الدكتورعبد القادر سماري

إنا لله وإنا إليه راجعون

إنا لله وإنا إليه راجعون
لله ما أعطى ولله ما أخذ ،
الذي نعزي فيه أنفسنا قال لي كلمة قبل 41 سنة ، فهمتها وعملت بها إلى يوم الناس هذا، وقد كانت ولا تزال تلك الكلمة بمثابة القيد حين أغضب و الماء البارد حين أقلق في البيت ... أتمنى من كل المتزوجين وخاصة الشباب المقدمين على الزواج أن يعملوا بها ...
الذي توفي اليوم رجل عرفته يوم 4 جانفي 1984 حين ذهبنا إلى مدينة ( شلغوم العيد) لعقد القران بيني وبين إبنة أخيه ( الحاج يوسف بوفارس رحمه الله ) ، في ذلك اليوم أذكر أن الذي أشرف على العقد الشرعي و ( الفاتحة ) كان إمام المدينة الشيخ ( بن أودينة) رحمه الله ، وبحضور جمع كبير من الاصدقاء والاحباب، الكثير منهم فارقنا إلى دار البقاء عليهم رحمة الله ... وقصتي مع هذه العائلة طويلة ، لم تكن لي معهم أي معرفة ...
كنت وقتها أحضر الدكتوراه في جامعة قرونوبل بفرنسا، حدثت لي مضايقات من بعض البنات الطالبات اللاتي كنا معنا في الإقامة الجامعية Condillac في campus de Grenoble ، وكذلك بعض طالبات الجامعة في
Institut polytechnique de Grenoble
في تلك الأثناء كنت من حين لآخر أؤم ( إمام ) الناس لصلاة الجمعة في مسجد très cloîtrés بمدينة قرونوبل، والصلوات الخمس في مصلى MPS: maison de la promotion sociale
وكان المؤذن رفيق دربي الاستاذ الدكتور العربي زروال حفظه الله، والذي يشهد على مسيرتي منذ التقينا في أول يوم بجامعة سطيف الدفعة الاولى مع أول افتتاح لها، قبل 47 سنة، سنة 1978.
المهم، مع تلك المضايقات عزمت على الرجوع للجزائر للزواج لأحصن نفسي ،
لما وصلت للجزائر قلت لوالدتي ووالدي، أمي جميلة وسيدي عمار رحمهما الله، وشقيقي الأكبر الحاج الميلود حفظه الله، قلت لهم :
أنا أمام ثلاث حالات : إما أن أجد إمرأة وأتزوج وأحفظ نفسي وأرجع بها لفرنسا وأكمل دراستي ،
أو أبقى هنا في الجزائر وأكمل حياتي ولا ارجع إلى فرنسا ،
أو ارجع إلى فرنسا دون زواج وعندئذ أقولها لكم صراحة ( راني رايح نفسد ) وربما ( جمال ) اللي تعرفوه يصبح واحد آخر...
بدأنا في البحث، هنا وهناك، وضعت مع أخي ( جمال الدين لعمش ) قائمة ب 10 أخوات ، لم يكتب الله لي أي واحدة منهن، وكل واحدة لسبب معين، حتى كدت أيأس ... في أحد الايام زرت أخي الدكتور (ابراهيم بوذراع) ، في الحي الجامعي 2000 سرير بجامعة سطيف، كان وقتها طالبا ، وهو الآن مدير جامعة مستغانم ، وجدت عنده مجموعة من الإخوة،
أذكر جيدا أننا في تلك الليلة جلسنا نراجع ( سورة الروم ) والاستاذ ابراهيم يقرؤها بصوته الشجي،
استفسروا عن مجيئي من فرنسا، قلت لهم : أبحث عن إمرأة للزواج ،
بعد أخذ ورد، تكلم أحد الحضور ،
وهو السيد ( مالك عبدالقادر ) حفظه الله، الذي كان طالبا عندي قبل ذهابي لفرنسا، حيث أشرفت على تدريسه
Les travaux pratiques de chimie analytique
قال لي : عندنا في شلغوم العيد رجل طيب عنده بنتان، إحداهما تقدم دروس للأخوات في مسجد ابن باديس، حاول ربما يكون فيه خير ، وتكون إحداهما من نصيبك ...
قلت له : غدا تذهب لشلغوم العيد وتحدد لي موعد معه ...
وذاك الذي حدث، في أقل من أسبوع كنا على موعد لعقد القران، دون سابق معرفة، والقصة تطول ...
المهم قمنا بالفاتحة كما أسلفت سابقا، في يوم 4 جانفي 84، ثم حددنا موعد الزفاف ليكون يوم :
26 ماي 1984 ،
ذهبت لفرنسا لترتيب الاوراق والبحث عن بيت، ثم رجعت للعرس والزفاف ... بعد الغداء، بدأ المعازيم في الانصراف، كنت أودع الحضور لأنني غدا 27 ماي 1984، سأرجع إلى فرنسا مع أمي جميلة رحمها الله، والزوجة، في تلك الأثناء يتقدم مني فقيدنا ، الذي افتقدناه اليوم، يُعرِّف نفسه ويقول : أنا ( التركي بوفارس ) نسيبك عم زوجتك ...
ثم ينظر في عيناي ويقول :
(( رانا فرشنالك لحمنا ودمنا حافظ على الأمانة، على بالي بأنك ما تعرفش بنتنا ( يقصد إبنة أخيه التي أصلحت زوجة ) وما تعرفناش ولكن أنوي الخير تلق الخير ... ))
أمام تلك الكلمات ، ومع أن نيتي ومقصدي من الاول كان لله خالصا، التعفف والتحصن، ومع ذلك جددت نيتي ومقصدي في تلك اللحظات ...
فكانت تلك الكلمات جرعة وحقنة أفادتني في حياتي الزوجية التي تقارب على 41 سنة، ويشهد الله ما رفعت يدي إليها أبدا بسوء، وكلما غضبت أو قلقت أو إعترانا ما يعتري كل الازواج من سوء تفاهم في أمور البيت والعائلة والاولاد إلا وانسحبت حتى وإن كان صدري يغلي كالمِرْجَل،
وكلما جاءنا خاطب لواحدة من بناتنا إلا وقلت له تلك الكلمات بطريقة أو بأخرى، كما أقولها لأبنائي ومعارفي حين يقدمون على الزواج، وأقولها للعرسان حين أحضر أي زفاف عسى الله أن ينفعهم بها...
استمرت علاقتنا مع عائلة ( بوفارس ) عموما ومع عمي ( التركي) رحمه الله منذ ذلك الوقت إلى الآن على أحسن ما يرام ... نتواصل ونتزاور ، نحضر الافراح كما نتشارك في الاحزان، إلى أن وصلني خبر وفاته بالأمس ( الاثنين ) مساء بعد معاناة مع المرض وقد بلغ من العمر 81 سنة ... وأنا الآن في الطريق لحضور جنازته التي ستكون بإذن الله اليوم الثلاثاء بعد الظهر في شلغوم العيد :
اللهم اغفر له وارحمه وارض عنه وتقبل منه وأدخله الجنة ونجه من النار واحشره وآبائنا وأمهاتنا وكل موتانا في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وألحقنا بهم على خير ....
هكذا كانت بداية تكوين أسرة، أحتسبها وأحسبها أنها كانت ولا تزال لله خالصة ثم للوطن والامة والعائلة،
كثير هم و هن( رجال ونساء ) من لهم علينا فضل يجدون جزاءه وأجره عند الله، فلهم منا الدعوات الصادقة ... والله من وراء القصد
د. عبدالقادر سماري