جزائر كل الآمال ...
4 سلسلة · 4 من 4بشائر الأملجزائر كل الآمال ...
الجزائر… حين أقرأ الواقع بعين الأمل، أرى في التحديات بدايةً لفرص عظيمة!
حين أتأمل واقع الجزائر اليوم، بما فيه من صعوبات اقتصادية وأمراض اجتماعية وعلى رأسها المخدرات، وترهل سياسي وعلى رأسه العزوف الشعبي، ومعوقات إدارية وتنموية، وتحديات داخلية وضغوطات خارجية، أفهم أسباب القلق لدى البعض، وأتفهم مشاعر الإحباط التي قد تنتاب آخرين ... لكنني، رغم ذلك كله، أرفض أن يُختزل مستقبل الجزائر في مشاكل حاضرها، أو أن نجعل من تعثر بعض المسارات حكمًا على قدرة هذا الوطن على النهوض والتقدم.
فأنا حين أنظر إلى الجزائر، لا أرى فقط ما ينقصها، بل أرى أيضًا ما تملكه ولم تستثمره بعد، وما لديها من إمكانات لم تتحول إلى قوة إنتاجية، وما تختزنه من طاقات بشرية وعقول وكفاءات تنتظر الفرصة المناسبة لتبدع وتنجز.
وأماموهذا الواقع أعود بذاكرتي إلى عشرات السنين خلت،
إلى محطات في تاريخ جزائرنا الحبيبة...
أكثر من 130 سنة من الاحتلال الاستيطاني، أستطيع بذاكرتي كيف حاول المحتل أن يقتلع الجزائر من جذورها، وأن يطمس هويتها، ويضعف لغتها، ويفصلها عن تاريخها وانتمائها الحضاري. وأتخيل كيف راهن على الزمن، وعلى سياسات الطمس والإلحاق، حتى ظن أنه استطاع إخضاع هذا الشعب إلى الأبد، وأنه قضى على روح المقاومة فيه.
لكنه لم يدرك أن الجزائر التي كان يحاول إخضاعها لم تكن مجرد أرض يسيطر عليها، بل كانت شعبًا يحمل في أعماقه ذاكرة لا تموت، وهوية لا تُمحى، وإرادة تتوارثها الأجيال.
وظن المحتل، طويلًا، أن ما يفرضه بقوة السلاح يستطيع أن يثبته إلى الأبد فوق الارض وفي الضمائر، فإذا بالشعب الذي أراد له الاستسلام ينتفض، وإذا بالثورة التي أشعلها رجال ونساء آمنوا بالحرية تقلب الحسابات، وإذا بالجزائر، بعد تضحيات جسام وملايين الآلام، تستعيد استقلالها وسيادتها ...
وحين أتأمل هذه المحطة من تاريخنا، أجد فيها درسًا عظيمًا: قد يطول ليل الظلم، وقد تبدو موازين القوة مختلة إلى أبعد الحدود، وقد يظن الظلم أنه انتصر نهائيًا، لكن إرادة الشعوب قادرة على صنع ما يبدو مستحيلًا، متى حافظت على هويتها، وتمسكت بحقها، واستعدت لدفع ثمن حريتها.
أعود بذاكرتي إلى الوراء، وأتأمل المسار الذي قطعته الجزائر!
أتذكر أن هذا الوطن خرج من استعمار استيطاني طويل، خلّف وراءه شعبًا أنهكته المعاناة، واقتصادًا منهارا بعدما أحرقت فرنسا كل شيء وسرقت كل الثروات ، وأميةً واسعة الانتشار، ونقصًا كبيرًا في الكفاءات والمؤسسات وتدمير البنية التحتية. وكانت الجزائر، يوم استرجعت استقلالها، أمام مهمة شاقة تتمثل في بناء دولة من لا شيء تقريبًا، وإعادة الاعتبار لشعب دفع ثمن حريته غاليًا، واستعاد ثقته بنفسه وقدرته على صناعة مستقبله.
أتذكر سنوات عشتها غلاما ثم شابا كيف كانت بعض الدوائر تعمل بدون هوادة لتكون الجزائر تابعة للشرق الشيوعي أو الغرب الامبريالي ولكن يأبى الله إلا أن يقيِّض لها رجالا حافظوا عليها لا شرقية ولا غربية ولكن جزائرية هوية وعقيدة ...
ثم أعود بذاكرتي إلى تسعينيات القرن الماضي، إلى سنوات المأساة الوطنية التي عاشتها الجزائر، حين غرق الوطن في دوامة من العنف والدماء والخوف، وفقد آلاف الجزائريين أرواحهم، وعاشت الأسر محنًا قاسية، واهتزت ثقة كثيرين في المستقبل، وأصبح مجرد التفكير في الغد محفوفًا بالقلق واليأس .
أتذكر تلك المرحلة العصيبة، وأتأمل كيف بدا المشهد قاتمًا، حتى أن البعض كان يعتقد أن الجزائر لن تتمكن من النهوض من جديد، وأن جراحها أعمق من أن تلتئم، وأن الخوف سيظل قدرًا يرافق أجيالها... ولا أستبعد أن يكون بعض خصومها قد راهنوا على أن ما أصابها سيعجزها عن استعادة عافيتها، وأن سنوات الدم والاضطراب ستتركها ضعيفة ومنهكة لعقود طويلة.
لكن الجزائر، رغم فداحة الخسائر وعمق الجراح، لم تستسلم للانهيار. بدأت تستعيد أمنها واستقرارها تدريجيًا، وتعيد بناء مؤسساتها، وتضمد جراحها، وتمضي في طريق التعافي. ولم يكن ذلك نسيانًا للضحايا، ولا انتقاصًا من حجم المأساة، ولا ادعاءً بأن آثارها قد زالت كلها، بل كان دليلًا على قدرة هذا الشعب على الصمود، وعلى أن الأوطان قد تنزف طويلًا، لكنها تستطيع أن تتعافى وتستأنف مسيرتها.
وحين أستحضر هاته المحطات وغيرها من تاريخ الجزائر، أدرك أن التفاؤل بمستقبلها ليس مجرد أمنية أو عاطفة عابرة؛ إنه يستند أيضًا إلى تجارب عاشها هذا الشعب، وخرج منها رغم قسوتها، فمن استعمار استمر أكثر من قرن وثلث قرن إلى مأساة وطنية هددت أمن المجتمع واستقراره، ظلت الجزائر قادرة على تجاوز مراحل ظن كثيرون أنها لن تتجاوزها.
وهنا أسأل نفسي: إذا كانت الجزائر قد استطاعت أن تستعيد حريتها بعد أكثر من 130 سنة من الاستعمار، وأن تستعيد عافيتها بعد سنوات دامية من المأساة الوطنية، أفلا يمكنها أن تتجاوز مشكلات حاضرها لبناء مستقبلها ...
وهنا يأتي حسن الظن بالله، ثم الأمل في هذا الشعب ؟
وأجدني أتدبر أن في أشواط قطعتها الجزائر لا يمكن إنكارها : في التعليم، والصحة، والبنية التحتية، وتكوين الكفاءات، وتوسيع الخدمات، وبناء المؤسسات. وأدرك أن هذا المسار، رغم ما شابه من اختلالات ونقائص، كل هذا يمثل جزءًا مهمًا من قصة وطن استطاع أن يتجاوز كثيرًا من آثار ماضيه الصعب.
وحين أستحضر هذه الرحلة، أجد نفسي مقتنعًا بأن الجزائر التي استطاعت أن تنهض من ركام ، وأن تبني دولة ومؤسسات في ظروف بالغة الصعوبة، قادرة كذلك على تجاوز كثير من معوقات الحاضر، إذا أحسنت تشخيص مشكلاتها، وامتلكت الإرادة اللازمة لمعالجتها، ووضعت الإنسان والكفاءة والإنتاج في صميم أولوياتها.
إنني لا أنظر إلى الجزائر بعين الإنكار، بل بعين الأمل الواعي بالواقع.
لا أنكر وجود البيروقراطية، ولا أتجاهل صعوبات الاستثمار، ولا أغفل عن مشكلات القدرة الشرائية، ولا عن التحديات التي تواجه الشباب في العمل والسكن وتحقيق طموحاتهم. كما لا أتجاهل ما تحتاج إليه الإدارة من إصلاح، وما يحتاج إليه الاقتصاد من تنويع، وما تتطلبه الساحة السياسة من تجديد ، وما تحتاج إليه المدرسة والجامعة ومؤسسات البحث من تطوير، وما يحتاج إليه المجتمع من ثقة أكبر في قدراته وطاقاته.
لكنني أؤمن بأن الاعتراف بالمشكلات ليس دعوة إلى اليأس، وإنما هو الخطوة الأولى نحو حلها؛ وأن تشخيص الاختلالات لا ينبغي أن يتحول إلى جلد دائم للذات، بل إلى انطلاقة نحو الإصلاح والعمل والإنجاز.
فما قيمة أن نعدد ثروات الجزائر الطبيعية والبشرية إذا لم نحسن تحويلها إلى تنمية حقيقية؟ وما قيمة أن نتحدث عن شبابنا وكفاءاتنا إذا لم نمنحهم الثقة والفرصة؟ وما قيمة أن نفتخر بموقع الجزائر وإمكاناتها إذا لم نستثمرهما في بناء اقتصاد قوي، منتج، ومتنوع؟
إن ما يمنحني الأمل في الجزائر ليس النفط والغاز والثروات الطبيعية وحدها، بل ما هو أبقى وأعمق من ذلك: إنه الإنسان الجزائري.
أرى في شباب الجزائر طاقةً هائلة، وفي علمائها وباحثيها ومهندسيها وأطبائها وخبرائها رصيدًا ثمينًا، وفي فلاحيها وعمالها وحرفييها ورجال أعمالها قدرةً على الإنتاج والإبداع. وأرى في الجزائريين المقيمين في الخارج خبرات وتجارب وعلاقات دولية يمكن أن تسهم في نقل المعرفة، وفتح أبواب الاستثمار، وبناء جسور التعاون مع العالم.
وأؤمن بأن الجزائر تستطيع أن تحقق قفزات نوعية في الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي والسياحة والبحث العلمي، وأن تنتقل تدريجيًا من الاعتماد الكبير على المحروقات إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، يوفر الثروة وفرص العمل، ويمنح الأجيال القادمة مساحة أوسع لتحقيق طموحاتها.
لكنني أدرك، في الوقت نفسه، أن هذه الإمكانات لا تتحول إلى إنجازات بمجرد الحديث عنها؛ بل تحتاج إلى رؤية واضحة، وإدارة فعالة، وقضاء على الفساد، وتكافؤ في الفرص، وتشجيع للمبادرة، واحترام للكفاءة، وربط حقيقي بين التعليم واحتياجات التنمية، وثقة متبادلة بين المواطن ومؤسساته.
وأنا على يقين بأن الجزائر لا ينقصها كل شيء كما قد يتصور البعض؛ بل إن لديها الكثير مما يمكن البناء عليه، وما ينقصها في مجالات عديدة هو حسن التنظيم، وجودة التسيير، واستثمار الإمكانات، وتحرير الطاقات من المعوقات.
وحين أتأمل تجارب الأمم التي استطاعت أن تنتقل من التخلف إلى التقدم، أجد أن التحولات الكبرى لم تكن دائمًا نتيجة امتلاكها ثروات تفوق ثروات الآخرين، بل كانت في كثير من الأحيان ثمرة رؤية بعيدة المدى، واستثمار جاد في الإنسان، وإدارة تحسن اتخاذ القرار، ومجتمع يؤمن بأن المستقبل مسؤولية مشتركة.
وهذا ما أتمناه للجزائر؛ أن يصبح النجاح فيها نتيجة للكفاءة والعمل، وأن يجد المبدع والمبادر من يشجعه، وأن تتحول الجامعة إلى مصدر للمعرفة والابتكار، وأن يصبح الاستثمار المنتج خيارًا ميسرًا، وأن يشعر الشباب بأن وطنهم يمنحهم فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم فيه.
وأتمنى أن تتجاوز الجزائر الخلافات الصغيرة والحسابات الضيقة، وأن تتسع فيها مساحة التعاون بين مؤسسات الدولة والقطاع الاقتصادي والجامعة والمجتمع المدني والكفاءات الوطنية في الداخل والخارج؛ لأن بناء الأوطان أكبر من أن تتحمله جهة واحدة، وأعظم من أن يُختزل في مرحلة أو أشخاص أو حزب.
إنني أريد أن أرى جزائر لا تكتفي بالحديث عن إمكاناتها، بل تحولها إلى إنجازات؛ ولا تكتفي بتشخيص مشكلاتها، بل تجعل من كل مشكلة مشروعًا للإصلاح؛ ولا تنتظر الظروف المثالية لكي تنطلق، بل تعمل على تحسين الظروف وهي تشق طريقها إلى الأمام.
وأؤمن بأن خدمة الجزائر لا ينبغي أن تكون مرتبطة بانتظار زوال كل الصعوبات، أو اكتمال كل الشروط؛ فالأوطان تُخدم في أوقات الرخاء كما في أوقات الشدة، وفي الظروف المثالية كما في الظروف الصعبة، وكلٌّ من موقعه وبما يستطيع.
قد لا أرى اليوم كل ما أتمناه لهذا الوطن، وقد أختلف مع كثير من الخيارات والسياسات، وقد أشعر أحيانًا بأن مسار التغيير أبطأ مما ينبغي؛ لكنني لا أريد أن يتحول قلقي على الجزائر إلى يأس منها، ولا أن تتحول غيرتي عليها إلى تشاؤم بشأن مستقبلها.
فأنا أؤمن بأن النقد الصادق يمكن أن يكون فعل محبة، وأن الاعتراف بالإنجازات لا يمنع المطالبة بالمزيد، وأن كشف النقائص لا يتعارض مع الاعتزاز بالوطن، وأن الأمل الحقيقي لا يعني تجاهل الواقع، بل العمل على تغييره.
وحين أنظر إلى الجزائر، أستحضر تضحيات الأجيال التي سبقتنا، وأفكر في حق الأجيال التي ستأتي بعدنا. وأشعر بأن مسؤوليتنا لا تقتصر على الحفاظ على ما تحقق، بل تمتد إلى بناء جزائر أفضل، تكون فيها الكرامة مرتبطة بالعمل، والفرص متاحة على أساس الاستحقاق، والثروة مصدرًا للتنمية المستدامة، والعلم أساسًا للقوة، والعدالة ركيزةً للثقة والاستقرار.
الجزائر أكبر من مشاكلها، وأغنى من أن تختزل ثروتها في باطن أرضها، وأقدر من أن يُحكم على مستقبلها من خلال عثرات حاضرها وحدها.
ولست أقول ذلك لأن الطريق سهل، أو لأن النجاح مضمون، بل لأنني أرى أن المقومات موجودة، وأن الفرص لا تزال واسعة، وأن ما تعجز عنه الإرادة المشتتة قد تحققه الإرادة الواعية حين تتوحد حول أهداف واضحة، وتترجم الأمل إلى عمل، والطموح إلى برامج، والبرامج إلى نتائج ملموسة.
إنني أتمسك بالأمل في الجزائر، لا أمل المتفرج الذي ينتظر المعجزات، بل أمل المواطن الذي يؤمن بأن التغيير ممكن، وأن كل جهد مخلص يمكن أن يصنع فرقًا، وأن كل مبادرة نافعة قد تكون بداية لمسار أكبر.
أريد أن أظل أرى في الجزائر مشروعًا لوطن عظيم، لا مجرد وطن يواجه المشكلات؛ وأن أرى في تحدياتها دوافع للإصلاح، وفي شبابها رهان المستقبل، وفي كفاءاتها فرصة للنهوض، وفي وحدتها الوطنية مصدرًا للقوة.
فمهما تعثرت المسيرة، يبقى الأمل قائمًا ما دامت هناك عقول تفكر، وأيدٍ تعمل، وقلوب مخلصة، وإرادة تؤمن بأن الأفضل ممكن.
الجزائر تستحق منا أن نؤمن بها، وأن نعمل من أجلها، وأن نصبر عليها، وأن ننتقد من أجل إصلاحها، وأن نخدمها دون انتظار المقابل.
وحين أفكر في مستقبلها، لا أسأل نفسي فقط: ماذا ينقص الجزائر؟ بل أسأل أيضًا: ماذا يمكنني أن أقدم لها؟ وماذا يمكن أن يقدم كل واحد منا، من موقعه واختصاصه وإمكاناته، حتى تصبح الجزائر التي نحلم بها أقرب إلى الواقع؟
فالأوطان لا تتقدم بالأمنيات وحدها، ولا تنهض بالتشاؤم، وإنما تتقدم حين يتحول الأمل إلى مسؤولية، والإيمان إلى عمل، وحب الوطن إلى عطاء.
وأنا، رغم كل المعوقات والمشاكل، ما زلت أؤمن بأن للجزائر مستقبلًا أجمل مما يراه المتشائمون، وأن أجمل فصول قصتها قد تكون تلك التي لم تُكتب بعد.
حفظ الله الجزائر، وأصلح أحوالها، ووفق أبناءها وبناتها لما فيه خيرها ورفعتها وكرامة شعبها ... طوبى لمن كان له دور إيجابي في صياغة فصول القصة المفرحة لسعادة الشعب الجزائري ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري