في المنشور السابق، ذكرت بأنني مسافر لإصلاح ذات البين، ولكنني لم أكتب الولاية، ولا الموضوع، واكتفيت بالاشارة فقط ...
في المنشور السابق، ذكرت بأنني مسافر لإصلاح ذات البين، ولكنني لم أكتب الولاية، ولا الموضوع، واكتفيت بالاشارة فقط ...
ولكن بعد الجلسة طلب مني الإخوة الكتابة عن الموضوع، لأن هذا من تاريخنا الذي يجب أن يُحْفظ ويُذكر ليستفاد منه ...
هذه هي الحكاية... ،
قبل أيام يتصل بي أحد الأصدقاء من ( عنابة ) ليخبرني بأن هناك سوء تفاهم بين الإخوة العاملين في الحقل الدعوي والسياسي ، ومن الواجب الإسراع في لملمة الموضوع قبل استفحاله وانتشاره، وعلى حد قوله ( بعض الأمور تبدأ بسيطة ثم تتفاقم إلى درجة اللارجوع ) وذكر لي بعض الأمثلة، وأردف قائلا ( معظم النار من مستصغر الشرر ) ...
والحقيقة أن ( عنابة ) مثل معظم ولايات القطر، لها عندي مكانة خاصة، فلقد كانت تعتبر مركز أساسي من مراكز العمل الدعوي والسياسي والخيري في الشرق الجزائري، وبها تعرفت، في ثمانينيات القرن الماضي، على الكثير من الأحباب والأصدقاء الذين جمعنا بهم العمل ( خدمة للدين والوطن والمجتمع ) منهم من قضى نحبه، أمثال علي العايب، نور الدين لعشوري، عرفة بوعامين، حسان عيايشة ... وآخرون ،رحمهم الله،
ومنهم من ينتظر، وإن شاء الله لم يبدلوا تبديلا، نتمنى لهم طول العمر والصحة ... لهذه الاعتبارات وجب تلبية النداء... فلم أفكر طويلا، بل سارعت إلى الطلب من أبنائي شراء تذكرة الطائرة، وقبل فجر أمس الجمعة كنت في مطار (هواري بومدين )، لتحط بنا الطائرة في مطار ( عنابة ) مع أول إشعاعات شمس ( الجمعة )،
وجدت أحد الشباب العنابي ( وليد ) في الانتظار، في الطريق من المطار إلى المدينة تبادلنا أطراف الحديث عن عنابة، الايمان، الاولاد، فلسطين ... ثم قال لي : الظاهر أنك مرهق، لا تتعب نفسك، لقد طلب مني الإخوة أن أوصلك إلى الفندق لتستريح، وسيمرون عليك قبل صلاة الجمعة ... استحسنت الرأي، وقلت في نفسي : الحمد لله أن الإخوة يتفهمون أحوالنا بعد هذا العمر، وتذكرت السنوات الخوالي، حين نكون في مهمة دعوية أو سياسية، لم نكن نعرف الراحة ... من سفر إلى لقاءات ثم السفر ... الراحة مافيييش ...
المهم أخذنا قسطا من الراحة ... الهاتف لم يتوقف، من بين المتصلين الأخ الاستاذ (صليح بدايرة ) من ( الدرعان ولاية الطارف)، أخبرته أنني في (عنابة )، اعتبرت إتصاله منحة ربانية، لأنني كنت أفكر في زيارة الآخ الاستاذ الشيخ ( عبدالكريم مناعي ) المقيم والإمام في مدينة ( الشط ) ، هذا الرجل الرباني، العامل، الداعية، المصلح، والذي عرفته منذ أكثر من ثلاثين سنة في مسيرتنا الدعوية قبل التعددية السياسية، كان نعم الصديق ونعم العامل، كل الأخلاق والقيم والاركان اجتمعت فيه ...
فاتفقت مع الاستاذ ( صليح ) أن يتواصل مع إخىة عنابة، ويمرون عندي لنصلي الجمعة في ( الشط ) عند الشيخ (عبدالكريم)،
وذاك الذي حدث ... فلقد جاءني أساتذة عنابة وانطلقنا نحو ( الشط )... خطب فينا الشيخ (عبدالكريم )، خطبة قيمة، ممزوجة بأمرين لا غنى لنا عنهما، خاصة في هذه الظروف :
العلاقة مع الله حبا وتقربا
و
العلاقة مع الوطن خدمة وحماية
وكان يوم الشهيد، في خطبة الشيخ، هو حجر الزاوية والاسمنت المسلح الذي يجمع بين طرفي هذه الثنائية، لأن يوم الشهيد قد قرب ( 18 فبراير ) ... كانت للشيخ استشهادات طيبة ومفيدة عن المقاومات الشعبية ضد الاحتلال البغيض، والثورة المظفرة ونتائجها المبهرة ... ثم دعوات وابتهالات ل ف...ل...س...ط...ين ..
بعد الجمعة كانت لنا جلسة طيبة مع الشيوخ ( الشيخ عبدالكريم ، والشيخ صليح ) تبادلنا الأشواق والتحايا، واستذكرنا بعض محطات السنوات الخوالي، دون أن ننسى رفقاء الدرب ... رغم أن الجلسة كانت قصيرة، ولكنها كانت مفعمة بالأحاسيس الجياشة والذكريات الطيبة والنظرات المؤنسة ... كم هو جميل أن يجدك إخوانك وتجدهم لا يزالون حافظين للود، مراعين للعهد، ومتمسكين بالوعد ... خدمة للدين والوطن... توادعنا وافترقنا ...
رجعنا إلى عنابة، لنبدأ ما جئنا من أجله ... إصلاح ذات البين.
إصلاح ذات البين لها قواعد واستراتيجيات وتكتيكات ... نية الصلح مطلوبة، ولكن يجب أن لا تفسدها بسلوكيات وممارسات منافية للمقصد،
الكلمة لها وقعها وموقعها،
والنظرة كذلك،
ولغة الجسد لها مفعولها... يجب أن تسمع من كل الأطراف ...
وكما تقول لي دوما ( إبنتي ) احرص أن تر كل طرف بعين الطرف الآخر ... والصبر مفتاح الفرج ...وذاك ما كان ...
الجلسات الثنائية متعبة ولكنها رائعة ومفيدة ، يا سبحان الله ...
عندي يقين أن كل متحدث صادق فيما يقول، ولكن يقوله بطريقته وصيغته ومن الزاوية التي يراها ... حتى تحس أن كل واحد عنده الحق ... طبعا اللقاءات كانت ثنائية ... والأدب والاحترام والتقدير مَيَّز كلمات كل الاخوان حفظهم الله .
اقترب وقت المغرب ...
نحن مدعوون لجلسة جامعة عند الآخ ( المسعود ) ...
يجوز بل يستحب تعدد النيات في العمل الواحد :
نية الصلح بين الاحباب ،
نية زيارة المريض فالآخ مسعود رجع من عملية دقيقة،
نية الفطور الجماعي فكل الإخوة كانوا صائمين،
نية التواصي باستغلال شهر رمضان في التقرب إلى الله...
فاجتمع الشمل في البيت العامر، بيت الاستاذ ( مسعود ) الذي أبى إلا أن يكون مضيفنا ... وكم كان المشهد جميلا ورائعا حيث حضر معظم ، إن لم أقل كل المعنيين،
وانضم إلينا أيضا الاخ الاستاذ الدكتور ( عبدالرزاق عاشوري ) والاخ الاستاذ ( عمار اعراب ) وإخوة آخرون ... افتتحنا الجلسة بآيات من كتاب الله قرأها الآخ مسعود، ثم تناولنا تناولنا الكلمة، وطرحنا موضوع اللقاء، وطلبنا من الإخوة ليقول كل واحد كلمته ...
تناول الكلمة الاستاذ ( محمد نايلي )
وبعده الاستاذ ( عبدالقادر حطاب ) وبعده الاستاذ (يوسف شوشان) ثم الاستاذ ( نورالدين بلعمري ) ... وقبل أن ينهي الأساتذة كلماتهم يأتينا خبر مفاده: أن أحد الصحفيين يكتب منشورا يذكر فيه بأن هناك استقالات وانشقاقات داخل الحركة في عنابة، وأن الأمور ليست على ما يرام ...
رُبَّ ضارة نافعة،
لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ...
اغتنمتُ الفرصة، لأُذَكِّر الحضور بالأمر الذي جمعنا:
خدمة الدين والوطن والوقوف في وجه الاراجيف والعمل على إصلاح وما فسد ...
تدخل بعد ذلك الاستاذ (عاشوري عبدالرزاق ) وذكَّرنا بالحديث الشريف ( المؤمن بين خمس شدائد ... )
ثم كانت الكلمات القيمة للسادة النواب أعضاء المجلس الشعبي الوطني (( عبدالهادي، سكلولي، حطاب )) ...
وبين لحظة ولحظة تهللت أسارير الحضور، واستضاءت وجوههم، وابتسم محياهم، وتصافت قلوبهم ... واكتملت الفرحة وتمت النعمة ... وتعاهد الجميع على استكمال المشوار اليد في اليد خدمة للدين والوطن ...
وبعد تناول الفطور، اتفق الجميع على أن يقول كل واحد كلمة قصيرة، استمعنا للجميع وكم تمنيت لو أن تلك الكلمات النورانية سُجِّلت ونُشرت ... واختتم اللقاء بدعوات طيبة من الاستاذ عمار اعراب ... وافترقنا داعين بالشفاء العاجل للآخ (مسعود) وبالستر والحفظ لكل أفراد عائلته ... دون أن ننسى : ف....ل...س...ط...ين .
أما يوم أمس السبت فقد كان فرصة لزيارة بعض الأحباب في مدينة عنابة وتجديد الوصال والتواصل معهم، ثم كانت لنا محاضرة عن طريق الزوم مع الجالية المسلمة ب ( كاتانيا إيطاليا ) تحت عنوان :
((اغتنام رمضان لتحقيق تماسك وترابط الأسرة المسلمة في اوروبا))
... والان نزلت بنا الطائرة :
والحمد لله رب العالمين ...
والله من وراء القصد
د. عبدالقادر سماري


