سانحة صباحية :
سانحة صباحية :
(( الهوية )) لا يحددها الأكاديميون، مهما كانت اجتهاداتهم،
ولا يفرضها القانون مهما كانت بنوده،
ولا يصيغها الإعلام مهما كانت وسائله ...
إنما (( الهوية )) سلوك المجتمع وقناعاته، التي يتوارثها من مراجعه الحقيقية، ويأخذها عن رجاله ونسائه الأصلاء،
والأمة الجزائرية قد حددت هويتها من خلال الموروث الحقيقي والتراكمات العملية ، ويظهر ذلك واضحا في الممارسات المختلفة، والسلوكيات العامة، والمعاملات اليومية ،
ترى ذلك جليا في القرى والمداشر، في المدن والأرياف، في المظاهر الرسمية والعلاقات الشعبية،
قد يشذ عن ذلك البعض من باب ( التغنانت ) أو ( خالف تعرف ) أو ( نزغات الشيطان ) أو ( إحاءات الأعداء ) أو ( النفوس المريضة ) ... وذلك لن يغير من الواقع شيئا مهما حاول هذا البعض تغييره، ومهما أنفق في سبيل ذلك من مال وجهد وكيد ومكر ...
سنوات الستينات و السبعينات كانت هناك محاولات لصرف الأمة عن هويتها، رُصدت لها أرمدة من الأنشطة والندوات والقوانين والسهرات ...
ولكن كل تلك المجهودات باءت بالفشل، ورجع أصحابها يجرون أذيال الخيبة ... بل أن الكثير منهم تاب الله عليهم ورجعوا إلى حضن الشعب فتمسكوا بقيمه وعناصر هويته ، ومنهم من تطرف حتى في تقمص الهوية والدفاع عنها ...
وما نعيشه هذه الأيام إنما هي ملهيات، وفقاعات ، ومحاولات يائسة للرجوع بنا إلى مربع المناوشات التي يُتْقنها بعض مسلوبي الإرادة، ناكصي رؤوسهم، أصحاب الأجندات المعروفة والاسطوانات التالفة ...
فقط يجب أن لا نتركهم يُحدِثون شروخا في جسم الأمة ويلهونها عن استكمال مسيرتها ...
والميدان والعمل المباشر هو الفيصل ... بعيدا عن التشنجات المغرضة، وردود الأفعال غير المدروسة، والعداءات الشخصية ...
إليكم هذه الحادثة :
كنا طلبة في الجامعة أواخر السبعينيات من القرن الماضي، أستاذان في مادة معينة، المكلف بالمحاضرات والمكلف بالأعمال التطبيقية، كانا من التيار اليساري المتشدد والمتطرف، لا يخفون عداءهم للدين، ولا يتورعون حتى في محاربة الفضيلة ونشر غيرها، وأقسما بكل الايمان أن ما يسمونهم ( لخوانجية ) لن ينالوا ( المقياس )، فعلا الافاعيل، لم نعاديهم، ولم نعاملهم بالمثل، رغم استفزازاتهم ... ، تمر السنين، أكثر من 30 سنة ، أدخل إلى مسجد ( 600 مسكن ب سطيف ) ... بعد أن أنهينا الصلاة، فإذا بأحد هاذين الأستاذين، بعد سنوات لم نلتق، يُقْبل عليَّ بالاحضان والبوس والسؤال وكله أمل في إصلاح المجتمع والرجوع بالأمة إلى منابع العز والسؤدد، حاول أن يستذكر معي السنوات الخوالي ...
قلت له : اللي فات مات، نحن أبناء اليوم
قال : يمكن أن نتعاون فإن الأمة فيها خير كثير ...
ما أكثر هذه الأمثلة، أكيد كل واحد منكم مرت به مثل هذه الحادثة.
أصحاب الرسالات يجب أن يكون عندهم النفس الطويل ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري