الدكتورعبد القادر سماري

آية و تدبر تقودك إلى أخذ قلم و اوراق للكتابة فتغمرك السعادة و تحس بالتقصير :

آية و تدبر تقودك إلى أخذ قلم و اوراق للكتابة فتغمرك السعادة و تحس بالتقصير :
إستوقفني قول الله تعالى : (و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) و جدتها ذُكرت مرتين ، في سورة إبراهيم ( ... إن الانسان لَظَلُوم كفار ) و في سورة النحل ( ... إن الله لغفور رحيم ) ، قلت لعل الله يأمرنا بأن نَعُد نعمه علينا،افعل مثلي خذ قلما و ورقة و ابدأ بكتابة نعم الله عليك ، أما أنا فقد أخذت قلما و ورقة ،ثم أوراق ،و بدأت أعد نعم الله علي و أكتبها ، إليك بعضها : نعمة الخلق و لم أك شيئا و كان بمقدوره أن يتركني في العدم ، نعمة الآدمية و كان بمقدوره سبحانه أن يخلقني أي حيوان أو أي نبات ، تذكرت كل الحيوانات و النباتات التي أعرفها وجدت أنها كلها مسخرة لخدمة ابن آدم و هو سيدها من أكبر الحيوانات و المجرات الى أدقها، ثم نعمة ان يخلقني في محيط مسلم مؤمن و كان بمقدوره أن يخلقني في أي مكان مع عبدة الشمس أو عبدة البقر أو عبدة البشر أو أي قوم ، ثم نعمة هذا الوطن الذي تزخر أرضه بالبطولات و الشهداء و المجاهدين و ما ينعم به من خيرات ظاهرة و باطنة ، و كان بمقدوره أن يخلقني في أي بقعة من الارض لا ترقى الى ما هو عليه هذا البلد الطيب ، ثم نعمة أن خلقني في قوم و عشيرة همهم العلم و الجهاد و البذل و التضحية ليس فيهم مجاهر بفساد و لا بائع لدينه و وطنه ، و كان بمقدوره أن يخلقني في قوم سوء و فساد و ضلال و انحراف ، ثم نعمة أجدادي و أكرم بهم من أجداد ،تتبعت تواريخهم كان همهم القرآن و الارض ، القرآن للروح و العقل و القلب ، و الارض للجسم و حاجاته ، و كان بمقدوره أن يخلقني من أجداد أضاعوا القرآن و الارض معا فأحسست بها من نعمة لا تضاهي ، ثم نعمة جديّ لابي و أمي اللذين أعرفهما رحمهما الله ،وحياتي معهما كلها نعم ، جهاد علم معروف صدقة ضيوف تربية عطاء بذل تواضع ... ، اختر أي صفة حميدة و اكتبها و لا تبالي ، إن لم تكن متوفرة في كليهما فهي في أحدهما أو في أحد أبنائهما ، لم أجد من أقرانهم أو من عايشهم من يذكرهم بسوء ، كان بمقدوره سبحانه أن يجعلني من أجداد يستحي المرء أن ينتسب إليهم ، رغم أنه " لا تزر وازرة وزر أخرى " ، ثم نعمة الوالدين ، و تلك نعمة لن أوفيها حقها تذكرًا أو كتابة أو شكرًا ، لا همّ لهما إلا أن يعيشا مع الله ، رغم أن والديهما من عائلتين ميسورتين و لهما أملاك إلا أنهما نذرا نفسيهما للقرآن تعلّما و تعليما، و للناس خدمة و عطاء ، لا تفرغ البيت من الضيوف و عابري السبيل و ابناء الاقارب الذين جاؤوا من البوادي و يدرسون عندنا في قريتنا التي أصبحت الان مدينة ، ما سمعتهما و لا رأيتهما يوما يشتكيان من شيء أو من أحد ،سهرت معهما فكانت النعم ،نمت عندهما فكانت النعم ،سافرت معهما فكانت النعم ،جُعت معهما فكانت النعم، شبعت معهما فكانت النعم ،عطشت معهما فكانت النعم، حياتهما نعمة بل و موتهما رغم مرارتها و قوة مصيبتها نعمة ، توفيا رحمهما الله في أواخر الثمانينات لما بدأت المشاكل و الفتن في بلدنا الحبيب و لم يبلغا الستين عاما تتابعا، عايشا الاستعمار الفرنسي فجاهدا في الله ، عايشا الاستقلال فشاركا في البناء و خير ما قدما للوطن عشرة من البنين و البنات و عدد من الأحفاد و مئات من التلاميذ و التلميذات كلهم الان كوادر للبلد ، عايشا بداية الصحوة فكانا نعم المعينين لأبناء الصحوة ، ما من داعية أو إمام زار بلدتنا إلا و دخل بيتهما ، و انتقلا الى رحمة الله و لم يصبهما ما أصابنا ، و كان بمقدوره سبحانه أن يجعلني من والدين منحرفين ، رغم أنه " لا تزر وازرة وزر أخرى " كما أسلفت ، أو من والدين باعا دينهما و وطنهما بثمن بخس ، او من والدين أسلما أولادهما للشارع و الشيطان ، أو من والدين كانا عائقا في وجه الصحوة و الدعوة الى الله إنها نعمة لا تقدر بثمن ، ثم نعمة الدراسة في مراحلها الابتدائية و المتوسطة و الثانوية و التي لم تكن متوفرة لأعداد كبيرة من أترابي لنقص المرافق و شُح الوسائل وقلة الكوادر و هي مراحل تداخل فيها الغث بالسمين و الخير بالشر و الصلاح بالفساد ، درسنا فيها على أصناف من الاساتذة متناقضة توجهاتهم متباينة مشاربهم مختلفة أطروحاتهم متضادة نظراتهم للحياة و إلقينا بتلاميذ من مختلف طبقات المجتمع علما و جهلا ، حسنا و سوءً ، غنى و فقرا، دينا و فسقا، طاعة و معصية، عملا و كسلا و رغم ذلك خرجنا من كل المراحل بأفضل النتائج و أحسن الأحوال و انتقلنا من مرحلة الى أخرى بتفوق يحدونا الأمل في التحصيل و الارتقاء ، و كان بمقدوره سبحانه أن يوقف مسيرتنا في الابتدائي مثل معظم التلاميذ أو تتعثر خطواتنا في المتوسط مثل باقي الزملاء أو نرسب في البكالوريا مثل مئات الأقران حيث كانت نسب النجاح قليلة جدا ، ثم نعمة الانخراط في العمل الدعوي و الصحوة أواخر السبعينات و بداية الثمانينات من القرن الماضي ، من غير حول منا و لا قوة ،لم تكن هناك مراجع لا في الكتب أو المجلات و لا في الأفلام او المسلسلات ، بل و لا في الأشخاص و المرجعيات إلا بقية باقية من تدين الآباء و محافظتهم على كتاب الله و بعض الاساتذة ممن حافظ على ادبيات الثورة المستقاة من ديننا السمح و أخلاقنا الفاضلة ، في الثانوية كنا نصلي مع الشيخ الصالح ثابتي رحمه الله صلاة ليست كالصلاة لما أتذكرها الان أقول في نفسي : الرجل كان يعرف الفقه و لكنه كان يصبر علينا حتى لا نذهب و نتركه وحده، في فناء الثانوية نستمع للأخ لحسن حلقوم حفظه الله يقرأ (و إن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم ) فنطرب و نفتعل الخشوع ، انخرطنا في الدعوة و نحن قلة قليلة في بلدتنا لا يتجاوز عددنا العشرة شباب أول درس فيما بيننا في الأصول لم نفهم شيئا دخل علينا سي أحمد بلحاج الصالح رحمه الله ، و هو زيتوني ،وبكى و قال : ما كنت أظن أنه يأتي اليوم الذي يحيى فيه هذا العلم ، و في جامعة سطيف ( 1978) كنا خمسة فقط نصلي جماعة و نتذاكر و لم يكن إلتزاما قويا بل التزام بأهداب الدين و لكنه كان عاصما لنا، بعد الله، من الانحرافات الكبرى ، و كان في الإمكان أن نجنح إلى ما كان عليه من هم في سننا ، لم نتجاوز العشرين عاما وقتها، من ميوعة في السلوك أو انحرافات في العقيدة أو انزلاقات في المعاملات أو تشوش في الفكر أو حرب للدين أو انجرارا نحو الشيوعية و الاشتراكية حيث كانت موظة العصر ... إنها نعم الله ... هذا دون الكلام عن النعم العامة من سمع و بصر و حواس و مطعم و نشرب و ملبس و ... اللهم إنا أصبحنا منك في نعمة و عافية و ستر فأتم علينا نعمتك و عافيتك و سترك في الدنيا و الاخرة ... آمين يا رب العالمين