الدكتورعبد القادر سماري

اليوم الذكرى 36 لرحيلها، على أمل اللقاء هناك ....

اليوم الذكرى 36 لرحيلها، على أمل اللقاء هناك ....
هي إمرأة أحببتها، هِمتُ بها، لم تملك في الوجود أية حسناء قلبي وروحي ووجداني مثلما فعلت هي،
طيفها لم يفارقني منذ عرفتها، حتى بعد فراقها ...
في حياتي التي تجاوزت الستين عاما ذقت أنواع الحب والود والحنان ... ولكن حبها وودها وحنانها له طعم خاص أتذوقه كل وقت وحين ...
كان عمرها 25 سنة حين وقعت عيني بعينيها، أكيد هي عرفتني، أما أنا فأظن أنني لم أبال بها، لأنني كنت أصرخ وقد خرجت من رحمها حيث كنت أتغذى دون جهد، واتحرك دون عناء ...
عشت معها 29 سنة، موزعة كالآتي :
* 4 سنوات لا أذكر منها شيئا وقعت لي فيها أمور كبيرة وأحداث جسام ( لقاء وجها لوجه بعد أن أفرغتها من دمها ، ومنذ اليوم الأول بدأت أمص حليبها، أحرمها من النوم والراحة، تعلمني الجلوس ثم الحبو، تعلمني المشي، تعلمني الأكل والشرب، تمسح قاذوراتي، تسهر حين تنبت أسناني، تلاعبني، تناغيني، تداعبني، تعلمني النطق، تُرْقيني وتعوذني بما تحفظ، وأملها معقود في هذا الوافد الجديد...
* 12 سنة بين : الكُتَّاب ( الجامع ) + المدرسة الابتدائية + المتوسط + اللعب ( ليس لنا سوى كرة القدم والغميضة) + أدخل للبيت من أجل (مراجعة الدروس، الأكل والشرب وطعامي جاهز ، شرابي جاهز، لباسي جاهز ، أدواتي المدرسية جاهزة، والنصائح والتوجيهات في كل وقت وحين )
* 3 ثلاث سنوات بعيد عنها : في الثانوية داخلي، وقد أعدت هي الاقمصة والسراويل المطلوبة للنظام الداخلي وكلها من نسيج وخياطة يدها وقد ساعدتها في ذلك أختاي، خلال الثانوي لا نرجع لقريتنا إلا مرة في 15 يوم
* أثناء العطل طيلة 15 سنة الماضية : معظمها عند جدي الحاج الضيف في زاويته العامرة ( قرآن ورعي أغنام ومعز وأبقار، ومساعدة في جمع سبول القمح والشعير والحصد والدَّرْس والذري وطين النوادر ...)
* 4 سنوات في الجامعة بالنظام الداخلي، نرجع لقريتنا من أسبوع إلى أسبوعين، ولكن تغيرت الاهتمامات، بدأنا الحلقات المسجدية، واللقاءات التربوية في البيوت،
لقاءات مجموعتي كانت معظمها في بيت حبيبي وحبيبتي، كانا تهيئان البيت والأكل ولا يضيقان بي وبأصحابي ... كانت تعتبرنا أبطال جئنا لنعيد للدين مكانته بعد أن كاد يزول من حياة الناس ... تنتهي الجامعة لأنال منحة للخارج إلى فرنسا
* 4 سنوات في قرونوبل بفرنسا، أخذتها معي مرة واحدة، بقيت شهرين بيني وبين أختي المقيمة في فرنسا...
فلما أنهيت الدكتوراه ... رجعت لأرض الوطن للأب للأم للإخوة للأخوات للأهل للأحباب للإخوان ... ولكن ... بعد ستة أشهر من عودتي يرحل سندي، وتدي، عضدي، معلمي، والدي سيدي عمار بن الضيف، يرحل لملاقاة ربه ... ثم ذهبتُ إلى الخدمة العسكرية ... وبعده بسنة ونصف ( سنتين من عودتي ) تلحقه حبيبتي ضيائي حناني ... فيتركا فراغا لا يملؤه سوى القرآن الذي رتلناه في حياتهما والذِّكر الذي كنا نترنم به معهما، وكثير من الحب والحنان الذي أخذناه عنهما ...
حين استحضر ال 27 سنة مع سيدي عمار، و ال29 سنة مع أمي جميلة، بوجودي معهما ربما لا أجد أنني عشت معهما إلا بضعة أشهر ...
خلالها أعطتني هي، كما أعطاني هو، كل شيء وحين اشتد عودي، وبلغتُ أشدي، واستوتْ سنابلي، ونصجتْ ثماري ... إلتحقا بالرفيق الأعلى ... كأنهما يقولان ( لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ) ( جزاؤنا عنده ) ... اللهم ارحمهما وارحم جميع أمهاتنا وآبائنا ومشايخنا وأحبابنا وموتانا ...
في إحدى المرات كنتُ معها نمشي ومعنا أختي وزوجتي وإبني عبدالله أدفع به عربة الأطفال، دخلنا متجرا ، أخذت أمي لباسا وقاسته لعبدالله، ثم دمعات سقطت من عينيها على وجنتيها، أما أنا فلم أفهم سبب البكاء ...
نظرت في عينيها، وقلت لها : لماذا هذه الدمعات وهذا البكاء ...
قالت وقد ازداد الدمع إنهمارا : الحمد لله، أنتم الآن تجدون ما تكسون به أبناءكم، أما نحن فقد ولدناكم تحت الاحتلال، فحرمتنا فرنسا لذة التمتع بكم، بل كنا نخبؤكم في الزريبة والكوري ( حشاكم ) مخافة أن تبطش بكم فرنسا ...
تذكرت هذه القصة مستحضرا معاناة الأمهات والآباء والأجداد والجدات في فلسطين و غزة والقدس والضفة وأراضي 48 ولبنان واليمن وسوريا ...
تلك معاناة أحسستها في دمعات أمي، سمعتها في حشرجة صوتها ... ولا ولن أنسى حين دخلت غزة في أوت 2010 وقابلت أمهات الأسرى، إقترب من واحدة منهن وقد علاها الاكتآب والدمع في عينيها، قلت لها : ليس لي أم، فأمي توفيت قبل سنوات، فهل تقبلين أن تكوني أمي ، احتضنتني وابتسمت، وقالت: يا بشراي ...
حقا إنها معاناة ليس لها من دون الله كاشفة ... رحماك يا رب ... رب لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ... رب لا تؤاخذنا في تقصيرنا فالعين بصيرة واليد قصيرة ...
اللهم اكشف عنهم الضر، ونجهم من الغم، وأزح عنهم الهم، وأنصرهم ... فالأمر بيديك، منك وإليك ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري