد صدور دستور 1996 الذي يمنع إستعمال الاسلام في أسماء الاحزاب، جلسنا في مكتب الشيخ (محفوظ نحناح ) رحمه الله نتشاور، فإذا بالشيخ ( نعيم رحالي ) رحمه الله، يقول ، لا بأس نغير الاسم بإسم مرادف له، إنطلاقا من قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) والسلم هنا هو ( الإسلام كله ) وهذا ما ذهب إليه معظم المفسرين ( والكلام للشيخ رحالي )،
فتبسمنا وقال الشيخ محفوظ رحمه الله: إذن على بركة الله فلتكن ( حركة مجتمع السلم ).
فاعتمدت.
وهكذا كانت لك حياته للإسلام والوطن ...
أتمنى أن يكون قد ترك لأبنائه بعض ذكرياته ومذكراته ...
عزائي لنفسي ولإخواني وللجزائر ولأبناء وأهل وأحباب الشيخ نعيم رحالي ،
اللهم اغفر له وارحمه وارض عنه وتقبل منه وأدخله الجنة ونجه من النار واحشره في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وألحقنا به على خير.
وإن شاء الله غدا سنكون في وهران لحضور الجنازة التي ستكون مباشرة بعد صلاة الجمعة انطلاقا من مسجد ( زبن العابدين )

د. عبدالقادر سماري